حُمَّى الِاخْتَصَارِ لِلْمُتُونِ التَّعْلِيمِيَّةِ الجزء الأول- الفقه الإسلامي

10 فبراير , 2017

من أساليب التأليف المعهودةِ عند علماء العرب والمسلمين الاختصارُ، وهو أسلوبٌ مستعملٌ مِن أجْلِ أغراضٍ تعليميةٍ غالبًا لا عِلْمِيَّة، ويَحْكُمُ طريقةَ اختصارِ هذه المختصراتِ التعليمية وقَدْرَ شُيُوعِها واعتمادَها في الدرسِ طَرَفَان: المختصِر، وعيونُ أهلِ الفن [أي: أهل التخصص.]

وقبل أن نُبَيِّنَ المراد بهما يجبُ التَّنَبُّهُ إلى أن هذا الكلام كان في أعْصَارٍ أخرى كانت فيها الحياة الثقافية والتعليمية حقيقةً لا مزيَّفةً، جادَّةً لا هازلةً، بَانيةً لا مُشوِّهةً، مما كان يجعلها تحتكم إلى ذائقةِ أهل الفنِّ لا إلى استحسان المخلوق القائم على المؤسَّسَةِ التعليمية، الذي قد يُحسِن تنظيم الإداريات لخدمة العلماء –وهو عمله الأصلي- لكنه أجنبيٌّ عن العلم من حيث هو علم.

أما المختصِر القديم فقد دَرَس على أشياخه طالبًا كتبَ الأوائل، وقرأ بعد ذلك المطوَّلَات والْمُوَسَّعَات حتى استقرَّتِ المسائل في رأسِه، واستَحْكَمَتْ مَلَكَتُه، وتحت إرشادٍ من أساتِيذِه بدأ رحلته في التعليم، يُدَرِّسُ ما استقرَّتِ المدرسة التعليمية عليه من المتون والشروح، وهو مع التجرِبة والْمِرَاس والْمُدَاولة بدأ يَرى مسائلَ مهمةً ينبغي تقديمُها بدلًا عن تأخيرها، ومسائلَ أخرى هي حاجةُ العصر لم يَنُصَّ عليها القدماء إلا في المطوَّلات، أو لم يجتهدوا فيها أصلًا، ومسائلَ يمكنُ بَسْطُها بطريقةٍ أَيْسَرَ على الطلاب، وغيرَ ذلك من التعديلات التي يراها مُهِمَّةً للتعليم.

وكان الأئمة المحترمون ينتظرون زمنًا، من أجل أن يؤلفوا في المطولات والحواشي، ويُعْرَضُ عملُهم على أهلِ التخصص، ويَلْقى قَبُولًا يُجَرِّئُهُم على كتابة المختصَرات، وهي أخطَر من البحوث الكبيرة والمطولة؛ لأن المختصَر تَلَقَّاه عينُ طالبٍ لم يَعرف بَعْدُ الكثير عن العلم، ولا له مَلَكَة في التمييز، ولا وقتَ طويلًا عندَه ليتابع الشيخ؛ فكثير من المبتدئين يقتصرون على المستويات الابتدائية.

ولهذا نَجِدُ نموذجًا باهرا هو شيخُ الإسلام منصورُ بنُ يونُسَ البُهُوتي، يؤلف في الفقه حواشيه وشروحه على “مُنْتَهَى الإرادات” لابن النجار[1]، وعلى “الإقناع” للحَجَّاوي[2]، وعلى “زاد الْمُسْتَقْنِع” للحَجاوي، وغيره من الكتب، ثم يؤلف في آخر عُمُره مَتْنَه الصغيرَالبديع الرائق للمبتدئين: عُمدة الطالب، بوصفه خلاصةَ فكره وثمرةَ بحثه في عَمَلِيَّات التعلُّم والتعليم وخدمة الله والأمة من الجانب الفقهي.

وهذا ليس للبُهوتي فحسْب، ولكنه دَيْدَنُ علماء الأمة في كل العلوم وكل المذاهب، حتى لو لم يصل إلينا سوى مختصراتِهم لِفِعْلِ عوادي الزمن كمختصر الْخِرَقِي الفقهي، لكنهم كانوا يتورعون أن يقولوا في دين الله إلا بعد طول المراس وإفناء السِّنينَ في الطلب والتدريس؛ لأن للعلم عندهم حُرْمَةً مصونةً لا كما هو اليوم.

وما قيل هنا في مختصرات الفقه الحنبلي، يقال مثلُه في مختصرات الإمام أبي حامدٍ محمدٍ الغزاليِّ في الفقه الشافعي، ومختصرات الإمام ابنِ الحاجبِ في الفقه المالكي، وغيرِهما مما يَعِزُّ على الحصر كَثْرَةً، والمشتغِلون بالفقه على دِرَاية بهذا المسلك.

فكيف هذا في مختصراتنا المعاصرة؟

ومن هنا يُؤتى المختصَر المعاصر، فالذي يقوم به متخرِّجٌ في كلية التربية غالبًا، اكتسب لقبَ تربويٍّ من عمله معلمًا للصبيان زمنًا طويلا، جعله في أعراف المدارس موجِّهًا عامًّا أو مديرًا لإدارة تعليمية، أو أستاذًا أكاديميًّا في نظريات الجشطالت وفرويد وروجرز وسكنر والقبعات الست ومونتوسوري ووساوس الشيطان، ثم تتشكل اللجنة التي يترأسها؛ لتطور وتختصر، ولو جُعل فيها متخصصٌ فإن عمله يكون الموافقةَ على المحتوى لا على الطريقة، لأن الطريقة –بزعمهم- من عمل التربوي لا المتخصص فنيًّا!!وكأن هذا العلمَ لم يحمل معه من السنين الغابرةِ طريقةَ تدريسه!

وأما الطرف الثاني وهو عيون أهل التخصص فهو ما سيكون بيانُه في الجزء الثاني.

[1]مثلا شرحه له مطبوع في 7 مجلدات، وحاشيته عليه مطبوعة في مجلدين.

[2]مثلا طُبع شرحه هذا “كشاف القناع” في 15 مجلدا في طبعة وزارة العدل السعودية، وحاشيته عليه في مجلدين.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

Avatar

[…] في الجزء الأول إلى أن المختصَر له طرفان يتحكمان في كمه وكيفه، […]

أضف تعليقك