خواطر عن تعلم اللغات

4 أكتوبر , 2015

منذ دخولي للمدرسة وأنا أتعلم اللغة الإنجليزية، أشاهد الأفلام الأجنبية الإنجليزية باستمرار، وعلى الرغم من هذا لم أكن يوماً شخص متقن لهذه اللغة، دائماً مستواي جيد فقط برغم حبي لها لدرجة إنني كنت أذاكرها لثلاث أيام أسبوعياً في مرحلة الثانوية العامة التي يفضل جميع الطلاب تخصيص الجزء الأكبر من وقتهم للمذاكرة فيها للمواد مثل الفيزياء والرياضيات.

عند دخولي الجامعة واختلاطي بمجتمع مختلف من الطلاب والشباب في أنشطة مختلفة بعيدة عن الدراسة، أكتشفت أن الكثير منهم لا يستطيع التعبير عن نفسه بعربية سليمة دون اللجوء لكلمات ومصطلحات إنجليزية، يكتبون العربية بحروف وأرقام إنجليزية لأنهم لا يستطيعون الكتابة بالعربية أو تعودوا على استخدام الأحرف الإنجليزية نظرًا لدراستهم وطريقة حديثهم، وكنت أقوم بهذا الأمر لبعض الوقت ثم استسخفته، أحياناً كنت أفكر بأنها محاولة جيدة منهم للكتابة والتعبير بالعربية حتى وإن كان بطريقة مختلفة، ولكن ماذا عن التشجيع المستمر لغير المتقنين للإنجليزية لتعلمها وإتقان كتابتها لضرورة التواصل والحصول على فرص عمل جيدة؟ لماذا لا يقومون بتطبيق نفس النصائح على أنفسهم ليتعودوا فقط على الأحرف العربية على لوحة المفاتيح في الكمبيوتر؟ عموماً لست بصدد الحكم على أي شخص، فلكل منا ظروفه الخاصة التي تدفعه لاتخاذ خيارات محددة في حياته حتى وإن كانت الكتابة بحروف إنجليزية للغة العربية.

في هذه المرحلة أصبح عندي تحدي لترجمة كل كلمة/مصطلح إنجليزي شهير في الاستخدام للعربية، ويجب على من يتعامل معي أن يحاول فهمه، حتى يدرك وجود بديل للكلمة، ليس إجباراً ولكن محاولة مني لنشر فكرتي، فعلى أقل تقدير إن لم يفهمني سيسألني المتحدث عن معنى المصطلح الذي قلته فأخبره بالمرادف الإنجليزية له ليدرك قدرة اللغة على استيعاب عدد كبير من الكلمات ولكن المشكلة بنا لعدم محاولة استخدامها.

أحب العربية من مشاهدتي المستمرة لأفلام الرسوم وإعجابي بأصوات المؤديين وهم يتقمصون الشخصيات وجملهم الشهيرة المصاحبة لكل شخصية التي أصبحت متاثرة بها في حديثي بعد ذلك، وحتى في مرحلة الثانوية عندما كنت أتابع قناة الجزيرة للأطفال وتعرفت على مجموعة من الأصدقاء من مختلف الدول العربية، كنا نتحدث جميعاً ونتواصل بالفصحى، وليس اللهجات الخاصة بكل دولة.

عندما كنا نتصل ببعضنا البعض كنت أتجنب أن أتحدث أمام أي شخص غريب، غير أسرتي، لا أدري هل هو خوف من الشعور بكوني مختلفة عنهم، أم حرج لأنني تعودت على الحديث بهذا الشكل أمام مجموعة محددة من الأصدقاء فقط؟ ولكن في النهاية أعلم أنني كنت أسعد كثيراً بهذه اللحظات المتاحة للتواصل بالعربية الفصحى، على الرغم من عدم إتقاني لها بشكل سليم حتى مع درجاتي المرتفعة في مادة اللغة العربية وتفوقي في فرع النحو الذي أدمر قواعده الآن في كتاباتي، الأمر الذي يثير غضبي وضيقي لكني لا أفعل شيئاً حياله لا أعلم لماذا؟ غالباً اللعنة التي تدعى الكسل.

عندما درست الفرنسية في المرحلة الثانوية لأول مرة وقعت في غرامها، لم أذاكرها سوى لفترة بسيطة في السنة الثانية وحصلت على مجموعة ستة وأربعون درجة ونصف من خمسين، بعد حوالي 6 سنوات من آخر تعامل مباشر ومكثف مع اللغة الفرنسية وجدت نفسي مازلت قادرة على استيعاب بعض الجمل والكلمات قراءة، وعندما قررت العودة لدراستها مرة أخرى باستخدام تطبيق Duolingo وجدت نفسي أحرز تطوراً جيداً على مستوى الكتابة والقراءة والتحدث في وقت قصير، هل يرجع الأمر لقدرات شخصية أم التطبيق مميز حقاً في أسلوب التدريس؟ لا أعلم أيضاً، لا أحب التفاخر بقدرة لست متأكدة من وجودها في عقلي.

أحب اللغات ولدي هدف دائم وواضح منذ صغري بتعلم أكبر قدر من اللغات مع أختي، نخبر بعضنا البعض بإننا سننجز هذا الهدف يوماً ما وسنصبح سعداء جداً بأنفسنا المثابرة.

هناك متعة خاصة أشعر بها في بناء الجمل ومقارنة الكلمات والبحث عن المعاني وطرق الكتابة بمختلف اللغات واللهجات، أشعر بالضيق عندما أرى شخص يتعصب لصالح الفصحى في مقابل تحقيره لشأن العامية، أو العكس، لماذا لا يستطيعون الاستمتاع بجمال صوت كل لغة ولهجة، أكثر لكنة أعشق سماع الإنجليزية بها هي اللكنة الخاصة بأهل إنجلترا أنفسهم، تلك التي أسمعها في أفلام هاري بوتر والأفلام المقتبسة عن الروايات الإنجليزية الكلاسيكية، أكتشفت إنني أشاهد هذه الأفلام لسماع صوت الممثلين وليس فقط من أجل الأحداث والقصة.

كثيراً ما أسمع شباب مصري يتحدث الإنجليزية بلكنة أهلها وبإتقان شديد ولكني اشعر بالضيق من سماع صوتهم لإحساسي بإنه مجرد أداء وليس صوت معبر عن الروح الخاصة بالشخص، أتسائل لماذا علينا أن نتقن اللغة بلكنة أهلها طوال الوقت؟

لسنا عملاء مخابرات متخفين نخشى اكتشاف أمرنا من طريقة حديثنا!

والحديث بلغة أجنبية بطريقة متقنة ليس أمراً مكروهاً بالنسبة لي، ولكنني أفضل أن يكون نابع من إقتناع روح وعقل المتحدث باللغة المتحدث بها.

فكرت مؤخراً بأنه كما أهتم بتطوير لغتي الإنجليزية والفرنسية كتابة وتحدث، والعربية “كتابة” فقط، يجب أن أضم لها التحدث أيضاً، فقررت حفظ القرآن لأتعلم النطق السليم والأصلي –إن جاز التعبير نظراً لوجود قراءات متعددة- بشكل أفضل.

في شهر أغسطس 2015 سافرت لحضور معسكر مؤسسة آضف للتعبير الرقمي للشباب في مدينة القصير، كان المعسكر يضم العديد من الجنسيات العربية المختلفة، زملائي وأصدقائي الذين كنت أستمتع بحديثهم المتواصل من حولي بمختلف اللهجات كأنهم يعزفون مقطوعة موسيقية.

هنالك العديد من الأمور التي يمكنني التحدث عنها حول تجربتي في المعسكر لعشرة أيام متواصلة، ولكن لهذا حديث آخر في مقال قادم، وحتى هذا الوقت دعوة لمن يقرأ هذه السطور حالياً بالإنصات جيدًا لحديث البشر من حوله وإعادة النظر في شأن الهدف من تعلم اللغات المختلفة وأسلوب تعلمها.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

حاتم الأنصاري منذ سنتين

ومصداقا لذلك قرأ بعض القراء “…ثم اجعل على كل جبل منهم جزءًا…” بسكون الزاء وبضمّها، والضم ما عهدناه في لسان إخواننا الشوام، والإسكان لسان المصريين ولفيف من العرب؛ ولذا فالقرآن -لا شك- خير معين على ضبط اللسان على قانون العربية الصوتي والصرفي والنحوي والأسلوبي.
كان الله جاركم.

أضف تعليقك