ركائز بناء الذات

3 يوليو , 2016

ورد التعبير القرآني “الأخذ بقوة” عدة مرات في القرآن الكريم، كقوله تعالى: “يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً” [مريم: 12]، وكذلك: “خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا” [البقرة: 93]. والأخذ بقوة هو الأخذ بعزم وبحزم، والصبر على حمل الأمانة وثقل المسؤولية، والصبر على طول الطريق.

وأخذ الحياة بقوة يعني أن تحياها لا أن تعيشها، وأن تمر أنت بها لا أن تمر هي بك؛ يعني أن تأخذ نفسك بجدية وتَعِي مسؤولية ما منحك الله من نعم بدءًا من خلقك في أحسن صورة وأتم هيئة، مرورًا بكل ما تنعم به من أسرة وسكن وصحة ومرافق ومال وفرص تعليم مجانية متاحة لمن يطلبها بضغطة زر ليس إلا الخ.

مما يعني ألا تهدر طاقاتك وتحول الاستمتاع والترفيه إلى غاية الوجود، ويعني ألا تخاف التحديات ولا تنكمش عند الصعاب، متوقعًا الحياة دائمًا أن تكون مريحة ومفصّلة على مقاسك!، ويعني التحلي بروح المبادرة والإيجابية التي وقودها قناعاتك ومبادئك لا انعكاسات لأرواح الآخرين، ويعني أن تستمتع بحياتك بأن تعطي كل ذي حق حقه وأن تدرك أن الاستمتاع لا يخلو من تعب وأن الهمّة الوقّادة لا تنافي لحظات الحزن وأنّات الألم، لكنها لا تتركهما يغلبانها، لأنها تستمد العون من السماء.

ولتأخذ حياتك بقوة، لابد أن تبدأ بنفسك فتأخذها بجدية وتبنيها بعزم، وفيما يلي ركائز البناء الأساسية لكل جاد:

1. غربلة الأولويات وتحديد المجالات بحسب الطاقات:

ما المجال الذي أريد تنمية قدراتي فيه؟ ما القدرات التي أريدها تحديدًا في هذا المجال؟ ما الوسائل المتاحة؟

2. وضع خطة مقسّمة إلى مراحل ومهام:

مثلًا تنمية مهارة الاستماع بوسلتين: الفيديوهات اللغوية والكتب المسموعة، على مدار شهرين، ويستحسن إن أمكن استشارة مختص في المجال، أو صديق مقرب، أو حتى تصفح نماذج خطط الاستفادة من الوقت على الإنترنت وتخير إحداها أو الجمع بين طرقها.

3. اليقظة:

الوعي والإنتباه لمدى تحقق مقصدك من فعل معين، فإذا كنت تبحث في قضية فكرية مثلًا، ورشّح لك أحدهم كتابًا، أو جمعت من تصفحك عناوين كتب، لا تجبر نفسك على الاستمرار في قراءة كتاب لا يعود عليك بنفع، بغض النظر عن آراء الآخرين فيه، لعله لا يخاطب احتياجك الآن وقد تفيد منه لاحقًا، أو لعل نهجك الفكري مختلف عنه، أو لعل تبريرات كثيرة ممكنة، لكن العبرة في النهاية بما ينفعك أنت!.

والإنتباه لقصدك سيعينك على الإفادة أكثر من كل فعل بعدة صور، فالحريص على إتقان اللغة لن يمرر مواد الاستماع أو القراءة بغير أن يسجل المصطلحات والمفردات ويتتبع مفاتيح النطق والمخارج في القاموس؛ وذلك بعكس من همه أن يستكثر من المواد والسلام، فتجده يقرأ كثيرًا ويسمع كثيرًا ولا تقدم لغوي ملحوظ.

4. التدرج والتروّي:

التقدم ببطء وثبات خير الجمود في مكانك، لذلك لا تستصغر الأهداف الصغيرة والإنجازات المتواضعة، فإذا كنا نتحدث عن عمر يُنفَق وحياة تمضي فلا خير مهما صغر صغير، ولا استهتار مهما قلّ قليل.

وكما علّمنا الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام: “أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل” [رواه البخاري]، وكذلك يقول مصطفى صادق الرافعي، في كتابه “تحت راية القرآن”: البطء والقوة إلى زيادة، خير من السرعة والقوة إلى نقص”.

فالدوام والمثابرة ركنان ركينان في صرح الأحلام، المهم أن تعيش رحلة الاكتشاف والتقدم بكل دقائقها، أما أن تضع عينك على نقطة الانتهاء فتأكد بأنك ستنتهي لكن بغير أن تكون أنجزت فعليًا لأنك لم تكن واعيًا ويقظًا لمراحل التطور.

“ضع عينيك على إمكاناتك في غير تهيب ولا تهور، وأولى سمات الذكاء ألا تستدرج إلى مسؤولية تقوم بين طاقاتك وبينها استحالة لا تملك تذليلها، وألا تدع مسؤولية تفلت وأنت عليها قادر في ضوء جميع الظروف، اختر مسؤولياتك وإذا اخترتها فقم بكل التزاماتها، ابذل فيها كل روحك وجهدك، فعظمة الروح لا تتجزأ”. [خالد محمد خالد – الوصايا العشر لمن يريد أن يحيا]



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك