سلسلة لغتنا الجميلة – قصة قصيرة: حديثٌ شَيِّق!

24 ديسمبر , 2017

دخل أنس إلى المنزل فسلّم واتجه إلى حيث كانت والدته تعد المائدة، فبادرها قائلًا: السلام عليكم يا أمي ورحمة الله وبركاته، فابتسمت الأم في حنان وود وردت السلام و قبلته على جبينه المندى بحبات العرق وسألته: “كنت تلعب الكرة مع أصحابك بعد المدرسة ؟”.

فابتسم الصغير وأومأ برأسه ثم قال: “سألنا معلم اللغة العربية اليوم سؤالًا محيرًا، ولمّا لم يجبه أحد أمهلنا حتى يوم غد”، فسألته أمه: “وما هو ذلك السؤال المحيّر ؟” فقفز الصغير من حجرها و أسرع إلى حقيبته فأخرج منها كراسة اللغة العربية، وأراها لوالدته وهو يشير بإصبعه الصغيرة إلى جملة كتبت بخط حسن: “هَرَع التلميذ إلى المدرسة”، ثم عقّب: “طلب منا المعلم تصويب العبارة و لكني لم أجد فيها خطأ”.

تأملت الأم العبارة مَلِيًّا” ثم أجابت في حيرة: “والله ولا أنا يا ولدي، فاصبر حتى يعود والدك وإخوتك ثم نتناقش في هذه العبارة”.

 

بعد الغداء تجمعت الأسرة في غرفة المعيشة فسارع أنس يسأل السؤال المحير. أمسك الأب الكراس يتأمل العبارة، ثم ابتسم وناولها لأحمد وأروى قائلًا: من منكما يحدد الخطأ في العبارة وله عندي مكافأة؟

تطلع أنس بعينيه العسليتين إلى أخويه في حماس طفولي سرعان ما حلت محله خيبة الأمل حينما هز كل من أحمد و أروى رأسيهما في حيرة، وقالت أروى: العبارة صحيحة: “هَرَع التلميذ إلى المدرسة”.

ابتسم الأب حينما تطلع إليه الجميع منتظرين القول الفصل! فتنحنح في تؤدة ثم قال : “الخطأ في تشكيل (هَرَع ) فالصواب أن نقول : ( هَِرع ) فلان (هَرَعًا) أي: كان سريع المشي، أو ( هُِرع ) أي: مشى أو عدا في سرعة واضطراب و( أََهْرَعَ ) الرجل: أسرع في عدوه، أما ( هَرَع ) فهو من الأخطاء الشائعة في النطق”.

ضرب أحمد جبهته بكفه وقال: “صحيح! حتى إننا نحفظ قول الله تعالى في سورة الصافات   ۞ إنهم ألْْفَوْا آبائهم ضالين۞ فهم على آثارهم يُهْرَعُون ۞”.

 

وهنا ارتفع صوت المؤذن فقالت الأم: “جزاكم الله خيرًا على هذا الحديث الشيِّق، و الآن لنستعد للصلاة فقد أذَّنَ للعصر”. فقال الأب مداعبًا: “مهلًا يا أم أحمد! لقد وقعت الآن في ثلاثة أخطاء شائعة!” تبسمت الأم في عجب و عادت لمجلسها قائلة: “خيرًا؟ صوِّبني أثابك الله”.

فضحك الأب وقال: “الخطأ الأول قولك: حديث شيق والصواب حديث (شَائِق) أي يُشََوِّق الإنسان بجماله وحسنه، أما ( شيق ) فمعناها: ( مشتاق) ولا يمكن أن يكون الحديث مشتاقًا!”.

 

ضحكت الأم وقالت: “والثانية؟” أجاب الأب: قولك: “أُذِّن للصلاة و الصواب: أذِّنَ بالصلاة أي نودي بها”.

 

فسأل أنس: “فما الثالثة ؟” تبسم الأب و قال: “نسيتِ دعاء كفارة المجلس!”. فقالت الأم باسمة: “إذن جزاكم الله خيرًا على هذا الحديث الشائق، ولننهض للصلاة وقد أذِّن بالعصر، بعد أن نختم بدعاء المجلس” (تلتفت لزوجها): “ما قولك الآن يا أبا أحمد ؟”

 

صفق أنس الصغير بيديه في جَذل هاتفًا: “مرحى! مرحى! علامة كاملة لماما!” فضحكوا جميعًا من مداخلته الطفولية وقال الأب: “قد أجابك عني  أنيس، ولك فوقها نجمة نجابة لحسن تجاوبك!” (يلتفت للأولاد)  “والآن يا أحبائي لنردد معًا الصلاة على نبينا المصطفى ونختم بدعاء كفَّارة المجلس”:

 

” اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك . “[1]

 


[1] عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : ” من قال قبل أن يقوم من مجلسه : سبحانك اللهم و بحمدك ، أشهد ألا إله إلا أنت ، أستغفرك و اتوب إليك ، إلا كفَّر الله له ما كان في مجلسه ذلك ”  قال الترمذي : حديث حسن صحيح . و في رواية زيد أن من كان في مجلس خير كان كالطابع أو الخِتْم له .

 

____________________________

المراجع :

لسان العرب

المعجم الوجيز

معجم الأخطاء الشائعة – محمد العدناني

كتاب الوابل الصيب في الكلم الطيب – ابن قيم الجوزية

 

القصة الأولى: أأعجميّ وعربي؟



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك