سَفَر

5 يوليو , 2013

 

[[{“type”:”media”,”view_mode”:”media_large”,”fid”:”765″,”attributes”:{“alt”:””,”class”:”media-image”,”height”:”307″,”typeof”:”foaf:Image”,”width”:”480″}}]]

ينَ يقتربُ موعدُ قدومِ قطارِكَ تتأهّبُ وتتركُ مقعدكَ خاليًا، تُقرّبُ منكَ حاجيّاتِكَ وأغراضَكَ، تقتربُ نحوَ الحافّةِ، مع أنّك تعلمُ أنّ هذا َخَطِرٌ، لكنّ الفطرةَ تدعوكَ لهذا، تُريدُ أن تطمئنَ أنّك فعلا في الوقتِ المُحدّدِ،

وأنّه حقًا قطاركَ

 

أنتَ لستَ وحدَكَ هُناك، بَل عشراتٌ ربّما مئاتٌ ينتظرونَ كُلّ لوجهةٍ مختلفة، إلى مكان مختلف، منهم من صارَ ركوب القطار عنده حالةً شبهَ يوميّةٍ، ومنهم من سيركبه أوّل مرّة، كتلكَ الطّفلةِ الّتي تقبضُ بيدِ والدها هناك على ذاكَ الرّصيفِ الأخير

 

يتدافعُ النّاسُ للدّخولِ تَدافُعَ من يخشى أن يمضيَ القطارُ دونَهُ، فيظلُّ على ذاكَ الرّصيفِ، لطالما علّمنا القطار أنّ لا وقتَ له للانتظار.. هناك شابٌ يركضُ حاملا حقيبةً على ظهرهِ، يحاولُ أن يدركهَ، وأنتَ تختفي مع أمتعتكَ وتولج بالدّخول لمقطورةٍ من مقطوراتهِ الكثيرة..

تضعُ رأسكَ على مقعدٍ حالفكَ الحظُّ بإيجادهِ، فكم من مرّةٍ كُتبَ علينا أن نُسافرَ دونَ مقعدٍ للجلوس، نتكبّدُ عناء الوقوفِ مع ضجيجِ الرّكابِ، وصخبهم، وأحاديثهم غير المفهومة واللا منقطعة

 

يبدأُ بالتّحركِ بوتيرةٍ بطيئةٍ، وبعدَ فترةٍ من الزّمنِ لا تتعدّى الدّقائقَ تراهُ كالبرقِ يمضي، يقطعُ سِكّتهُ غير مبالٍ لأيّ أمر.. وتبدأُ الصّورُ الكثيرةُ بالتّقافزُ شيئا فشيئا.. صورٌ لبناياتٍ ضخمةٍ، لا تلبثُ قليلا إلّا وتختفي، ويخرجُ القطارُ نحوَ المروج الخضراء اليانعة، يقطعُ سهول الذّرةِ العظيمةِ، وتقعُ عيناكَ على أطفالٍ يعتمرونَ قبّعاتٍ يقطفون داخلَ الحقلِ، تبحثُ عن هاتفكَ لتلقطَ صورةً لهم، فما إن تجدهُ حتّى يكونُ المشهدُ قد انقضى.. تتمنّى لو يعود القطار، أو توقفَ الزّمن لبرهةٍ ما، لكنّ احتكاك عجلاتهِ بالسّككِ يخبرك أنّه ما من وقوف، ما من عودة..

كذا هي الحياةُ تحملنا بقطارها السّريع، نتمنّى أن نوقفَها أحيانًا، لنلتقطَ مشاهدَ عظيمةً أثارتنا، فبعضُها يستحقُّ منّا تلكَ الوقفة، أو ذاكَ الانتظار.. مراحلُ من حياتنا تمضي من من آلةِ تصويرٍ تستطيعُ إيقافها، لكنّه وحدهُ القلبُ يستطيعُ حفظها، والعقلُ وحده كفيلٌ بإرجاعها حينما نريد ونشتهي

 

الحياةُ كالقطار الّذي لا ينتظرُ أحد، بل يتوقّفُ كلّ حينٍ في محطّةٍ ما ليُقلّ المنتظرين.. ويحملَ الرّاغبينَ في السّفر في مقطوراته.. وكذا حياتُنا.. نحنُ المسافرون دومًا بها

 

ولكلِّ سفرٍ نهاية، لا نُحبُّها أحيانا، ولا نرغبها، فساعة الفراق صعبة، مؤلمة، وحزينة، لكنّ تلك الدّمعة المترقرقة في مقلنا ستسقي أحلاما وطموحاتٍ سافرنا لأجلها، وتغرّبنا لتحقيقها.. وإنّها ستكونُ بإذن الله..

 

كلّ عامٍ وأنتم بألفِ خير

 

معلّمة اللغة العربية

كفركنا – فلسطين

 

109543.gif


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

إيمان العموش منذ 4 سنوات

كلماتك ،، تشبيهاتك ،، طريقة التعبير ،، كل شيء رائع !
من أجمل ما قرأت صراحةً ،، بارك الله فيكِ وفي قلمك ،،

وأضيف لما كتبتِه ما كتبه الدكتور خالد أبو شادي : “إخوتاه الدنيا بحر والجنة ساحل والمركب التقوى وكلنا على سفر”

بوركت وبورك قلمك ^_^ وكل عام وإنتِ أيضا بألف ألف خير ..

أضف تعليقك