طبعي خجول: هل من حلّ؟

29 يونيو , 2017

إن أولى وأهم سبل علاج الطبع الخجول ألا تجعل رضا الناس غايتك. مرد الخجل كما سلف لعِلّة قلبية وهو التفات قلبك للناس، سواء برهبة نقدهم أو الرغبة في تقديرهم. وإن فيما سبق بيانه من أولويات في التخطيط والتحديد كفيل بتعريفك القبلة الحقيقية التي توجه لها همك واهتمامك.

في ميزان الله تعالى الذي ستحاسب على أساسه، لست مطالبًا أبدًا بإرضاء الناس، وإنما بالإحسان إليهم ما استطعت، والتزام سبيل الخلق الأسمى ما أمكنك ذلك. فإن هنالك من لن يرضى عنك ولو قطعت الأرض طُولًا إليه ثم من بعد طولها سِرتَ عَرضًا! لذلك الزم باب الدعاء أن يصرف الله قلبك وهمك لرضاه وحدك، وأن يجعل لك وُدًا في قلوب عباده الصالحين.

ولا يعني ذلك أن نضرب بتقييم الآخرين لنا عُرْضَ الحائط، وألا نفيد منه في تهذيب أنفسنا. بل إن خير ما يهديه إلينا الآخرون هو عيوبنا لنقوّمها ونصلحها قبل فوات الأوان. لكن المقصود أن تفرّق بين الإفادة من نصيحة واتخاذها تجريحًا يكسرك. ثم هنالك فئة معينة من الخواص المقربين هم مرآتك وهم من يعنيك تقييمهم. فيمن عداهم فتعامل مع آرائهم بموضوعية: قلّب الكلام على وجوهه، فما وجدت فيه من حق فاتبعه، وما وجدت من كيد وحقد فدع عنك ما تكره، وفي كلتا الحالتين امض قُدُمًا ولينته الأمر عند هذا الحد بكل بساطة.

 

في تواصلك مع الآخرين

يقول عباس العقاد:

“العناد والثبات على الرأي نقيضان: فالعناد إصرار بغير سبب أو لسبب ظهر بطلانه، أما الإصرار فهو ثبات على رأي يؤمن به صاحبه، ولم يظهر له ما يدعوه للتحول عنه. هناك أناس يجادلون لئلا يفهموا ولا يجادلون ليفهموا. وهؤلاء هم الذين يجادلون ليثبتوا أنهم فاهمون!”

لذلك إذا اتخذت موافقة الآخرين قاعدة، فلا ريب أن مواقفك ستتناقض في كثير من الأحيان، فالسباحة مع التيار لا تعني أن كل أمواجه على نفس الشاكلة. والاختلاف لا يعني أن تكون مخالفًا، بل أن تكون مختلفًا: أي أن تكون أنت أنت. والرأي مهما كان مختلفًا لازال بالإمكان تقديمه بتهذيب ووُد.

 

 

ولا يكن همك أن “يقبلك” الآخرون، بل اقبل أنت نفسك أولًا، وقبول النفس يكون باستعدادك لنسبة أفكارك ومشاعرك إليك، واستخدام صيغة الأنا حيثما استخدم الآخرون صيغهم، في غير تكبر ولا تعالٍ، وإنما إحقاقًا لحقك في أن يكون لك وجود كما يليق بمن كرمه الله بالوجود، فصوتك صوت من الأصوات، لماذا لا يستحق الإنصات إليه كالبقية؟ وإن الناس أبدًا لم ولن تجمع على حب إنسان واحد، ومهما فعلتَ سيكون هنالك من “لا تعجبه” أو لا يحبك. وكما يقول الشافعي رحمه الله:

 

إذا المَرءُ لا يلقاك إلا تَكَلُّفا         فدَعْهُ ولا تُكثِر عليه التَأسُّفا

فما كُلّ من تَهواه يهواك قلبه     ولا كلّ مَن صافيتَه لك قد صَفا

 

واجعل من عادتك عند الحديث أن تستعمل جملًا قصيرة واضحة، بغير استطراد والتفاف حول القصد، وانظر في عيون مستمعيك بالتوالي ولا تثبّت نظرك إلى الأرض، واعتمد نبرة هادئة معتدلة السرعة. كان من هدي المصطفى ☺ في كلامه الترتيل والترسيل، وعن عائشة رضي الله عنها : “كان كلام رسول الله كلامًا فَصْلًا يفهمه كل من يسمعه، كان يحدثنا حديثًا لو عده العاد لأحصاه”([1]) أي من إيجازه ودقته. وتذكر أن لك إبداء الرأي وإن لم يؤخذ به، كما عليك الاستماع للآخر وإن خالفك، فلست مجبرًا على موافقته.

وليست العبرة بالسكوت أو الكلام بذاتهما، بل بمقصود كلٍّ. فلا تتكلم لأنه ينبغي أن تقول شيئا، بل لأن لديك شيئًا تقوله. وهناك فرق بين الصمت خشية الكلام، والصمت لعدم وجود ما يستحق القول، أو يفيد إذا قيل. والقاعدة الذهبية هي النصيحة النبوية: “من كانَ يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ فليقُلْ خيرًا أوليصمُتْ” [رواه البخاري]. وقد كان من هدي المصطفى عليه الصلاة والسلام أنه “لا يتكلم إلا لحاجة، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا ولا صخّابًا. وكان جُلّ ضحكه التبسم، بل كله التبسم”([2]).

في حديثك مع نفسك

احرص بينك وبين نفسك أن تستعمل جملًا إيجابية توصّف فيها خجلك بموضوعية، بحيث لا يتضخم الأمر في قرارة نفسك ويصير “عيبًا” من عيوب الشخصية. فقل لنفسك – مثلًا- : “كلُّ ما في الأمر أنني إنسان هادئ طبعًا، وأفضّل رفقة نفسي، لكنني لا أمانع في التواصل مع الآخرين بكل بساطة ومودة”.

فكما أن من الناس من يولد مُحبًا للأنس والمخالطة، هناك من يولد محبًا للعزلة والخصوصية، وفريق ثالث بَيْن بَيْن. وليس المطلوب من الكل أن يكونوا نجومًا اجتماعيين، لكن المطلوب هو “التواصل”، أي القدرة على التعبير عن ذاتك وآرائك ومشاعرك أمام الآخرين، والتعاون والتراحم ما استطعت، وكف الأذى باليد واللسان، هذا كل ما في الأمر!

تأمل هذا الحديث الشريف الذي يرسم منهجًا للتواصل الاجتماعي حسب الإستطاعة: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : “على كل مسلم صدقة”.

  • قيل: “يا رسول الله، أرأيتَ إن لم يجد؟”
  • قال: “يعمل بيديه فينفع نفسه، ويتصدق”.
  • قيل: “أرأيت إن لم يستطع؟”
  • قال: “يعين ذا الحاجة الملهوف”.
  • قيل: “أرأيت إن لم يستطع؟”
  • قال: “يأمر بالمعروف أو الخير”.
  • قال: “أرأيت إن لم يفعل؟ “
  • قال: “يُمْسِك (يمتنع) عن الشر، فإنها صدقة”. [رواه مسلم]

فلا تعط مخالطة الآخرين أقل أو أكثر مما تستحق، وأدنى الحدود المقبولة أن تعاملهم كما تحب أن تعامَل، وكيفما تحب أن تحاسب. ولتكن الأخلاق الحسنة عامة هي محل تطلعك، لأن بها قربك من مجلس الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام: “إنَّ أحبَّكم إليَّ وأقربَكم منِّي يومَ القيامةِ أحاسنُكم أخلاقًا”. وليس في حسن الخلق ما يتطلب أكثر من المذكور أعلاه، وليس فيه ما يشترط رضا كل الناس عنك، ولا ثناءهم الكامل والدائم. وكم من أناس متألقين مظهًرا ولامعين اجتماعيًا لمكانة أو وجاهة، لكنهم فقراء الأخلاق أو غير أنقياء السرائر.

 

في مواقف التحدث على الملأ

أن تكون خجولًا لا يعني أنك لا تستطيع أن تقدم عرضًا مبهرًا! فالخجل يجعلك تتهيب الحديثَ على الملأ، لكن ذلك يكون في الغالب للأحاديث غير المعدة مُسبَقًا. أما بعد الخطوات الموضحة تاليًا في بند “مهارات العرض والتقديم”، ستجد أن الخجل انزوى، ليحل محله التوتر الطبيعي المصاحب للأحداث الكبيرة والمهمة في حياتنا! وإذا كانت طبيعة عملك مما يتطلب الحديث على الملأ، فثق بأنها مسألة وقت قبل أن تعتاد الأمر فلا يرهبك، وتثق بقدراتك المخبوءة فلا تخجل.

كن مقتنعًا بأنك لست خجولًا ولا متهيبًا، فقط لا تحب الكلام كثيرًا وسط الحشود، لكن إن طُلب إليك ذلك فلمَ لا؟ حدث نفسك هكذا ببساطة، وكن مقتنعاً بذلك، وكل ما سواه هو مبالغة نفسية وحواجز وهمية بينك وبين إتقان هذه المهارة.

ولو أنك تنفق خمس دقائق يوميًا في تصوير نفسك بالفيديو أو كاميرا اللاب توب، متحدثًا عن خاطرة، أو راويا لقصة ما، للمست تقدمًا ملحوظًا في هذا المجال. ابحث على الإنترنت عن قصص قصيرة، ثم قم بتلخيصها شفاهة بأسلوبك. ذلك أن المرء هو حقًا “عدو ما يجهل”، فإن صرت معتادًا على الإلقاء بصوت عال أَلِفَت نفسك هذا المجال الجديد، خاصة بالنسبة للشخصيات الهادئة قليلة الكلام بالطبع، ولم يعد هنالك من سبب لتهيبه.

إن مهارة العرض والتقديم من المهارات التي قلما نتدرب عليها طوال سني الدراسة، ثم يطلب إليك فجأة أن تتحول إلى خطيب على مِنبر! فلا عجب أن تكون هذه المهارة من أسباب القلق والتوتر، فلستَ بِدعا في ذلك، وإنما يتفاوت الناس في درجات التوتر بحسب قوة الإعداد والتعوّد ليس إلا.


([1]) الآداب الشرعية – محمد المقدسي

([2]) زاد المعاد في هدي خير العباد – ابن القيم

 

قد يهمّك الاطلاع على : التفرقة بين الحياء والخجل



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك