مغامرة في أدغال التعليم -٢- عقاب مريب!

30 أبريل , 2014

لطالما كان العقاب المدرسي مصدر إزعاج لي في صغري، الضرب! تلك الوسيلة غير الآدمية التي تربينا على منهج الخوف من البطش، لا فهم الخطأ وتجنبه مراعاة لأخلاقنا ومبادئنا الأنسانية.

أكثر ما كان يهمني في بداية أيام تدريسي هو تجنب هذا الأمر، مستحيل أن أقوم بضرب طالب أو سبه، سأشعر بالإهانة الشديدة لنفسي بالإضافة لإنه أمر منافي لأخلاقي ولقواعد وزارة التربية والتعليم المصرية التي يضرب بها الأساتذة عرض الحائط وينالوا من الطلبة بضربهم وسبابهم المستمر، والمشكلة الأكبر هي تشجيع بعض الأهالي على هذا الأمر، جملة (كسره ولا يهمك بس يحل ويبقى شاطر )، وفي الواقع هو سيصبح حمار ينقل المعلومات حفاظًا على سلامته وخوفًا من ألم الضرب النفسي قبل البدني.

قبل دخولي الفصول نصحني بعض الزملاء بضرورة الشدة على الطلبة، والإمساك بـ “ العصاية “ حتى ولو كانت على سبيل التحذير، وبالتأكيد ضربهم لإنهم “ بهايم مش بيخافوا غير من الضرب “، أحد العادات التي تعلمتها منذ بدأ الثورة المصرية هو الصمت عند سماع حديث لا يعجبني لأن بعض الناس النقاش معهم هو جدل لن يثمر بتغيير أفكارهم، كنت أوميء برأسي وأصمت في محاولة مني لإسكاتهم لأبتعد عن نقاشاتهم السخيفة.

واجهت بعض الصعوبات في البداية في محاولة إسكات الطلبة خاصة بسبب عدم تعودهم على الصمت والإلتزام بما يقوله المعلم بدون ضرب للأسف، كنت أقوم بمعاقبة المتحدث بالوقوف طوال الحصة الدراسية بجانبي أثناء الشرح، أحيانا كنت أنفعل وأصرخ عليهم بإنني أحاول تجنب نصائح الزملاء وأرفض ما يقال عنهم وضرورة فهمهم لإنهم بشر لا يصح ضربهم لكي يستمعوا لحديثي، كلامهم ومشاغبتهم هي إهانة لأنفسهم قبل أن تكون عدم إحترام للمعلم، إحقاقا للحق كانوا يتجاوبون معي ولاحظت تطور سريع في فرق المعاملة، أحبوا كونهم محل إحترام من طريف فأصبحوا حريصين على عدم إغضابي بتصرفاتهم، بالتأكيد لابد من حدوث بعض المشاغبات البسيطة التي كنت ألفت النظر إليها وأحيانا أتغاضي عنها بحكم كونهم صغار في النهاية.

على الرغم من تجاوبهم معي وتحسنهم إلى حد ما، كنت أرفض صمتهم بدون محاولة تغيير شيء ما بهم، فكرت في طريقة عقاب مختلفة أستطيع التأثير بها عليهم، في البداية طلب من رائدة الفصل ( الطالبة المنتخبة منهم لإدارة شئون الفصل أثناء غياب المعلم ) أن تقوم بكتابة اسم أي طالب يتحدث أثناء شرحي، وأخبرتهم بإن من يتحدث سوف أخصم منه 5 درجات في إختبار نصف الفصل الدراسي، ولكي يستطيع تحصيل هذه الدرجات مرة أخرى لابد من أن يعوض عنها بواجب سأفرضه عليهم ولكن لن أخبرهم به إلا في نهاية الحصة، المرة الأولى كان الواجب هو إكمال أبيات شعر لقيس بن الملوح كتبها لليلي العامرية، مع شرح الأبيات وذكر اسم الشاعر، فلقد قمت بكتابة الأبيات فقط وطلبت منهم إجراء البحث.

سعدت كثيرا بتفاعلهم في اليوم التالي خاصة عندما بدأوا بالسؤال عن الأبيات والشاعر ونقاشهم البسيط حولها، وفي نفس الوقت كررت نفس الأمر ولكن العقاب أختلف، في مكتبة المدرسة توجد العديد من الروايات العالمية والكتب العلمية والدينية والترفيهية حتى التي لا يقترب منها الطلبة، أحد هذه الكتب هي تجميع لمسرحيات شكسبير، المسرحية الواحدة لا تتجاوز الثلاثين صفحة، كان علي مراعاة عدد الصفحات حتى لا يتحدث معي أولياء الأمور في إضاعة وقت الطلبة في “ كلام فاضي “ بالإضافة لتعجب بعض الطلبة نفسهم من العقاب الغريب خاصة إني معلمة رياضيات، ووصل الأمر لرغبة أحدهم في الشكوى لناظر المدرسة من أسلوب عقابي “ المريب “ على حد تعبيره، تحدثت مع مدير المدرسة بنفسه في هذا الشأن ووافقني على أسلوب عقابي وتحدث مع الطالب الذي جاء ليعتذر مني بعدها لشعوره بالخطأ في حقي، لم يكن يهمني حقا إعتذار الطالب أو عدمه ولم أكن أسعى إليه، ولا أشعر بالغضب تجاههم على الإطلاق، طوال الوقت أدرك جيدا إنهم ضحايا لنظام تعليمي فاسد، وبعضهم أولياء أمورهم لا يلتفتون لهم ولا يهتمون بهم.

النتيجة الختامية، عدة أبحاث وملخصات لمسرحيات شكسبير وإعجاب أحد الطلاب بمسرحياته خاصة “ روميو وجولييت “ وتحدث معي في إيجاد صعوبة في فهم بعض المصطلحات التي بحث عنها ليفهم معناها.

الدرس المستفاد: تطور طلابي وأصبحوا أكثر مراعاة لمشاعر معلمتهم واحتراما لها، وأكثر حفاظا وحرصا على كرامتهم وصورتهم أمامها في فترة لا تزيد عن الشهر الواحد، والسؤال الوحيد الذي كان يفرض نفسه في رأسي طوال هذا الوقت: “كيف كانت ستصبح نفوس هؤلاء الطلبة إن حاول المعلمون مجرد محاولة في يوم في التفكير في أسلوب مختلف في العقاب؟” عقاب يهذب أنفسهم بدلًا  من تدميرها، السباب والضرب طوال الوقت هو دليل ضعف وليس مصدر قوّة، شخصية المعلم ضعيفة وتفكيره محدود لدرجة تمنعه من بذل القليل من المجهود لصنع إنسان يحترم ذاته، ولكن لا أملك سوى قولا واحدًا في ختام هذه المقالة

“ إذا كان رب البيت بالدف ضاربًا .. فشيمة أهل البيت كلهم الرقص “
لا لوم على الأخلاق التي وصل إليها طلبة اليوم إذا كانت أخلاق المربي نفسها أسوأ منها.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

khairdine منذ 8 شهور

صحيح تماما. نتمنى التغيير للأفضل إنشاء الله

أضف تعليقك