فئران تجارب!

22 فبراير , 2016

من المتعارف عليه أنّ الأبحاث العلمية في شتى المجالات، تعتمد على منهجيّة محددة، تهدف إلى الوصول إلى نتائج، تعتبر كإجابات لسلسلة الشكوك والتساؤلات، التي يثيرها العلماء حول ظاهرةٍ ما، فيعمَد المختصون إلى وضع فرضيات، تعتبر حلولًا مبدئية للإشكاليات المطروحة، وحين يقتنع الباحث أنه لابد من طريقة تثبت وجهة نظره أو تنفيها، يلجأ إلى التجربة التي وجب أن تتوفر فيها شروط معيّنة، فيحاول بشتى الطرق أن يعزل المؤثرات الخارجية، التي قد تؤثر على نتيجة أبحاثه، لتمنحها مصداقية أكبر، كي يستطيع في النهاية تعميم خلاصة دراسته، ويجعلها قابلة للتطبيق.

كُن فأرًا أو مُت وأنت تحاول!

في الكثير من الأمراض المستعصية التي أرهقت كاهل البشرية، يستعين العلماء بفئران تجارب معدة خصيصًا لهذا الغرض، فغالبيتها متطابقة جينيًا، وتتشابه مع الإنسان في الخصائص البيولوجية والسلوكية، وهذا ما يجعل التجارب الطبية أكثر انتظامًا، كما أن بإمكانها التكيف مع البيئات الجديدة، إضافة إلى سرعة تكاثرها، فلا يهم أن تؤدي التجارب إلى موتها، أو إصابتها بالشلل، أو تلف جزء من دماغها، المهم أن تساهم في تطوير الأبحاث، والوصول إلى ما يفيد البشرية في معاركها الطبية ضد الأمراض التي تثقل كاهلها، حال هذه الفئران البائسة، لا يختلف كثيرًا عن حال التعليم في الجزائر، فالوزارة تصر في كل مرة على جعل التلاميذ والأساتذة، وكل من ينتمي إلى هذا القطاع المريض فئرانًا مخدرة، لا حول لها ولا قوّة، فالمرض الخبيث قد نخر عقولها، وصارت قاصرة عن التفكير، فلا بأس بالتّضحية في كل سنة بجيلٍ جديد، عساه يكون فاتحة خيرٍ على الجيل الذي يليه، فلا يُهم إن تحطمت آمال الآلاف من العقول، ما دامت المهمة فقط صناعة قوالب مشتركة، تؤدّي اليمين على السّمع والطاعة، ولا يحق لها التفكير أو الاعتراض، أو إبداء رأيها، فمهمتها تقتصر على التنفيذ فقط.

Workplace modern laboratory for molecular biology test on blue background

أن تكون تحت رحمة جرّاح مبتدئ فتلك هي الطامة الكبرى

الحلول والأدوية التي تقدمها وزارة التربية اليوم، تزيد من حدة المرض، وتسبب أعراضًا جانبية، لم يتفطن لها من كتب وصفة الشفاء، فهؤلاء الجراحون “المبتدئون”، قد أعادوا فتح الجرح القديم، وهم يحاولون عبثًا ترقيعه بمسكنات، تسبب أمراضًا أخطر فيما بعد، فالقرارات العشوائية التي تصدر في كل مرة غير محسوبة العواقب، ومخلفاتها اللاحقة قد تعصف بأحلام الكثيرين من عمال هذا القطاع، والضرر الأكبر يعود على التلميذ طبعًا، فهو ما عاد يفهم ما الذي يجري حوله، وذنبه فقط أنه محور العملية التعليمية، ويجب أن تجرى عليه جميع التجارب، في غرفة عمليات أصاب الصدأ كل معداتها، وبدلًا من تجهيزها بأحدث التكنولوجيات التي تسمح باكتشاف أصل المرض، يكتفي الجراحون بأدوات قديمة عفا عليها الزمن، فلا يحق لك السؤال، وغير مسموح لك بأخذ وعود، فقط عليك دفع مبلغ العملية مسبقًا، والتضحية بأولادك ليكونوا فداء لعملياتٍ محكومة بالفشل منذ البداية.

538b47b44d681

تمت العملية بنجاح!

في النهاية يعود الأولياء لاستلام ما تبقى من أجساد أبنائهم، فالعمليات قد أجريت بنجاح، وتم استئصال العقول ومصادرة حقها في التفكير، ولا خوف منها بعد اليوم، كما لا خوف عليها، فهي قد أدت المهمات الموكلة إليها على أكمل وجه، وهي جاهزة الآن لتبني مشروع الإصلاح، الذي منبعه التقليد لا التجديد، فكل ما يأتي من الغرب، يمكن تطبيقه هنا، فهم على صواب، ونحن دائمًا مخطئون.

وأنا اكتب هذا المقال، تذكرت تلك العبارات التي أطلقها جبران خليل جبران في رائعته حديقة النبي، وكأنه يصف حالنا اليوم حيث قال: “ويل لأمة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر…

الويل لأمة، لا تحمل ثقافة أجدادها و تصرفها أفعالًا…

الويل لأمة تنهل من كتب الغير وتلقي كتبها في خنادق النار…

الويل لأمة لا تقرأ، وإذا قرأت لا تفهم، وإذا فهمت لا تعي، وإذا وعت لا تدرك، وإذا أدركت تخاف من كل شيء…

الويل لأمة تخاف من أبنائها”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 4 تعليقات

عبد الرؤوف جناوي
عبد الرؤوف جناوي منذ سنتين

أنت الأروع عزيزي، مودتي الخالصة

مسلم محمد منذ سنتين

عمل رائع استاذ

عبد الرؤوف جناوي
عبد الرؤوف جناوي منذ سنتين

وأنت أروع دكتور، تحية طيبة لك

يوسف بوعبدالله
يوسف بوعبدالله منذ سنتين

رائع صديقي

أضف تعليقك