فيروس التسويف (1): مداخل العدوى

8 مارس , 2018

عندما يكون كلامنا عن الوقت واستثماره، تبدأ السمفونية الحماسية المعروفة عن خطط تنظيم الوقت وطرق استغلاله. لكنني اكتشفت أنه بقدر ما يكون ترك التخطيط تخطيطًا للفشل كما يقال، يكون إدمان التخطيط للتخطيط فحسب فشلًا من نوع آخر!

 

لماذا حين نقتنع بجدوى التخطيط، ونشرَع بالفعل في وضع خطة رائعة – لعل مِثالها الأشهر جدول المذاكرة – لا نطبقها؟

ذلك لأن آفة التخطيط العظمى هي: التسويف!

 

والتسويف – كما أفهمه – هو ذلك الشعور المريح بعد أن تنتهي من وضع جدولك أو خطتك، ثم تفرُك يديك في سعادة، مقررًا أن تكافئ نفسك بتأجيل التنفيذ إلى الغد! ولو أن الأمر يتوقف عند ذلك، لـــهـــــان الخَطْب. لكن الإشكال يكمن في أن ذلك الغد المجهول لا يَحِل! وعِوضًا عن أن تكون ممن يهدرون وقتهم عبثًا لأنهم لا يدرون ما يفعلون به، تكون ممن يهدرون وقتهم عبثًا لأنهم يُسوِّفون ما سيفعلون به!

 

الخبر السار أنه بعكس فيروس الإنفلونزا، فإن فيروس التسويف قابل للقهر. أعترف أنه يأخذ وقتًا، ويتطلب جهادًا وليس جهدًا، ويستلزم صبرًا ونَفَسًا طويلًا، وإرادة عازمة على الارتقاء للأفضل. لكنني أصدقكم إذ أقو : إنه يستحق كل ذلك وأكثر! فشعور الإنجاز، وحصاد ثمار العمل الجاد، لا تُضاهيها أبدًا راحة التكاسل. لكن المؤسف أن التكاسل والتسويف يقفان حائلًا أمام تذوق تلك المتعة الأخرى، فنظل حبيسين متعة وهمية، تأكل من سنوات عمرنا، ونحن فيها غارقون!

فيما يلي من سطور أوجز لكم ما تعلمته من رحلة مجاهدة إغراءات التسويف!

 

لماذا يغريني التسويف بتأجيل إنجاز أي خطة؟

كان يفترض وكان ينبغي!

 

النهوض مبكرًا للعمل، أو الالتزام بنظام رياضي/غذائي، أو دراسة مواد لا تطيقها، كل هذه وغيرها قد تكون جزءًا “مفروضًا” عليك في واقعك الحياتي. وإذ ذاك، لا يفيدك أن تبدأ يومك بنشيد التذمر الصباحي عما كان يفترض أن يكون عليه الوضع، وما كان ينبغي أن يكون حقك، لأنك في النهاية مضطر لمواجهة ما هو بالفعل كائن. وبإصرارك على أن الأوضاع لا ينبغي أن تكون عما هي عليه، فإنك تُغفِل حقيقة ما هي عليه حقًا، وبالتالي لا تجد في نفسك العزم ولا الطاقة لإحداث تغيير.

وأعتقد أنك تتفق معي أن الشكوى والتذمر والإحباط المستمرين، لن يغيروا شيئًا على الإطلاق، إلا أن يدمروك أنت نفسيًا وجسديًا وعمليًا! وعــادة التسويف تنشأ هنا من كثرة تكرار هـــذه الرسائل السلبية: “أنا لا أستحق هذا” ، “كان ينبغي أن أكون في ذلك المنصب”، “أعلم أنني أستحق أفضل لكنه حظي العاثر!”، “لو أنني فقط .. لكنت فعلت ..”. مثل هكذا رسائل تذكي فيك الشعور بالظلم والوَهَن، وبأنك ضحية ظروفك، ومن ثَم ينبغي للحل أن يهبط من السماء، لا أن تنقب أنت عنه في باطن الأرض!

 

ويلزم أن نتذاكر أهمية الرضا بالقضاء والقدر، لأنك تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، وكل من عند الله. فهذا الرضا يخلق الشعور بالطمأنينة، بدل السخط والشعور بالظلم، ويعطيك أملًا بالتغيير ودافعًا لبذل الجهد، موقنًا بأن سعيك لا بد مثمر بعون الله تعالى، وبأن حكمة الله أبدًا موجودة، وإن خفيت عنا الأسباب حتى حين. ثم إنه يورثك الواقعية في الالتفات لما هو واقع بالفعل! فلْتُسَلِّم بحقيقة وجود ما لا يعجبك من جوانب، ثم تخطاها إلى مرحلة ماذا يمكن أن تفعل بشأنها، ثم اشرع في التطبيق فعليًا.

 

مَلل! ملل! ملل!

بادئ ذي بَدء، الملل جزء لا يتجزأ ومكوِّن لا ينفك عن أي مهمة أنت بصددها، حتى حال القيام بما تحب وتهوى! ربما تمارس هواياتك المحببة، أو تعمل في التخصص الذي تحلم به منذ الصغر، ومع ذلك لا بد أن تمر عليك أوقات، تشعر فيها بالملل والضجر والسأم. فإن لم تكن تستطيع تحمل بعض الملل، كما تتحمل جرعة دواء مر أملًا في الشفاء ، فإنك ستظل “تعاني” من “مشكلة” الملل هكذا طَوال حياتك.

 

ما معنى أن تتحمل الملل؟ معناه أن تُسَلِّم بذلك الشعور في نفسك، دون أن ترهبه أو تمقته. وتقر ببساطة أن العمل الذي بين يديك ليس مصدر بهجة لك الآن! ثم ماذا؟ ثم استمر فيه! لأنك لو ظللت تنتظر حتى تداخلك الحماسة قبل القيام بأي مشروع أو عمل، فثق حينها بأنك لن تنجز إلا القليل في الحياة.

 

فالمشكلة أننا ننتظر السماء أن تمطر علينا الحماسة، والسماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة ولا حماسة! لكنك بالصبر على ما بين يديك من مهام، والسعي في إتقان العمل، واكتساب الخِبرات والمَهارات التي يعود عليك بها ذلك الإتقان،  ستجد أن ذلك الشغف عاد يلتهب من جديد بعد أن ظننته قد خبا.

 

لتتغلب على الملل في المرة القادمة، ابذل ضِعف جهدك في أوقات الملل تلك، وسيتضاعف معها شغفك وحماستك، ويتضاءل مللك.

 

لقد تعلمتُ أن الملل بحد ذاته لا يقتل، لكن الملل من الملل هو القاتل! وأحب التنويه على أن حديثي هنا عن الملل العارِض، الذي يمنعك من المضي قُدُمًا في خططك ومشروعاتك، أما الملل الدائم – الذي يصل حد الكره ويوصل إلى الاكتئاب – من وظيفتك أو أسلوب معيشتك، فله حديث آخر.

 

إما هكذا وإما فلا!

أصحاب هذه الصفة، هم أقل الناس إنجازًا على الإطلاق! لماذا؟ لأنهم يُهدرِون آلاف الطاقات والأوقات، بدعوى أن المتوفر لا يرقى لما يطمحون هم إليه! وطموحهم ذاك هُلامي لا معالم له! فعِوضًا عن أن يشرعوا في الإنجاز بما يتوافر في أيديهم، ليقاربوا تلك الصورة التي يطمحون إليها يفضلون بناء جدار عازل بين ما هم عليه، وما يمكن أن يرتقوا إليه، ويرون في كل فرصة صعوبة، وفي كل تحدٍّ مستحيلًا.

 

وهم يعلمون النتائج المترتبة على ذلك من عدم الإنجاز، لكن التسويف يعطيهم شعورًا عظيمًا بالراحة (في هذا المقام هي مرادف لذة التكاسل)، والمثالية تَقيهم الإحساس بالذنب على العُمْر المُهدَر! وشعارهم “إما الأفضل على الإطلاق، وإما لا على الإطلاق”. وإذا كانت مشاريعهم تتضمن قدرًا من المخاطرة، أو نوعًا من التغيير، فلَأَنْ يجمدوا في أماكنهم، أحب إليهم من أن يجربوا “المجهول”، ويتحملوا كُلفة النتائج. والمثالي كذلك لا يفرق بين درجة التمكن المطلوبة لكل عمل، فإما أن يبرع في كل شيء، ويتفوق على كل الأقران، وإما لا شيء ولا قرين ألبتة!

 

ولكن الحقيقة التي يغفلونها هي أن الخطأ والفشل لا بد وارد في عمل ابن آدم، وذلك شيء مقطوع بصحته وحتميته منذ بدء الخليقة: “كل بني آدم خَطّاء”. فإذا كان له أن يذنب ويخطئ في أمور الدين، فكيف بأمور الدنيا؟ والخطأ جزء مهم في عملية التعلم والتطور، حين تعتبر من دروسه، وتجتهد ألا تكرره. ولا يُعقَل أن تصيب من أول مرة في أي غمار جديد تخوضه. وكل ما نتقنه في سن الرشد الآن، كان يومًا عسيرًا في الصغَر، ومصحوبًا بأخطــاء لا حصر لها، كالمشي والكتابة والكلام، وحتى الأكل ودخول الخلاء!

 

ومن ناحية أخرى، لا تخلو حياة أي منا من “مغامرات” في بعض الأحيان. فلا بد في وقت مــــا أن تتخذ قرارًا بعمل شيء تراه الأصوب في حينه، حتى وإن لم تتضح لك نتائجه، أو لم تكن واثقًا من صوابه. ولا بد أن تتعلم أشياء بنفسك، وتذوق من كأس الخبرات التي تغترفها بيديك، إلى جانب ما تتعلمه بالتوجيه ممن يفوقك سنًا وخبرة. إذ لا يمكنك أن تظل دومًا لاعب احتياط يتفرج على المباريات ، فأمثــــــــال أولئك حين ينزِلون الملعب، يكونون أشبه بمن يتعلم السباحة من الكتب! فلن تتقن – مثلًا – فن الخَطابة أو الكلام على الملأ في يوم وليلة، ولن تصبحي طاهية ماهرة بين عَشِيَّة وضحاها. لا بد أن تخوض غمار التجربة، وتسلّم بما سيقع من أخطاء، وتستفيد منها، تمامًا كما ستتلذذ بما تحقق من نجاحات. بتوازن هذه الثلاثية، الإخفــــاق والتعلم والنجاح، ستغدو بإذن الله أمهر مما ابتدأت.

 

إن المُصرّ على المثالية، هو أبعد الناس عنها. بخلاف من يعمَد إلى الإتقان، بالتعلم من الأخطاء وإن كثرت؛ وتحمل نتائج القرارت والخيارات، وإنْ عَلَت كُلفتها؛ وتقبل النصح والتوجيه والنقد البناء، وإنْ ممن هو أصغر شأنًا.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك