في 8 خطوات: كيف تدير وقتك بفاعلية أكثر؟

5 يونيو , 2017

1- إياك و”هذه المرة فقط”

لو أنك كنت ماضيًا في تنفيذ التزام معين، مثل خطة إقلاع عن التدخين، ثم حدثتك نفسك يومًا: “لفافة واحدة فقط!”، تمهل لحظة واقرأ ما يلي:

في نفس اللحظة التي تسمح فيها لنفسك بأريحية “فقط واحدة”، وبأن تخرج عن العادة “فقط لمرة”، فإن الثانية تصبح أسهل! وإذا وقعت الثانية، فالثالثة أهون، وهَلم جرًا! إن التساهل يدعو بعضه إلى بعض.

ورَغم بَديهية هذا الكلام، فإنه على قدر كبير من الأهمية في تفسير فشل محاولات الالتزام بالخطط طويلة الأمد. فإذا أغلقت الباب على المرة الأولى، وسددته بإحكام في وجه بوادر الريح، فلن تُضطر لمواجهة عاصفة ستقلب خطتك رأسًا على عقب، وتصيبك بإحباط قد لا تستطيع معه الاستمرار. قاوم الأولى، ولن تحتاج للقلق بشأن الثانية والثالثة، والألف!

  • لعلك تتساءل: أيعقل أن كل هذا من “مرة فحسب”؟!
  • بلى!
  • كيف ذلك؟

إنك حينما تُدَلِّل نفسك بتلك المرة، فإنك تحصل على لَذة فورية. وهذه اللذة من القوة بمكان، بحيث تستثقل النفس العودة “للحرمان” من تلك اللذة الآنية، في مقابل لذة بعيدة مستقبلية: إنقاص الوزن، أو الإقلاع عن التدخين، أو إتمام مشروع… إلخ.

ولذلك فإنك حين تتساهل لأجل لذة عابرة في الحال، تُغريك نفسك بتَكرارها، وبدل أن تكبح ذلك الإغراء مرة، يصير عليك مقاومة أضعافه. وهنا مكمن صعوبة الالتزام الكامل بخطة كهذه، لأنك تقاوم جيشًا من الإغراءات العاجلة، لأجل لذة آجلة. ولكنك لو استحضرت أن تلك الآجلة هي أنفع وأبقى، وقاومت “هذه المرة”، فستبلغ مُرادك بعون الله تعالى، وتسعد سعادة حقيقة بإنجازك.

2- وَقِّت المهام

في المرة القادمة التي تقوم بها بأي عمل إطلاقًا، وَقِّت ذلك العمل لتحسِب المدة المُستغرَقة لإتمامه. بهذه الطريقة، ستعرف كمّ الوقت الذي يستغرقه هكذا عمل في المرة القادمة التي يتوجب عليك فيها إعادته. وكلما عرفت لكل عمل في جدولك مُدَّته، تسنَّى لك أن تستثمر دقائق يومك بشكل سيذهلك فيه كَمُّ الإنجازات، التي لم تكن الأربع وعشرين ساعة السابقة لتكفِيَها! وبدل أن تتراكم المهام الصغيرة، ستجد أن الأوقات البينية في يومك اتسعت، فتتم مكالمات هاتفية وتَصِل أحبابك بينما تملأ السيارة بالوقود، وتستمع لمادة نافعة أثناء تأديتك عملًا منزليًا كالكيّ أو غسل الأواني، وتقرأ في كتاب أو تكثر أوراد الذّكر خلال أوقات المواصلات يوميًا.

 

3- حذار من حشد الأهداف

أحد أسباب ثِقَل تنظيم الوقت والشروع في الإنجاز هو حشد الكثير من المُهِمات الكبيرة في نفس اليوم، فتصير الخطة ترهيبًا لا ترغيبًا. لأن الشروع في مهام عديدة يستنزف الطاقة بدل أن يستثمرها، ويشتت المرء عن التركيز على العمل الآني، لأنه مشغول بالقلق على ما سيتبقى من وقت للبقية. إنك هكذا كمن يَنشُد ساعات أكثر من الأربع وعشرين التي يحويها اليوم، والتي نصفها أو ثلاثة أرباعها ننفقها في لوازم الحياة.

فلو أنك تخطط لتأليف كتاب، أو تعلم لغة، أو إتقان القيادة، بالإضافة للأعمال المنزلية والواجبات الروتينية كل أسبوع، ستجد أن الوقت المتاح لهذه أو تلك يكاد يكون ضئيلًا لإتمام أي منها بصورة مُرْضِية. حتى لو فرضنا أن اليوم يتسع لمائة مَهمة، فذلك يعني أن تقضي حوالَيْ ثلاث دقائق ونصف في كل منها! ستنجزها في نهاية المطاف نعم، لكن ربما بعد مائة سنة بتلك الطريقة!

4- اطرق الحديد وهو ساخن، فماذا لو برد؟

تأتي على الواحد منا أوقات يدفع فيها نفسه إلى العمل دفعًا، ويتنقل من مكان لمكان كبِطيخة تتدحرج على الأرض في تثاقل! مزاجك متعكر، وتفضل أن تستلقي أمام التلفاز، أو تنام على الأريكة، أو لا تفعل شيئًا على الإطلاق! لكنك تَمضي مع هذا في واجباتك، لعلمك بأنك لو تركت نفسك على هواها، فلن تنجز شيئًا أبدًا، فضلًا عن أن هناك مهامًا وأعمالًا لا تخضع لحالتك المزاجية. وفي قرارة نفسك، تنتظر هبوط الهمة والنشاط والحيوية من السماء، لتعود لسابق عهدك.

ثابر على ما تفعل بتأنٍ، دون استعجال ودون أن تجلِد نفسك بتأنيبها على كسلها أو تراخيها، بل سلّم بأن ما أنت فيه حالة طبيعية، يمر بها كل منا في حينه.

والنتيجة أن الرياح ستأتي أخيرًا محملة بما تشتهي سفنك بإذن الله! ولكن انتبه في الوقت الذي تهب فيه رياحك أن تغتنمها، وأن تستثمر أوقات الفورة والنشاط في المهام الكبيرة المؤجلة. أما الصغيرة الروتينية أو التي لا تتطلب نفس المجهود، فدعها حين يكبو جوادك!

وحين تشرع في عمل في الحال، وتجد أنك انغمست فيه بانسجام، فلا تقطع انسجامك هذا، حتى ولو كنت أنهيت المهمة المحددة، فتخطاها للتي تليها. استمر في الإنجاز ما شعرت بالطاقة والقدرة والانهماك، وتوقف حين يداخلك الملل أو التعب أو السرحان.

وسبب ذلك أن قطع الاستغراق في عمل – كالدراسة مثلًا – وأنت بعدُ قادر على الاستمرار، سيجعل عودتك إليه أثقل على النفس، لأنك أرخيتها في وقت لم تكن تحتاج فيه إلى الاسترخاء، تمامًا كمن يجبر نفسه على النوم وهو لا يشعر بالنعاس.

5- لا تسابق الزمَن، وانتبه لحُمَّى الإنجاز!

هل أنتَ على عجلة دائمة من أمرك؟ هل جربتَ أن تضع خطة ليومك، ثم بدل أن تسعى لاستثمار اليوم، إذا بك تدخل معه في سباق محموم؟ إن الشعور الدائم بضغط الوقت أمر لا يمكن أن تستثمر معه وقتك فعليًا، أو تعيش حياة مسالمة، أو تنجز بإتقان.

فليس هدف الحياة هو أن نعبرها بأسرع وقت ممكن، وإنما بأحسن ما يمكننا، ونستفيد ونفيد ما استطعنا. ولن تستطيع مهما خططت أن تشكل الزمن ليلائم خططك ويسير وفق هواك. فمن قال إن الخطة وضعت لهذا؟ إنما الخطة لتحقق أكبر استثمار بأكبر رأس مال يمكن أن تمتلكه. وأذكرك مرة أخرى بأن خير وسيلة للتخفيف من الضغط والتوتر، هو ألا تحشد أهدافك، حتى لا تأتي النشاطات التي يفترض أن تساهم في التخفيف من حدة الضغط النفسي بمفعول عكسي، إذا حاولت أن تقوم بها وأنت في عجلة من أمرك.

صحيح أنك تريد أن “تنجز”، وكلنا يريد ذلك، لكن الرحلة المقطوعة للوصول للهدف هي جزء لا يتجزأ من عملية الإنجاز. وبدل أن تُضطر لعودة أدراجك للوراء، لأن إحدى المراحل لم تتمْ بإتقان، سِر متمهلًا من البداية، بغير تكاسل أو استعجال، وتذكر أن الرحلة المقطوعة لبلوغ هدف هي معنيّة ومهمة كتحقيق الهدف ذاته، بل حتى لو لم تبلغ الهدف على ما كنت ترجو وتتخيل، ستكون كل خطوة في الطريق مثمرة بذاتها لأنها علمتك شيئًا وأكسبتك خبرة، ذلك إذا كنت منتبهًا ويَقِظًا كفاية لذلك.

لإطالة أوقاتك: لا تستعجل، بل عش بهدوء! إنها طريقة أشبه بالسحر للحصول على المزيد من الوقت. بهذه الطريقة ستعيش مِلء كل لحظة من حياتك، لأنك ستتصالح مع الوقت وتتحكم به، بدل أن تعيشا في صدام وخصام. فاحرص على تخير وترتيب أولويات نشاطاتك، لتستحق الوقت المنفَق عليها، وتحقق العائد المَرجُوَّ، والمتعة المنشودة من ورائها. قد تستطيع القيام بأي شيء في أي وقت، لكن ليس كل شيء في نفس الوقت.

ويكفي أن تتفكر فيما تفعل برَوِيَّة، حتى تدرك أن أكثر الأعمال التي لا تستحق عناء القيام بها، هي نفسها التي تُبَدد كل وقتنا! فضيق الوقت ليس هو المشكلة كما سلف، وإنما الطريقة التي يُدار بها الوقت.

فالأشخاص الأكثر إنتاجًا ونشاطًا هم أولئك الذين يستثمرون وقتهم، فلا يشحنونه بالأعمال، ولا يهدرونه باللهو. بل يكتفون بنشاطات معينة، يتابعونها بإتقان، دون الشعور بضغط الوقت. يمكنك أن تُمضي وقتك بطريقة ذكية، تمتعك وترتقي بك، أو بشكل مستهتر، يستنزف طاقتك ولا يرفّه عنك.

6- بين واجب الإتقان وفخ الكمال

تخيل أنك تطهو وجبة طعام: من ناحية ينبغي ألا تبالغ في إنضاج الطعام حتى يحترق، وكذلك ألا ترفع الطعام من على النار قبل أن ينضَج حتى الدرجة المناسبة. والدرجة المناسبة تعني الحذر من الوقوع في فخ “الكمال”.

إن السعي للإتقان يعني أن تبذل أفضل ما لديك، في حدود ما يتوافر لديك، ولا يعني أبدًا أن تكلّف نفسك فوق طاقتها. والإتقان يختلف عن الكمال، فالأول واجب في كل عمل تعمله، كما قال المصطفى(صلى الله عليه وسلم): “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه”. وذلك يشمل جوانب الحياة كلها، من أداء العبادات، والتعامل مع الناس، وانتهاء بالأنشطة المختلفة من دراسة وعمل وترفيه.

الإتقان يعني ألا تدخر جهدك “لوقت لاحق”، لأنك لا تدري إن كنت ستدرك وقتًا لاحقًا أم لا، ولا ضمانة لحصولك على فرص ثانية في كل شيء. فالإتقان يعني أن تتعامل مع المهمة التي أنت مكلف بها، كما لو كانت تلك فرصتك الأولى والأخيرة.

إن هذا مبدأ رئيسي لحياة مسددة بإذن الله، لأنه يحفظ كثيرًا من الفرص الفريدة أن تضيع عليك، لمجرد أنك لم تقدم أفضل ما لديك من المرة الأولى. فإذا اتخذت الإتقان قاعدة في كل ما تفعل، وجعلتها بصمة أعمالك، وعنوان شخصيتك، فلن يضيرك أبدًا ألا تحصل على فرصة ثانية، إن شاء الله تعالى.

فإن حدث وأُعطِيت فرصة ثانية، حينها ستجمع إلى جانب تقديم أفضل ما لديك كما فعلت سابقًا، الاستفادة من تجربة الفرصة الأولى، وتجنب تَكرار أخطائها. وإن لم تعطاها، فقد أدّيت ما عليك، والله لا يضيع أجر المحسنين.

أما الكمال، فإنك تدرك مسبقا أنك لن تصل إليه. الخطأ مناف للكمال، لكنه لا يناقض الإتقان، والإتقان لا يعني الأفضل على الإطلاق، بل أفضل ما لديك أنت، لأن لكل منا لمستَه الشخصية، وطريقته الفريدة، وسِحرَه الخاص.

 

7- الأوقات البينية

هل سمعتَ قبلًا بتعبير “الفراغات البينية” وأنت ترتب أثاث شقتك مثلًا، فتسعى للاستفادة من تلك الفراغات في توسيع مساحة أو وضع شيء؟ ألا يُعد ذلك من التوفير المبدع والتصرف الذكي، دون أن يتطلب ذلك تكلفة إضافية على الإطلاق؟ ما رأيك لو قلت لك إن تخطيط وقتك مثل ترتيب أثاث منزلك؟ بالتأكيد لن يُغفِل أي منا القطع الكبيرة من الأثاث، كالكراسي والطاولات والدواليب، لكن الذكاء يكمن في استثمار تلك الفراغات البينية.

بالمثل، عندما تهتم بتخطيط وقتك بدل أن تمضي كل يوم كيفما اتفَق، ستتبين لك تلك الفراغات البينية بجلاء. فالأوقات البينية كنز عظيم، خاصة حينما تجمعها على مدار الأسبوع والشهر والسنة، والنتيجة: وقتك يتسع لكل تطلعاتك، بشيء من التخطيط الواعي، وكثير من الاستثمار لفراغاتك.

 

8- الانقطاع

يأتي هذا البند في الختام لشديد أهميته في أي معادلة تنظيم وإنجاز. والانقطاع يعني أن الوقت الذي ستقتطعه لأي عمل عامة، مهما صغر أو قل، ينبغي أن يكون خالصًا له ليس فيه أي شواغل أخرى، من رد هاتف أو متابعة رسائل وخلافها من آكلات الوقت وجودة الأداء. لذلك اجتهد حين تحدد أوقات فراغك أن تفرغ فيها حقًا.

ومن يستهين بنفع عشر دقائق أو يستصغر ساعة يوميًا، ما ذلك إلا لأنه لم يجرب هذا المفهوم، وإلا لانقلب الميزان تمامًا. فإنك حين تخصص وقتًا للتواصل الاجتماعي – مثلًا – تنقطع له فيه ثم لا تزيد عليه، سيمكنك أن تتواصل بعمق وثراء واستمتاع وتركيز، بغير استشعار ذنب الهارب من واجب آخر أو المتكاسل عن البدء في المهمة المحددة. فأن تكون بين بين يعني أنك تهدر وقتك وتشتت جهدك وتؤنب نفسك. جرب هذا في مقابل من يجلس لقراءة أو مطالعة أو دراسة، مع تلك المشتتات!

ويكفي أن نقرر حقيقة أن الكل يملكون 24 ساعة في يومهم بلا استثناء، وأنه مهما كانت ظروفك فهناك من يشابهك فيها ومع ذلك لعله أحسن سعيًا منك.

الانقطاع باختصار يعني أحسن استثمار لما هو متاح بالفعل من أوقاتك، وهذا الذي يجعلك تشعر ببركة الوقت ونمائه. لكن انتظار أن تتسع الأوقات من تلقاء نفسها لتفرغ فتعمل، هو انتظار لغائب لا يأتي.



والوقتُ أنفسُ ما عُنِيتَ بحفظِه •• وأراهُ أسهلَ ما عَلَيْكَ يَضيعُ

[يحيى بن هبيرة]



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك