فِي تَدْرِيسِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ تَجْوِيدًا وَتَفْسِيرًا الْقِسْمُ الثَّانِي

3 يناير , 2018

 

فِي تَدْرِيسِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ تَجْوِيدًا وَتَفْسِيرًا – الْقِسْمُ الْأَوَّلُ

بعد نهاية الجزء الأول من القرآن:

ويأتي بعد الجزء الأول درس ثقافي عن القراءات العشر والتعرف إلى معنى الاصطلاحات الأربعة التالية، وهي:

  • القارئ،
  • والراوي،
  • والطريق،
  • والوجه.[1]

ويجري تعريفها بوصفها اصطلاحات خاصة ينبغي ثقافيًّا على كلِّ مسلمٍ معرفتُها؛ لأنها ثقافة قرآنية ضرورية في تصور المسلم للقرآن، وضرورية في اتساع الأفق لكيلا يُنكر على غيره، ولا يتوهم أنَّ ما معه فقط هو القرآن الحق، وهي فرصة لِتَعَلُّم معنى الاتساع العلمي في أَخْطَرِ نَصٍّ مقدَّس عند المسلمين.

 

ويجري مع ذلك ذكر أسماء القُرَّاء العشرة، ومواقعهم الجغرافية على خريطة العالم الإسلامي في القرن الأول والثاني الهجريين، وذكرُ أسماء رُواتهم العشرين، مع تعميق النظر في سيرة الإمام القارئ عاصم بنِ أبي النَّجود ورَاوِيَيْه شُعْبة وحَفْص، وشرح العلاقة التي كانت بين الثلاثة؛ استغلالًا للموقف الدراسي من أجل ترسيخ معنى أثر البيت المسلم في نقل القرآن، مع أن شعبةَ وحفصًا لَيْسَا ابنَيْنِ صُلْبِيَّيْنِ للإمام عاصم عليهم جميعًا الرِّضوان.

 

ويضرب الشيخ أمثلةً من اختلافات هذه القراءات، كالاختلافات التي تكون بتشكيلٍ، كما في “سَعِدوا” و”سُعِدوا” وما يكون بحرف كما في “تعملون” و”يعملون” وفي “كبير” وكثير” وكما في كلمة مثل “فَلَا يخاف عُقْبَاها” و”وَلَا يخاف عقباها” وما يكون بأكثرَ مِن حرف كما في “تَثَبَّتُوا” و”تَبَيَّنُوا” وكما يكون في “يَسْجُدُوا” و”يَا اسْجُدُوا” وكذلك ما يكون بزيادة “مِن” إلى آخر هذه الاختلافات، ويبين كيف تعامل علماء التفسير والنحو والسادة مع هذه المعاني.

 

وله أن يُعرِّج بفكرة موجزة عن القراءات الخارجة عن العشرة، وكونها على الأقل في قوة الحديث الصحيح، واختلاف العلماء في إِجْزَائِها في الصلاة، ومناقشة معنى التواتر في الكتاب والسنة، وفلسفة العرب والمسلمين في الاعتماد على النقل الشفهي الدقيق في كل حيواتهم من أهمها إلى أخسِّها، والهدف هنا هو تقريب الطالب من عصر النبوة، ومن حياة الصحابة حالَ تلقيهم وتعلمهم للقرآن العظيم.

 

ومع كل رُبُعٍ يقوم الشيخ بقراءة ما وَرَدَ في “لُبَابِ النُّقُول في أسباب النُّزُول” للإمام جلال الدين السيوطي رضي الله عنه، ويشرح ما كان فيه من معاني للشباب، كما يقرأ ما ورد في “غريب القرآن” لأبي بكر السِّجِسْتَانِي، ويشرح ما يخصُّ الرُّبُعَ منه، ويتناول الربع بإيضاح سريع إجمالي لمعانيه، ولا بأس بالتلبث قليلا عن معنى آية أو آيتين على الأكثر، من غير تعميق زائد.

 

ويُقتَرَح على الشيخ في هذه المرحلة مراجعة ما شاء من التفاسير قبل الدرس، ولو اقتصر على مفردات الراغب الأصفهاني والتحرير والتنوير للطاهر بن عاشور لكفياه إن شاء الله، فالأول عمدة في بابه وهو أوسع من كتاب السِّجِسْتَانِي، والثاني كاتبه عالم متقن متَفَنِّنٌ مؤتمن، وهو معاصر يَسَّرَهُ للناس بلغة قريبة من عصرنا هذا.

 

ويُقترح على الشيخ أن يسمع خواطر الشباب عن الآيات ليصحح أوهامهم، حيث يجب عليه أن يمنعهم من أمرين منعًا باتًّا:

الأمر الأول: الاستماع لغير القُرَّاءِ الخمسة الكبار، وهم:

  • الشيخ محمد صديق المنشاوي.
  • الشيخ عبد الباسط عبد الصمد.
  • الشيخ مصطفى إسماعيل.
  • الشيخ محمود خليل الحصري.
  • الشيخ محمود علي البنا.

لأن الأُذُن تتمهر كما يتمهر الفم، وسماعُ الخطإِ ولو كان خفيًّا يبقى في النفس، ويظهَرُ في الأداء، ولا يؤتمن غير هؤلاء الخمسة لسببين، الأول: أن الخمسة هم من توافر لهم تسجيل القرآن مرتلًا كاملًا بأدوات تسجيل قوية وجيدة جدًّا. والسبب الآخر: أن الخمسة هم أعلى أسانيد عصرهم، وإليهم تنتهي رياسة القراءة في عصرهم، فمَن بَعدَهُم أنزلُ سندًا، ومَن قَبلهم لم يُكمِل تسجيلَ القرآن كاملًا كالشيخ محمد رفعت مثلا، فإنْ أَبَى الطالبُ رُفِضَ، وطُرِدَ؛ لأن مَبنى التعليم على التسليم للشيخ، ولم يأمر الشيخ بحرام صريح ولا وبفتنة، والتعليم ليس دعوة ولا وعظا؛ فلا ينزل في مقامه من الرِّقَّةِ واللُّطْف ما ينزل في مقام الدعوة والوعظ.

 

الأمر الثاني: يمنع الشيخ الطلاب من قول خواطرهم عن أي آية في القرآن إلا أمامه هو فقط؛ لأن القرآن له شروط لفهمه، ولا يعرفها إلا المتخصص، وليس القرآن نصًّا مفتوحًا للعوَامِّ ليقولوا فيه بآرائهم وإحساسهم، ولم يعرفوا نحوه ولا صرفه ولا بلاغته ولا أسباب نزوله ولا أحكامه الفقهية ولا العقدية إلى آخر هذه المنظومة العلمية، وأقصى ما يمكن للعاميِّ هو أن يتلذذ بِذِكْرِه، ويتقرب بقراءته، ويتبرَّك بتلاوته والسلام، حتى يتعلم.

 

ويُقترح على الشيخ في هذا الوقت عقدُ امتحان في الجزء الأول يقوم فيه غيره بامتحان المجموعة، وفي ذلك لمزيد من الدقة؛ ولا ينصح بإزعاج الطلاب بالمراجعة كثيرًا؛ لأن الذي يحفظ على نِيَّةِ المراجعة يكون حفظُه ضعيفًا، والذي يحفظ على نية أنه لن يَرَى مصحفًا مرةً أخرى، أو على نية أن بَصَرَه سيَعْمَى بعد حفظ الربع يَقْوَى حفظُه، ويعتني به عناية الْمُوَدِّع بموَدِّعِه، وهو المراد، ولا أنصح على الإجمال بكثرة انشغال الطالب بالمراجعة مع حفظ الجديد، ولْيَسْتفرغ الجهد في الجديد فقط.

 

[1] ولعلنا نفرد عنها مقالة بعنوان: لنرفع أميتنا عن القرآن الكريم.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك