كيف أنتفع بما أقرأ؟

31 أكتوبر , 2014

[[{“type”:”media”,”view_mode”:”media_large”,”fid”:”1837″,”attributes”:{“alt”:””,”class”:”media-image”,”height”:”320″,”typeof”:”foaf:Image”,”width”:”480″}}]]

 

1. تقويم النية وتصحيح القصد، فلا ينبغي أن يكون الهدف القدرة على المنافحة والتفوق عند الدخول في حوار أو الغلبة عند الخوض في جدل؛ فقد نهانا المصطفى – صلى الله عليه وسلم – عن ذلك: «لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَلَا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ، وَلَا تَخَيَّرُوا بِهِ الْمَجَالِسَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالنَّارُ النَّارُ».

2. بل ليكن السعي وراء العلم النافع، فهنالك ما يمكن أن يسمى "علما" نعم، لكنه لا ينفع، والجهل به لا يضر، وذلك النوع الذي استعاذ منه المصطفى عليه الصلاة والسلام. 

3. إذن دافع القارئ الساعي للانتفاع حقاً ليس مجرد المعرفة الباردة لمجرد المعرفة أو الترف الفكري لمجرد الإمتاع والتباهي بقوائم القراءات، ذاك الذي يزداد به "كما معلوماتياً" ثم لا ينتفع ولا يفيد به في شيء. بل الدافع هو تحويل العلم والمعرفة لطاقة عاملة وعمل حركي يهدف إلى للإصلاح والتعمير والرقي الفكري الذي ينعكس رقيا أخلاقياً.

4. ولنحرص أن نتزكى ونستفيد ونتفتح لذواتنا أولا قبل الآخرين، لأن التزكية قبل التربية، فليس المطلوب أن تكون شمعة تحترق لتضيء للآخرين، بل أن تكون سراجاً منيراً، ينير في نفسه وينير للآخرين. حين تغمرك أنوار العلم الصحيح النافع، ستشرق هي من تلقاء نفسها، وسيفوح عبيرها بغير تكلف، لأن كل إناء بما فيه ينضح.

5. وتحديد العلم النافع يبدأ من تحديد "الحاجة" إلى الكتاب\المعرفة التي بين يديك. فالمرء لا ينسى ما يحتاج، ولا ينسى ما يسعى منتبها واعياً لتحصيله، لذلك من الأهمية بمكان قبل أي كتاب تقرؤه أن تصوغ أسئلة يهمك أن تخرج بإجاباتها من الكتاب، أو تصوغ أسئلة مبنية على توقعاتك من الكتاب، بذلك تبرمج عقلك تلقائياً ليتحفز للتلقي، وحين يجد ضالته أن يحتفظ بها. أما قراءة الترف الفكري فهي كالأكل الزائد، تُتخِم عقل صاحبها، وتوهمه بتضخم فكري زائف، في حين لا تلبث أن تطويها مدارج النسيان.

6. ومن ناحية "الحفظ" أو الاستظهار لما تقرأ: أنوّه على أمرين:

أ. الحفظ الفكري خير بمراحل من الحفظ التعبيري، بمعنى أن تتشرب فكر ما تقرأ وتكون قادراً على التعبير عنه ولو بعباراتك الخاصة بسلاسة ومنطقية ناشئة عن رسوخ الفهم. وهذا ما ينبغي أن يكون ركيزتك في الانتفاع بما تقرأ. فتحرص على تلخيص الكتاب\المادة، واستعراض عناوينها الرئيسية أثناء القراءة وبعد الانتهاء، وكذلك تدوين أهم الأفكار التي استفدتها وخرجت بها من الكتاب.

ب. حفظ اللفظ والعبارات والمتون نفسها فيكون خاصة في عيون الأدب كالأخبار والنوادر والأشعار والمقولات، لما في ذلك من فوائد كثيرة من حيث الرقي البياني والبلاغي للغة المتحدث، وإثراء الاستشهاد، وأثر ذلك كله على السامعين في التصوير وتقريب الرسالة.

فلذلك من أهم وسائل الانتفاع بما تقرأ، وهو أهم كثيرا من تضخّم كمّ القراءات، أن يكون هنالك دفتر \ مفكرة: إما لكل نوع من القراءات (أدب، علوم، دين..)؛ أو شاملة منوعة كيفما تحب، تلخص فيها أهم النقاط التي نفعتك، وتجمع أبرز المقولات التي أعجبتك.

7. وكل ما سبق من تحديد القصد والهدف من القراءة لا ينفي أن يقرأ المرء في كتب أو تصنيفات متنوعة ليست كلها بنفس الجودة أو العائد من حيث مادتها أو تناول الكاتب – كما في الكتابات الأدبية التي لا يزينها الأدب، أو كتب الفلسفة المغرقة في التفلسف الأجوف -، لكن هذا الدافع هو الذي يمنح القارئ ملكة الإفادة من مادة أي كتاب، لأنه سيكون وقتها طالب حكمة وباحث حق فلن يعدم استنباط فائدة أو تصيد حكمة. وفي ذلك يقول الرائد المفكر عباس العقاد: "ليس هناك كتابا أقرؤه ولا أستفيد منه شيئا جديداً، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته، أني تعلمت شيئا جديداً هو ما هي التفاهة؟ وكيف يكتب الكتاب التافهون؟ وفيم يفكرون؟". 

8. وبغير هذا الدافع المستنير الواعي، يصير القارئ كالإسفنجة يتشرب أي شيء وكل شيء بغير تنقيح ولا تمحيص ولا نقد، فضلاً عن أنه ينفق عمره ووقته في الكتابات التافهة الرخيصة بدعوى "الثقافة العامة"، وما هي بثقافة ولا هو بقارئ إذا كانت هذه هي وجهته الدائمة. وليس كل من زعم زعماً أو ادّعى دعوى هو كذلك، لأن هنالك مقاييس وضوابط تحكم أنواع الكتب وأصناف الكتابات، مهما ادّعى الناس وزعموا أن الأمر نِسبي. تأمل أنت وتفكر فيمن مروا عليك ممن ادعوا الثقافة والعلم والمعرفة، أكنتَ تشهد لهم بذلك أم تبتسم في نفسك منكِرا تلك الدّعَاوَى؟ فهذا خير دليل على وجود تلك الضوابط في الوعي- أو اللاوعي – التي تقيّم ثقافة المرء وحقيقة علمه ومعرفته.

9. تتبقى نقطة كيف أرتّب قراءاتي، وهل أقرأ في كل علم، أو أقرأ بنفس القدْر في كل فرع؟ 

الإجابة المختصرة هي: هذا يعتمد على دائرة النفع والتأثير المرغوبة، ولا يشترط ذلك أن يكون مجال الاختصاص (كالتمكن من لغة ما أو الإلمام بنظريات فكرية)، إلا في العلوم التي لا يصلح أن يتصدى لها سوى المختصون (كالطب والعلوم الطبيعية) أو يلزم لها موجه يتلقى عنه أو يُرجَع إليه (كالفقه والعلوم الشرعية).

مصادر:

من كتاب "إضاءات على طريق بناء الذات" للكاتبة
أديبة وكاتبة ومترجمة ومحاضِرة، في مجالات اللغة والأدب والفكر، والتعليم والتطوير الذاتي
www.hmisk.wordpress.com

معيدة بكلية الألسن

جامعة عين شمس

 
Reading (Medium).jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك