كيف تصوغ مقالة حَسَنة؟

20 فبراير , 2018

فيم ستصوغ مقالتك؟

اختيار موضوع المقال: أي الجانب الذي ستتناوله من قضية معينة (كالأخطاء الشائعة في الترجمة أو الكلام الدارج أو الأمثال الشعبية … إلخ)، وليس المظلة العامة فحسب (الأخطاء الشائعة).

 

1- تحديد المحاور الكبرى تحت هذا الموضوع: سواء استغرق كل محور مقالًا واحدًا أو سلسلة مقالات. فإذا كان المقال عن (الأخطاء الشائعة في الترجمة) مثلًا، فمحاوره قد تكون: الأخطاء الشائعة في الترجمة الدينية، والأدبية، والقانونية.

 

2- تحديد العناوين الفرعية: إذا كان كل محور تندرج تحته عدة أفكار كل فكرة منها قائمة بذاتها. وبالتطبيق على المثال السابق، فالعناوين الفرعية لكل محور من محاور أخطاء الترجمة قد تنقسم إلى: أخطاء لغوية، أخطاء ذوقية، أخطاء أسلوبية… إلخ.

 

لمن تصوغ؟ 

وجواب هذا السؤال بتحديد جهة النشر (مدّونة شخصية، صحيفة، مجلة..) وجمهورها الغالب. أهمية الوعي بهذا التصّور قبل الإقدام على الكتابة هو ما يجعل نسق العرض والفكر مصوغًا في قالب متناغم، لا نشاز فيه ولا عزف منفرد، كما يتضح تاليًا:

 

1- أسلوب الصياغة: علمي، أدبي، علمي متأدب، إعلامي.. إلخ.

2- نبرة الكلام: وعظية، توجيهية، تقريرية، إخبارية… إلخ.

3- أسلوب الخطاب: باستعمال ضمائر الخطاب (أنت، أنتم)، أو ضمائر المتكلم (أنا، نحن)، أو ضمائر الغائب (هو، هي). ولا بأس في التنويع بين أساليب الخطاب لكن البأس كل البأس في فوضى التنقل بينها (بما يختلف تمامًا عن مفهوم “الالتفات” البلاغي)، بحيث قد تبدأ الجملة بضمير الخطاب للمفرد وتنتهي بضمير المتكلمين، أو تبدأ بضمير الغائب المفرد ثم تصرف الأفعال لاحقًا تصريف الجمع! كذلك بعض النبرات يستحسن لها أسلوب خطاب معيّن، تخفيفًا من حدة وقعها على نفس القارئ، أو استعظام وقعها في نفس الصائغ. مثلًا، الخطاب الوعظي الذي فيه زجر أو نصح وتوجيه، تُستحسن فيه ضمائر المتكلم عن المخاطب، غالبًا لا مطلقًا، لما في الأخيرة من حس استعلاء أو نبرة وصاية.

4- مدى عمق الطرح: بما لا ينافي قيامه على أصول علمية، لكن بما يستدعي المفاضلة بين ما ينبغي أن يقال وكيف يقال، بحسب ما يقتضيه (ويحتمله) المقام وتتنفع به الفئة المخاطَبة.

 

كيف ستصوغ؟

عنوان المقال: بحيث يكون معبّرًا عن لبّ الموضوع كما بيّناه في المثال الأول، ويستحسن أن يكون فيه من السجع أو ألوان البيان والنغم ما يجذب القارئ، لكن دون الإسراف في الاتكاء على الطنين والرنين بحيث يصير العنوان أجوفَ وبعيدًا عن فحوى المقال.

 

العناية بفقرة التمهيد: ومهمتها إرساء توقعات القارئ من المقال، أي ما يقصده الصائغ من هذه الصياغة، بعرض المحاور الكبرى؛ وكذلك تنبيه القارئ لخلفية الصائغ من حيث أهليته فيما سيتعرض له، سواء نبعت تلك الأهلية من الاطلاع العلمي أو الخبرة المهنية أو التجربة الشخصية… إلخ. بعد استيفاء هذين العنصرين يفضل البعد عن مزيد تطويل والشروع في صلب الموضوع.

 

والعناية بفقرة الخاتمة: إذ التوقف دون فقرة ختامية من بضعة أسطر يجعل المقال مبتورًا في حس المتلقي، كضغظ دواسة الفرامل فجأة دون سابق إنذار، خاصة حين يطول المقال أو يكون من الثراء والدسامة بمكان. ومهمة فقرة الختام بكل بساطة هو تجميع الخلاصات التي قصد الصائغ عرضها، والتي يرجى أن يخرج قارئ المادة فاهمًا لها (بغض النظر عن مدى اقتناعه أو تأثره).

 

العناوين الجانبية: هذا معلم من معالم الحسن في الصياغة المقالية، لأنه بمثابة اللوحات الإرشادية في طريق جديد على سالكه. فكذلك القارئ حين يقبل على المقال، يسلك طريقا جديدًا من حيث التعرف على تصوّر الصائغ، وفهم منظوره عنه فهمًا متكاملًا. بل إن هذه العناوين تخدم صاحب المقال قبل قارئه، لأنها توجهه توجيهًا للدقة والتسديد في عرض كل بند بحسبه، بما يحفظه من مزالق الاستطراد والتشعب وفوضى التعبير.

 

تقسيم المقال لفقرات: ويفضل الاكتفاء بفكرة واحدة لكل فقرة، يعرضها الصائغ في الجملة الأولى من الفقرة، ثم تُعنى بقية القفرة بشد أزر الفكرة والتدليل عليها، فتصير الفقرة بمثابة رأس يقود جسدًا وجسدًا يساند رأسًا.

 

تنويع البراهين والأدلة: بحقائق علمية، واستشهادات نصيّة، وقصص تراثية، وتجارب شخصية … إلخ. فهذا أدعى لطرد الملل عن القارئ، وإثبات الحجة للطرح، والشهادة للصائغ بإحكام صياغته وحسن الملك لمادته.

 

الحرص على التسلسل المنطقي والبنائي في العرض: بين الفقرات وبعضها، وبين جمل الفقرة الواحدة: وهذا كذلك من معالم الحسن المغفول عنها في كثير من الكتابات، مع أن المواظبة على هذا النهج مما يقوّم أصول التفكير ويرتب الذهن، فيصير صاحبه حاضر الفكر مسلسل الصياغة كتابة وتحدثًا. وسبيل تحقيقه يسير بعون الله، وذلك باتباع نهج الترقيم التسلسلي في الكتابة، ولو حتى في مسوّدة ثم محوها في الإخراج النهائي. هذا التسلسل يعين الصائغ أن ينظر لصياغته بعين المتلقي  فإذا لم يكن الانتقال من بند لبند متراكبًا حقيقة حال الصياغة، بحيث يفضي كل بند للتالي في تناغم، فلن يتراكب حال التلقي بالتبع.

 

الحذر من حشد الرؤى والسلام دون بيّنة: إذ حتى الخواطر ومقالات الرأي جمالها في أن تكون ذات وجاهة، أي ذات متانة في السبك وقوة في العرض وجِدَّة في الرؤية. وليس من إنسان إلا وهو صاحب تحيّز ما ووجهة يوليها وجهه ومنظور يرتئيه، فتفاوت المشارب واختلافها معلوم، وإنما الشأن ومكمن الوجاهة هو في بيان السند والبِنية الفكرية الكامنة وراء هذه أو تلك.

 

تجنب الاستطراد الحشوي: أي الحشو وسط العرض بما لا يضيف جديدًا، وربما يشتت متابعة القارئ لتفرع جانبي بما لا يخدم غرض العرض ، ويدخل في ذلك إضافة فكرة جديدة في خاتمة الفقرة أو في الفقرة الختامية، وتركها كرأس معلقة بلا رابط!

 

الحرص على المراجعة الختامية: مع العناية بمَعْلَمَين ركينين من معالم الحسن وكمال الصياغة:

1- التحصن ضد الأخطاء الإملائية الشائعة، مما يتعلق بياء المخاطبة وتنوين النصب وكتابة الهمزة المتوسطة والمتطرفة، وكان أمير الشعراء أحمد شوقي رحمه الله يقول: “اللحن في اللغة كالمسمار في الأذن”، وكذلك اللحن في رسم اللغة كالقَذَى في العين!

إتقان توظيف علامات الترقيم بحسب مواضعها. وإهمالها يخل بحسن الصياغة من حيث يبدو الكلام كتلًا مصمتة أو نثرًا أشعثًا!

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك