لماذا نميل إلى الجاهز؟

11 أبريل , 2017

يقال إننا في عصر السرعة، عصر تتدفق فيه المعلومات بشكل رهيب جدًا، حتى إنه يصعب على المرء مواكبة السيل الجارف من المعلومات في تخصصه، وبعدة لغات، خصوصًا وأن التقنية تسهل وتيسر الأمر بشكل يستطيع به الإنسان أن يصل إلى المعرفة في وقت وجيز.

أول ما يتبادر إلى ذهننا ونحن نحاول أن نعالج هذا الموضوع، هو الميل للجاهز على حساب العميق والمنقح. كلما كلف تلميذ أو طالب ببحث أو عرض معين لجأ إلى شبكة البحث في الانترنت عن الجاهز، دون تقصي صحة المادة المتناولة، وجودتها، ودون الاهتمام بتكوين أسلوب وطريقة معالجة مواضيع البحوث، حيث يميلون للقالب الجاهز، وتغيير بعض الأمور الشكلية، وتقديم العرض أو البحث، بنواقصه وأخطائه.

وهذا ما يفسر السرقة الأدبية أو العلمية، وذلك بإدراج فقرة أو فقرات أخدها من بحث معين حصل عليه، دون الإشارة إلى المرجع وينسبها لنفسه بكل وقاحة، وهناك ظاهرة شائعة جدًا في الجامعات، ونسوق مثالًا متعلقًا بالبحوث الحصول على شهادة الإجازة، إذ يكتفي بعض الطلبة بتغيير الاسم، واسم الأستاذ المشرف على غلاف البحث ويقدمه جاهزًا، مما يضرب بالبحث الأكاديمي عرض الحائط ويقلل من قيمة الشهادة التي يحصل عليها، وكذلك المؤسسة التي تخرج منها، ويعكس شخصية القائم بالأمر.

ثقافة البحث عن الجاهز، ثقافة منتشرة عند الجميع، فوراءها عذر ضيق الوقت، وكذلك سطوة الافتراضي أي قضاء وقت أكثر من اللازم أمام الهواتف الذكية وتصفح الشبكات الاجتماعية، وتجدر الإشارة إلى تغير طريقة التعامل مع المعلومة، مما يظهر تفشي ثقافة البحث عن الجاهز، على حساب البحث الجاد والعميق الذي يستدعي وقتًا مهمًا، والبحث عن مراجع وبحوث سابقة للحصول على نتائج مهمة تخدم البحث، كما تنعكس على شخصية الباحث عن المعلومة، ويمكننا أن نقدم مثالًا من حقل كرة القدم، فالفرق الكبرى ذات المرجعية التاريخية تبحث عن اللاعب الجاهز وتدفع أموالًا طائلة للحصول على خدماته، من أجل تحقيق الألقاب، ولا يتم الاهتمام باللاعب الذي يتدرج في النادي من الفئات الصغرى، ويحاول أن يشق طريقه نحو النجومية، ويكتسب جاهزية وتنافسية تخول له المشاركة، وإبراز مواهبه وذاته. لماذا نميل إلى الجاهز؟

ما جعلنا نطرح هذا السؤال، هو اشتغالنا في الحقل التربوي، إذ نطالب كأساتذة التعليم الابتدائي بإعداد نماذج من الامتحانات الإشهادية للمستوى السادس الابتدائي، ويكفي فقط أن تحرك محرك البحث حتى تحصل على كم هائل من النماذج مرفقة بالتصحيح، جاهزة للطبع. نماذج من سنوات خلت، بمناطق مختلفة من جغرافية المملكة، صراحة جربت الأمر بنسخ ولصق النماذج الشيء الوحيد الذي تستفيد منه هو الوقت فقط، تغير الأسماء والتاريخ، وتطبع النموذج وترسله، بنواقصه، والمخجل هو أن يجد المدير أو شخص ما خطأ في النموذج فتضطر إلى تبرير تتحمل مسؤوليته، بسبب عدم بدل مجهود الاطلاع على النموذج.

لكن من جهة أخرى جربت أن أقوم بإعداد نموذج امتحان، نموذج خالص، مستأنسًا بالإطار المرجعي للامتحان، والانطلاق من الدروس التي تم إجرائها، وتجربتي في التدريس، وكانت النتائج مبهرة على جميع الجوانب، وتعززت لدي الثقة في النفس، والقدرة على صياغة نماذج أخرى، والبحث أكثر، وتحسين مهاراتي المهنية والمعرفية. وكذا المناقشة مع زملاء العمل وتقاسم المعلومة، كلها أمور إيجابية جدًا جعلتني أحس بعد الانتهاء من الصياغة أنني انتصرت على تلك الرغبة الجامحة بالبحث عن الجاهز، وتخلصت من الخمول والجمود، والتوكل على مجهود الأخرين، هي تجربة مثمرة وأدعوا الجميع إلى تجربتها وبذل مجهود، والابتعاد عن الجاهز.

يمكن لنا أن نرسم تشبيهًا بسيطًا جدًا هو: المعلومة الجاهزة مثلها مثل الأكلة السريعة، يمكن الحصول عليها بسهولة، لكن فائدتها الغذائية تكاد تكون منعدمة، وتؤدي إلى زيادة الوزن، والخمول، وتؤدي إلى نتائج عكسية على الجسم في حالة الاكثار منها. وهذا بالضبط ما يحصل للعقل عندما يعتاد المرء على المعلومات الجاهزة، فهي تولد الخمول الفكري، وتقضي على ملكة البحث، وكذلك النقد، الذي يحتاج للانفتاح على مشارب عدة، والاطلاع على قدر مهم من المصادر والمراجع، للإحاطة بالموضوع البحث أو العرض.

من الضروري البحث عن سبل القضاء على ثقافة الجاهز، وعدم الاعتماد عليها كليًا، واستغلال الوقت الكافي للبحث والإعداد، ونقل هذه الأمور الإيجابية إلى الناشئة، وعلينا أن نؤمن أنه ليس كل معلومة جاهزة صحيحة، أو أنها تصلح لكل زمان ومكان، فقط علينا تشغيل ملكة البحث، وطرح السؤال، فعظمة الفلسفة يا سادة بدأت بالسؤال. فكيف يمكن أن تساهم الفلسفة اليوم بالتعامل مع المعلومة؟



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك