لوحةٌ مِن معرضِ حياتي

23 ديسمبر , 2012

 

 

تمضي الأيّامُ كقطارٍ سريعٍ، فمنهم من يستطع أن يلحقَ بِهِ، ومنهم من يقطعه، ومنهم من لم يُفكّر في ركوبهِ بعد.. أمّا أولئكَ الّذينَ قد حضّروا حقيبتهم أتُراهم قد حملوا بها الزّادَ؟

لطالما حيّرني هذا السُّؤال، وشَغِلَ حيّزًا كبيرًا من فكري، وفي الأسبوعِ الأخيرِ لعطلةِ الصّيفِ، عاودتُ نبشهُ من جديدٍ، أتراني ماذا أحملُ بحقيبتي المدرسيّة؟ لا ليست حقيبة طالبةٍ، بل حقيبة معلّمةٍ لا زالت في  الرّبيعِ الثاني والعشرين من عمرها ستشقُّ طريقها نحوَ مدرسةٍ لا تعرفُ طلّابها، ولا طاقمها.. كُلُّ ما تعرفهُ أنّها ستكونُ مربّيةً لثلاثين طالبة..

وضعت كُتبها، وحضّرت أقلامها، وجمعت بعقلها ما درسته خلالَ تعليمها الجامعيّ، ودخلت بوابةَ " المعالي"، وانطلقَ القطارُ سائرًا بها..

 

وها هيَ اليوم تنتظرُ بشوقِ وشغفِ الأطفالِ ساعاتِ تسليمها الشهاداتِ للطّالباتِ، قد مرّ الفصلُ سريعًا، هذا هو القطار، يمضي بأقصى سرعة.. وعرفت المعلّمة أنّ الشيءَ الوحيد الّذي لا يُمكنها أن تضعهُ في حقيبتها، ولا يُمكنها أن تشتريه من أيّ دُكانٍ، ولا أن تدرسه في أيّ جامعةٍ كانت هو التّجربة، وحدها الأيّامُ ومعركتها من علّمتها، وأكسبتها، في كلّ يوم كانت تضيفُ للحقيبَة شيئًا مختلفا عن الآخر، متميّزًا بنكهته، متألّقًا رغم صعوبته.

 

فصلٌ دراسيٌّ ها هو يمضي، لينضمّ إلى لوحةِ معروضاتِ الحياة، لوحة مُستثناة عن الأُخريات، مختلفة عن السّابقات، وذات نكهةٍ خاصّة عن اللّاحقات.. لوحةٌ رسمتُها، فتارةً كانَ الأصفرُ والأحمرُ طاغيانِ بها، وتارة أخرى يحتلها البكاءُ والإرهاقُ فيكسوها أسود شاحبُ..

 

وما أقربَ اليومَ من الأمس، سنواتٌ قليلةٌ فصلتني عن ثانويّتي، حينما كُنت طالبةً أنتظرُ ثناءَ أُستاذي، أغضبُ إن أغضبني، وأفرحُ إن هو أفرحني، وأنتشي إن سألني عن حالي.. وأُسرُّ عظيمَ السّرور إن مشيتُ بقربهِ في ساحةِ المدرسة.. وها أنا أعودُ لأنثرَ ما رغبتهُ في الأمسِ، ولأعطيَ ما مُنعتُ منهُ هُناكَ.. علّي أبذرُ بذرةً تُزهرُ ولو بعدَ حين..

 

إسراء عواودة

مدرّسة اللّغة العربيّة

مدرسة المعالي كفركنا- فلسطين المحتلّة

 

Teacher-Class.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

منيرة امارة منذ 6 سنوات

الأخت الفاضلة ………… …. رعاك الله

ولو أنني أوتيت كل بلاغة ****** وأفنيت بحر النطق في النظم والنثر
لما كنت بعد القول إلا مقصرا ***** ومعترفا بالعجز عن واجب الشكر

يسرنا نحن.طالبات صفك……… أن نتقدم لك بخالص الشكر ووافر الامتنان على ما بذلت من جهد وتحملت من مشقة لمصلحتنا .. ونحن العارفات بفضلك المستضيئات بقدرك العاجزات عن القيام بالشكر .. وقد حررنا هذه السطور بلسان الامكان لا بقلم التبيان … سائلات المولى عز وجل وأن يرزقك الفردوس الاعلى من الجنان على ما تحملتيه منا ، وصدق الله إذ يقول { هل جزاء الاحسان الا الاحسان }

أضف تعليقك