مدرسون صنعوا التاريخ!

22 أغسطس , 2017

يكون محظوظًا حقًّا ذاك الإنسانُ الذي يصادف في حياته مُعَلِّمًا راشدًا يُنِيرُ له دَرْبَه بضياء العلم والمعرفة، يَنْهَل من ثقافته وخبراته لدرجةٍ قد تتغيَّر فيها حياةُ هذا التلميذ تمامًا؛ فيُولَد لَدَيْنَا القائدُ والأديبُ والعالِمُ.

يذكر لنا التاريخُ مجموعةً من المدرِّسين أثَّرُوا بصورة بارِزَةٍ في تلامذتهم، حتى غَدَوْا شخصياتٍ لامِعَةً في عالَمِنَا، من هؤلاء المعلمين نَذْكُر لكم:

 

آن سولفيان

مَن مِنَّا لم يسمع عن هيلين كيلر الأديبة الأمريكية النابغة، التي أصيبت منذ الصغر بمرض أفقدها السمع والبصر تمامًا، مَثَّلتْ المعلمةُ آن سولفيان لها مرحلة مميَّزة في حياتها، إذ تولَّتْ تعليمَها بكل تَفانٍ وإخلاصٍ.

وُلِدَتْ سولفيان عام 1866في ولاية ماساشسيتس الأمريكية، لأسرة مهاجرة من أصول أيرلندية، في سن الخامسة شُخِّصَتْ بالتراخوما، وأجريت لها بعض العمليات التي استعادت فيها شيئًا من قُدْرَتها على الإبصار، ونتيجة لمعاناتها من هذا المرض فَهِمَتْ الكثيرَ عن حياةِ المكفوفين.

حياة آن لم تكن سهلةً، فوالدتُها تُوُفِّيَتْ حين كانت في الثامنة، بعدها بعامين تَرَكَ والدُها العائلةَ؛ خوفًا من عدم قُدْرَتِهِ على إعالة أطفاله الثلاثة. أُرْسِلَتْ آن إلى معهد بركنز للمكفوفين، ومن هناك استطاعت إكمال تعليمها.

في محاولة لإيجاد آرثر كيلر مدرسةً لابنته، تواصل مع معهد بركنز الذي بدوره رشح الآنسة سولفيان لهذه الْمَهَمَّة، قَامَتْ سولفيان في البداية بتعليم هيلين العديد من المفردات إضافةً إلى لُغَةِ برايل، وبَقِيَتْ مسانِدَةً للفتاة طَوَالَ 49 عام.

تقول كيلر عن معلمتها في كتابها “قصة حياتي”: “كم هي قريبة إلى نفسي! أفضل ما عندي ينتمي إليها! ولا توجد في داخلي موهبة أو أمنية أو متعة إلا أيقظَتْهَا بلَمْسَتِها الحانية.”

 

صموئيل غريدلي هاو

طبيبٌ وناشط أمريكي، يُعَدُّ أحدَ أبرزِ الروَّادِ الذين قاموا بدور مهمٍّ في التمهيد لولادة نظام برايل في القراءة والكتابة، قام بالاهتمام بلورا بريدجمان، التي تُعَدُّ أولَ صمَّاء كفيفة تتمكن من تَعَلُّم القراءة والكتابة والتواصل بطريقتي “هجاء الأصابع” و”برايل”.

كتب عنها تشارلز ديكنز في كتابه” “American Notes وكانت قصةُ نجاحها مبعثَ الأمل لعائلة هيلين كيلر، ودافعًا لهم للبحث عن مدرِّس لابنتهم.

في منزل والده في بوسطن كان “هاو” يقوم باستقبال الطلاب فاقدي البصر وتعليمِهم، ثم أصبح مديرًا لمعهد بركنز، قام حتى وفاته بالعمل على تحسين أساليب التدريس الخاصة بطلابه، وطباعة الكتب بطريقة برايل، إضافة إلى تأسيسه العديد من المؤسسات ذات طابَعٍ مماثل لمعهد بركنز.

 

ديمقريطس

واحد من أهم فلاسفة الطبيعة الإغريق، أصله من “عبديرا” على الشاطئ الشمالي لبحر “إيجة”، كان يعتقدُ أن كلَّ شيء في الكون مركبٌ من عناصر صغيرة جدًّا “ذرَّات”. هذه الذرات موجودة بصورة لامتناهية في الطبيعة.

تأثر به أبقراط “أبو الطب” وكان تلميذًا وصديقًا له، تُعَدُّ فلسفةُ ديمقريطس المادية الأساسَ الذي بَنَى عليها الفيلسوفُ أبقراط آراءَه في تسمية أنماط الجسم وأمزجته الأربعة “الدموي، البلغمي، الصفراوي، السوداوي.”

 

سقراط

 

حكيم وفيلسوف يوناني، كان دائمَ السَّعي وراءَ الحقيقة، اهتم بالإنسان والحياة والأخلاق، واعتبر مؤسسًا للعديد من المدارس الفلسفية، كما اشتهر بما يُعرف “بالسخرية السقراطية”. أثارَتْ فلسفتُه جدَلًا في أثينا، حتى اتُّهِمَ بأنه أفسد الناشئة، فَحُكِم عليه بالإعدام بتجَرُّعِ السُّم.

كان سُقراط مدرِّسًا للفيلسوف أفلاطون، إذ التقى به الأخيرُ وهو في العشرين من العُمُر، وأُعْجِبَ به فلازمه لثماني سنوات، صُقِلَتْ فيها معارفُه في عِلم المنطق والأخلاق.

تأثر أفلاطون بالمحاكَمَة الظالمة لأستاذه، وكان أولُ عمل قام به كفيلسوف، هو نشر مرافعةِ سقراط، كما قام بتأسيس أول أكاديمية في التاريخ “أكاديمية أفلاطون” التي من خلالها استطاع حفظَ أعماله المكتوبة، ونَقَل الكثير من الحوارات الفلسفية عن أستاذه سقراط.

 

محمد عبده

من دعاة النهضة والإصلاح في العالم العربي، ولد عام 1266 هـ، في محافظة البحيرة، يُعَدُّ أحدَ المؤثرين في الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي. اتصل فيه الأديب وهو لا يزال في مقتبل العمر؛ إذ كان الشيخ علَّامة العصر في العلم والإيمان، لزم المنفلوطيُّ حضورَ حلقاته والاستماع إلى شروحه.

تميز المنفلوطي بذكاء القريحة، وكان من أكثر الطلاب تفوُّقًا، فآثره محمد عبده وجعلَهُ من أقرب تلاميذه، ورسَمَ له الأساليبَ المثلى في الحياة والأدب. وبعد وفاة أستاذه رجع المنفلوطي إلى بلده، ومَكَثَ فيها عامين يُحَرِّرُ المقالات ويقرأ كتب الأدب القديم.

 

آق شمس الدين

 

هو أستاذ السلطان محمد الفاتح” فاتح القسطنطينية “، تَعَلَّمَ الفاتحُ على يده العلوم الأساسية كالقرآن الكريم، وعلمِ الفلك والرياضيات والتاريخ، إضافةً إلى اللغة العربية والفارسية والتركية.

فَوْرَ تولِّي السلطان حُكْمَ الدولة العثمانية، شجَّعَهُ “آق شمس الدين” على ضرورةِ تحريك جيوشه وفتح القسطنطينية، ونظرًا لأَثَر توجيهاته يَعُدُّهُ بعض الباحثين الفاتح الروحي للقسطنطينية.

تَذْكُرُ الكتبُ أنه كان عالِمًا مهيبًا نَبَغَ بعلم النفس والنبات والصيدلة حتى إنه ليقال: “إن النَّبَات لَيُحَدِّثُ آق شمس الدين”، وهو أول من اكتشف إمكانية انتقال بعض الأمراض بالميكروبات.

 

يذكر كتاب روائع من التاريخ العثماني، أن أحدهم سأل السلطان عن سبب قيامه وترحيبه بالرجل دون غيره من العلماء؛ فأجاب:

“أنا أيضًا لا أدري السبب، ولكني عندما أراه مقبلًا عليَّ، لا أملك نفسي من القيام له، أما سائر العلماء والشيوخ ، فإني أراهم يرتجفون من حضوري، وتتلعثم ألسنتهم عندما يتحدثون معي، في الوقت الذي أجد نفسي أتلعثم عند محادثتي الشيخ آق شمس الدين.”

 

كَثُرَتْ النصائحُ عن فضل صحبة المدرس، وأهمية هذه الرُّفقة وأثرها الكبيرُ في تغيير نهج الإنسان، وصَقْل معارفِه، ومن يتتبع سِيَرَ الكثير من العظماء يَجِدُ أنهم لزموا معلمًا ناصحًا مخلصًا لرسالته؛ فهل صادَفْتَ أيها القارئ هذا النوعَ من المدرسين؟



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك