مراحل بناء الذات

10 يونيو , 2016

ذكرنا في مقال سابق الركائز الأساسية لبناء الذات، ونستعرض في هذا المقال للمراحل المنهجية في البناء، بحيث يستقيم البنيان سويا بغير إفراط ولا تفريط.

1. مرحلة البذر:

وهي فترة العكوف على الذات تزكية وتهذيبًا، وتنمية وتعلمًا، لا يُنصح بالانشغال في هذه المرحلة بالأثر على الغير أو تغيير العالم، فإنما المستقبل يولد من رَحِم الحاضر، تولّ شؤون يومك وحاضرك على خير ما يُرتَجى، سينصلح حال مستقبلك بأمر الله تعالى بخير مما كنت تتوقع.

في هذه الفترة ستكون لديك فورة للتعرف والاستكشاف والتجربة، وهذا رائع لكن ما لم يهذّب بخطة أو وجهة فقد ينقلب لفوضى توحي لك بأنك مثقل بالأعمال وقطعت شوطًا بل أشواطًا على أقرانك، في حين أن جوهرك من الداخل لم ترتوي بذرته وتُرعى كما ينبغي، وبالتالي سيأتي الثمر هزيلًا .

ومثال ذلك كثير ممن ينسبون أنفسهم لطائفة القراء والمثقفين، فقوائم قراءاتهم في تضخم، وأهرام الكتب في علو، وعقولهم بعد في مرحلة الطفولة الفكرية، وقلوبهم من الحكمة خواء، مثال آخر من يهدرون أوقاتهم في سماع الأغاني ومشاهدة الأفلام لتعلم لغة أجنبية! وأقصى ما يمكن أن يعود عليهم ذلك هو بعض معرفة لغوية وربما لَكنة أعجمية، لكن ليس علمًا حقيقيًا باللغة ولا تمكنا جادًا من وسائلها في سياقات خارج تلك الحدود الضيقة كتابة وقراءة واستماعا ومحادثة، لأن هذه وسائل ضحلة وحدها لإتقان المهارات اللغوية، ناهيك عن كثير من المحاذير الشرعية فيجمعون الذنب وعدم الإفادة! وذلك أمر نواجهه يوميًا مع متعلمي اللغة بهذه الطريقة.

2. مرحلة الإنبات أو التفتح:

حينما تتقن فن تنمية ذاتك وملئها بالإمكانات والخيرات، سيصير بإمكانك أن تفيض من إنائك على من حولك، وتبدأ بذرتك في الإنبات بعد أن ضربت بجذورها في عمق التربة، حينها يمكنك البدء فيما يتيسر من الأنشطة التطوعية والمجتمعية والثقافية، لتكتسب من المهارات والخبرات العملية قدر ما تستطيع.

وكن متيقظًا ومتابعًا لمدى نفع هذا العمل أو ذاك لك، ومدى نفعك فيه، إحرص على أن تمر أنت بالتجارب لا أن تمر هي بك.

3. مرحلة الإثمار:

حين تكون قد وصلت بتوفيق الله إلى درجة كبيرة من الإستقرار على مستويين، معرفتك بمكامن طاقتك وإمكاناتك التي اختصك الله بها، والمجالات الأقرب للانتفاع بها التي يوقفك الله فيها، ولأن النبتة صارت الآن شجرة مثمرة، فهي ستظل بحاجة للتعهد بالسقي والرعاية، كما ستظل أنت بحاجة لتعهد نفسك بمزيد من التزكية والتنمية في مجالات أخرى ربما ليست اختصاصك لكنها لازمة لكل أحد، كالوعي الفكري والفهم لأساسيات الدين والتعامل مع برامج الكمبيوتر والتمكن من أسس العربية السليمة من الأخطاء الشائعة.. إلخ، وقد تكون بدأت في تلك المجالات في مرحلة البذر، لكن لعلك الآن بحاجة لمستوى أعلى فيها، فتنتقل من مرحلة الأخلاق العامة إلى أحوال القلوب مثلًا.

وكما أن الشجرة لها فترات تورق فيها وأخرى تنفض عنها أوراقها، ستكون بحاجة لفترات بين الفينة والفينة تقلل فيها من العمل وسط الناس وتقبل فيها أكثر على ذاتك، تراجع فيها أهدافك وأولويات وإنجازاتك، وربما تعيد تحديد مفاهيمك ومعايير وتطلعاتك للفترة المقبلة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك