معالم تربوية من سير الأئمة الأربعة – الجزء الأول

18 أكتوبر , 2016

الائمة الأربعة

من يقارن سير الأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل ، رحمهم الله تعالى ، تتبين له ملامح مشتركة يحلو تتبعها ، عسى من يستضيء بها كل مربٍّ لغيره ، أو لنفسه .

 

المَعلَم الأول : الأم

كل الأئمة الأربعة توفي عنهم آباؤهم صغارًا أو في بواكير الشباب ، واضطلعت أمهاتهم بالحمل ، فانقطعن لأولادهن بل وحرصن على حضهم على طلب العلم والتكفل بنفقاتهم بأنفسهن .

فأما الإمام أبو حنيفة رحمه الله ، فقد أمتعه الله بوالديه معًا في صباه ، فحفظ القرآن الكريم في صغره ، وحين بلغ السادسة عشرة من عمره خرج به أبوه لأداء فريضة الحج وزياة النبي صلى الله عليه وسلم ومسجده ، حيث بدأ تطلعه لطلب العلم ومجالسة الحلقات . ولما توفي والده بعدها أوقفت أمها حياتها له خدمة ومعاونة ، ولم تتزوج بعد أبيه . فحفظ لها أبو حنيفة جميلها ، حتى إنه كان يحملها على دابة ويسير بها مسافات ليحملها لأحد الوعاظ أو أئمة الحي تستفتيهم وهي تراهم أعلم من ابنها! فانطبق عليها وعليه المثل “زامِرُ الحي لا يُطرِب” . بل إنها لما سألت إمامًا مرة في مسألة لم يعرفها ، بعث إلى أبي حنيفة فأرسل له الجواب سرًا وطلب إليه ألا يخبر أمّه أنه المفتي! ولما سجن إثر محنة رفض تولي القضاء ، بكى في سجنه لمّا بدأ ضرب السياط ، وقال في ذلك “والله ما أوجعتني لكن تذكرت دموع أمي فآلمتني!” .

وأم الإمام مالك ، العالية بنت شريك ، كانت أول من ذهب به لطلب العلم في حلقة العالم “ربيعة الرأي” ، انتقتها له بنفسها بعد السؤال والمفاضلة بين حلقات ومجالس العلماء ، بلغت 70 حلقة في المسجد النبوي آنذاك! فوجدت ربيعة بينهم أكبر فقيه مجتهد فيما لا نص فيه ، ومن هنا لقب “ربيعة الرأي” . فذهبت به أمه إلى حلقته وقالت لابنها : “تعلم أدبه قبل علمه ” . وهي التي عودته أن يغتسل ويتطيب قبل الخروج للحلقة ، فظل ذلك دأبه حتى بعدما تصدر للتدريس والإفتاء .

وأم الإمام الشافعي ، الشفاء بنت أرقم ، اتخذت القرار بعد وفاة زوجها إدريس بالرحيل من عسقلان عروس الشام آنذاك وعيشها الرغيد ، إلى مكة ليكون ابنها وسط أعمامه ورحمه ، ويتسنى له طلب العلم عن أهله ، مع ما في الانتقال من شظف في العيش . وكان أول ما ابتدأت به أن عهدت به إلى مقرئ ليبدأ مسيرته العلمية بكتاب الله تعالى . وفي ذلك يقول الإمام “كنت يتيمًا في حجر أمي ، ولم يكن لها ما تعطيه للمعلم ، فرضي مني (بدل النفقة) إذا غاب أن أقوم مكانه في تعليم الصبيان وأخفف عنه إذا تعب” . وكانت أمه نفسها ذات علم ، فيروى أنها استدعيت للشهادة من قاضي مكة ، وأراد منها ومن الشاهدة الأخرى أن تشهد كل واحدة في غياب الأخرى لئلا تسمع شهادتها ، فاعترضت وطلبت من القاضي أن تشهد كل واحدة في حضور الأخرى ولا تتفرقا وذكرت له آية الشهادة “.. أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى” ، فرجع القاضي عن قراره وأقر قولها . ولما بلغ الإمام الشافعي أشده وقرر الارتحال في طلب العلم ، رهنت دارًا لها بمكة وقررت أن تصحبه في رحلاته ، تخدمه وتؤنسه حتى لا ينفرد في غربته .

والختام مع أم الإمام أحمد ، اسمها كذلك الشفاء . توفي زوجها في الثلاثين وهي بعد شابة في أواخر حملها ، فقررت أن تكون حياتها وقفا على تربية ولدها وتأديبه ليكون خير سلف لخلفه من بني شيبان ذوي الخلق والدين ، فحببت إليه العلم واختارت له الشيوخ بنفسها إذ كانت على قدر من العلم بالدين . وكان لها معه وقفات أمومة وحنان ، منها أنها كانت تذهب به إلى الحلقات وتنتظره حتى يفرغ فتعود به المنزل ، وظلت على ذلك إلى أن بلغ رشده . ومنها أنه إذا أراد البكور لحلقة في الشتاء ، تأخذ بثيابه مخافة البرد والظلمة عليه ، وتقول : “اصبر حتى يؤذن المؤذن للفجر أو حتى يصبح الناس” . ومن هنا نشأ بينه وبينها رباط وثيق ، حتى إنه كانت يتحين الفرص في رحلاته لطلب العلم فيعود لزيارتها . وامتنع الإمام أحمد عن الزواج حتى توفيت وهو في الثلاثين ، كي “لا يُدخِل عليها من تنازعها سيادة الدار” ، حفظَا لجميلها في تفرغها له وعزوفها عن الزواج لتعكف عليه . وما فتئ يذكرها في حلقاته من بعد ويذكر حسن رعايتها وتعهدها له .

المعلم الثاني : الدنيا متاع أقبلت أو أدبرت

من عجائب المقارنات بين سير الأئمة الفضلاء رحمهم الله ، تباينهم الجليّ في مستوى معايشهم وصور التعامل مع المال وفق منظور معين ، على اتفاقهم في كونه أداة ووسيلة لا غاية ومتاعًا لا كنزًا . وهذه الصور المتباينة خير تفنيد لمن يفاضل مراتب الناس بحسب ظواهرهم المادية ، فمن ظهرت عليه النعمة اتهم بالمادية والدنيوية ، ومن تقشف وتزهد خيل للناس أنه الأقرب لله ، وإنما العبرة بما وقر في القلب ما دام المال – قل أم كثر – في اليد . المال وحده وسيلة حيادية ، تتلون بحسب صاحبها ، وإنما “نِعم المال الصالح للرجل الصالح” [الألباني] .

فالإمام أبو حنيفة كان من أسرة فارسية ميسورة ، ذات أصول أفغانية ، استقرت في العراق ، وكان أبوه بائع أقمشة فورث أبو حنيفة عنه تجارته . ويصفه ابنه حمّاد وتلميذه أبو يوسف بأنه كان “من أحسن الناس صورة ، حسن الثياب ، طيب الريح ، كثير التعطر” ، حتى روي أن عطره كان يشم على مسافة ميل ويعرف به أنه قادم! وكان إلى ذلك إذا أنفق على أهله مالًا تصدق بمثله ، وإذا لبس جديدًا ألبس شيوخَه ، وإذا أهدي إليه كافأ المهدي بضعفه . فكان منهجه في ذلك أنه “ينبغي لمن أنعم الله عليه أن يُظهر أثر النعمة” . بل إنه كان ينفق على طلاب حلقته ليتفرغوا لطلب العلم ، ويقول لهم “أنفقوا في حاجاتكم ولا تحمدوا إلا الله تعالى . فإنها أرباح بضائعكم مما يجريه الله على يدي” .

وأما الإمام مالك ، فكان أبوه أنس رجلًا مقعدًا لكنه احترف صناعة النبال ، فكان ينفق على ابنه ما استطاع ويحثه ليكون كجده مالك الأصبحي من أكبر علماء التابعين . غير أن والده توفي وهو في بواكير شبابه ، وقد صار له زوجة وابنة ، فكان يبيع خشبًا من سقف بيته ليسد حاجتهم ويستمر في طلب العلم . وربما كان الجوع يشتد عليه وعلى أهل بيته ، فتصيح الطفلة باكية ، فيدير وزوجته الرحى في المنزل حتى لا يتأذى الجيران بصراخها! ومضى على ذلك الحال ، حتى هيأ الله له شيخه الليث بن سعد ، وكان موسرًا واسع الغنى ، فتولى النفقة عليه لما لمسه فيه من نباهة وجد في طلب العلم . ثم فتح الله عليه من بعد ذلك في ولاية بني العباس الذين أجروا عليه الرواتب والعطايا تقديرًا وتفريغًا لنشر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويُحكى عن بيته وحلقته أنه كان يجلس في المجلس ، والوسائد والنمارق منثورة عن اليمين والشمال لمن شاء من جلسائه ، وكان يجلس متمكنًا لابسًا أحسن الثياب ، ويتبخر ويتطيب توقيرًا وإجلالًا لنقل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان مجلسه على ذلك مجلس هيبة ووقار وسكينة وخشية .

والإمام الشافعي من بعدهما كان بَيْن بين . عندما كان تلميذًا عند الإمام مالك ، تولى الإنفاق عليه حتى توفاه الله والشافعي في التاسعة والعشرين ، ثم تنقل بعدها في أسفاره تأتيه معونات الخلفاء حينًا ويساعده شيوخه حينًا آخر . ولم تنصرف عنايته إلى ذلك الجانب وقنع بما يسوق الله إليه ، حتى بعد زواجه في التاسعة والعشرين ، لشدة عكوفه على التصنيف والتأليف ، حتى قال عنه الإمام أحمد في طول سهره في ذلك “ما من أحد بيده مِحبرَة ، إلا وللشافعي عليه مِنّة” .

أما الإمام أحمد بن حنبل ، فاختار أن يتعفف عن أي صلة أو عطية من الخلفاء وغيرهم ، ويأكل من عمل يده مهما قل ، فكان يؤجّر نفسه للحمالين ويقوم ببعض أعمال النسيج لينفق منها . ثم اشتغل نساخًا آخر الأمر لينسخ ويتعلم وينفق في آن . وكان يقول إذا سئل عن رفضه للعطايا والمعونات : “ليست عندي حرامًا لكن تنزهت عنها” . ويروي ابنه صالح : “ربما رأيت أبي يأخذ الكِسَر من الخبز ، ينفض الغبار عنها ، ويصيرها في قَصعة ، ويصب عليها ماء ثم يأكلها بالملح . وما رأيته اشترى رمانًا ولا شيئًا من الفاكهة إلا أن تكون بطيخًا فيأكلها بخبز ، أو عنبًا أو تمرًا” . ومع ذلك لم يكن رث الهيئة والهندام ، بل كان حسن الوجه صبوحًا ، ذا هيبة ووقار ، يتحرى الثياب النقية البيض تأسيًا بسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام ، ويخضب بالحناء .


نستكمل في الجزء الثاني معلمين تربويين آخريْن

مراجع

– سلسلة أعلام المسلمين : إصدار دار القلم بدمشق

– الأئمة الأربعة – مصطفى الشكعة



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك