هل تعتقد أنّك تستطيع الرّقص؟

24 أكتوبر , 2016

sytycdance_s13_2048x1152-1024x576

 

إذن، هل تعتقد أنّك تستطيع الرّقص؟ أو “?So you think you can dance”


هذا ليس بسؤال عاديّ، بل هو عنوان برنامجي التّلفزيونيّ المفضّل على الإطلاق والّذي أتابعه منذ حوالي 3 سنوات أو يزيد.
لا أتذكر على وجه التّحديد متى حدث هذا الأمر، ولكنّي وقعت في غرامه مع أختي، وكنّا نتابعه بترقّب في كلّ مرّة نشاهده فيها على شاشة التّلفاز حتّى ولو كانت حلقات معادة، وأصبحنا مع مرور الوقت نبحث عن المزيد لنشاهده من خلال الإنترنت على قناتهم وعلى اليوتيوب.
منذ صغرنا أنا وأختي نستمتع بالعروض الرّاقصة والاستعراضات للفنّانات مثل “نيللي وشريهان” وأسعد أوقاتنا عندما نحضر عرض باليه في دار الأوبرا، على الرّغم من أنّنا لسنا راقصات بارعات، ولكنّنا نُقدّر هذا الفنّ كثيرًا، وتعلّمنا حوله الكثير والكثير فقط من مشاهدة البرامج والعروض وسماع تحليلات النُّقاد حول أداء الرّاقصين، وهو ما يدفعني للتّساؤل حول كون هذه البرامج مادّة تعليميّة ممتازة للمهتمّين بما تقدّمه، ولكن ليس هذا هو غرض كتابتي لهذا المقال، اليوم أكتب عن سؤال آخر دار بذهني عند مشاهدتي للموسم الأخير الّذي لم يُعرَض بعد على شاشات التّلفاز العربيّة، وتابعت منه فقط بعض المقاطع  على الإنترنت على القناة الرّسميّة للبرنامج.
على الرُّغم من أنّ لغتي الانجليزيّة تتيح لي مشاهدة وفهم البرنامج دون الاستعانة بالتّرجمة، إلّا أنّني من محبّي التّلفاز والجلوس في صالة المنزل مع الأسرة لمتابعة البرامج، ولكن لم أستطع هذه المرّة الانتظار أكثر من هذا حتّى ترجمة البرنامج وعرضه، ليحيا الإنترنت وقدرته على إيصال كل هذا الجمال لنا وقت ما نريد.
عُرِضت النّسخة الأخيرة من البرنامج تحت عنوان “Next Generation” أو “الجيل القادم” والّذي يشترط أن يكون المتقدّمون للمسابقة من الأطفال أو المراهقين، لا توجد لديّ مشكلة في هذا الأمر، ولكنّني تساءلت حول سبب اختيار اسم “الجيل القادم” بدلًا من المعتاد في هذه النّسخ من البرامج، الّتي تُنتَج للصّغار وتخرج للجمهور بنفس العنوان الأصليّ، ولكن بإضافة كلمة “Junior” أو “Kids” أي “الصّغار/الأصغر” أو “الأطفال”.
اليوم فقط وبعد مشاهدتي لعدد كبير من العروض، استطعت أخيرًا إدراك الهدف من الاسم المُختار، ربّما هذا محض خيال من طرفي، ولكن عمومًا هذا ما أشعر به.


لماذا “الجيل القادم”؟

لأنّها الحقيقة، هم  ليسوا صغارًا وفقط، نراهم دائمًا قِصَار القامة، ضعافًا، غير قادرين على فعل أيّ شيء في الحياة ولا نثق بهم، نسعد بأنّنا نمنحهم فرصًا، ونتفضّل عليهم طوال الوقت بالفرص الّتي منحناها إيّاهم ليحقّقوا شيئًا ما.
نعم هم قصار القامة، يظهر الفرق واضحًا عندما يُقدِّم كلّ طفل عرضه الأسبوعيّ مع شريكه في الرّقص الأكبر سنًّا، والّذي يرافقه طوال رحلته في البرنامج، ولكنّك لا تستطيع أن تلاحظ هذا الاختلاف في الطّول بعد بدء العرض، كيف يمكن لهؤلاء الصّغار مجاراتهم بهذه المهارة؟ لا أعرف!
ضعافًا؟ لا أظنّ ذلك، الرّقص مثله مثل الرّياضة والأعمال البدنيّة عامّة، تحتاح لقوّة عضليّة كبيرة، ويكفي مشاهدتك لعرض مدّته دقيقة واحدة ومحاولة مجاراة حركات أيّ طفل منهم، لتدرك الفارق بين قوّة عضلاتك وقوّة عضلاتهم.
هؤلاء الصّغار استطاعوا على مدى 13 أسبوعًا، أن يبهرونا ويستخرجوا الصّرخات والآهات من الجمهور والمُحكّمين الّذين لديهم خبرة طويلة في مجال الرّقص والاستعراض، وأيضًا التّحكيم في مسابقة استمرّت لـ 12 موسمًا سابقًا، وضمّت مجموعة من أعظم الرّاقصين في العالم، ليأتي هؤلاء ويخبروننا بأنّ هناك المزيد والمزيد من المتعة والجمال والحبّ، ينتظروننا من الجيل القادم.

rfhjkut

الصورة من عرض J.T. & Robert’s Contemporary Dance from “The Next Generation: Top 9 Perform + Elimination”


 هل يمكننا أن نُدرك ذلك قبل فوات الآوان؟


قبل أن يدرككم الفهم الخاطئ للسّؤال، أتحدّث عن آوان الجيل الحالي، وليس الجيل القادم.
كما هو واضح للجميع، نُعاني جميعًا كشباب في الوطن العربيّ -وربّما هناك فئة كبيرة في العالم لا أعلم عنها شئًا ـ من نظرة الأبويّة والرّعاية الّتي تحيطنا طوال الوقت من الأهل، الدّولة، النّظام الحاكم، وتتسلّل إلى أنفسنا شيئًا فشيئًا ـ نصرخ من أجل منحنا الفرصة للقيادة والعمل وتقديم كل ما لدينا، ولكنّ الأكبر سنًّا، الجيل السّابق، يرى أنّه ليس لنا الحقّ في المطالبة بهذا الشّيء، وماذا نمتلك لكي نقدّمه؟
نمتلك الكثير، ونعلم هذا في قرارة أنفسنا، وأصبحنا نخشى طوال الوقت ضياع الفرصة ومرور الوقت بدون أن نقدّم ما نرغب في رؤيته في هذا العالم، وبالتّالي ربّما ينعكس ذلك على تصرفاتنا مع الأصغر سنًّا، هل سنتعلّم الدّرس ولا نحاول التّقليل من قدراتهم وإتاحة المجال ومساعدتهم على تحقيق فرصهم؟ أم سنغدو كما وجدنا آباءنا ونقاتلهم من أجل الفرص الّتي حُرِمنا منها؟
أليس من الأفضل العمل معًا لنكمل الصّورة الجميلة لحياتنا، تمامًا كما يعمل هؤلاء الصّغار مع شركائهم في كل عرض فيقدّمون أجمل ما لديهم؟
في الفترة الأخيرة قرّرت العودة للعمل مع طلّابي مرّة أخرى على أنشطة خارج إطار دراستهم، وكتبت حول ذلك بالفعل في مقال قادم. اكتشفت أنّني أمتلئ بحماس لا مثيل له في وجودهم، أستمدّ منهم الطّاقة والأمل في الحياة، أحبّ الاستماع لهم ولآرائهم.
أجلس مع أبناء أختي الأصغر سنًّا وبكثير من طلّابي، أستمع لما يحكونه لي عن أفكارهم لأعمالهم المستقبليّة، طموحهم في الدّراسة والعمل في مجال الألعاب الالكترونيّة الّتي يعشقونها، مخطّطاتهم البسيطة والعظيمة في آن واحد، ترسم على وجهي ابتسامة تتّسع للكون.
يستطيع كلّ من يعرفني أن يرى الفرق واضحًا في شخصيّتي عند عملي في وجود طلّابي بالقرب منّي، وبين عملي وهم بعيدين عنّي، هناك حياة في التّكامل والتّواصل مع الأجيال القادمة الّتي تشعرك حتّى وإن كنت صغيرًا في السّنّ بأنّ هناك أملًا، وتمنحك شعورًا بالآمان لأنّ هناك من يحمل في قلبه الكثير ليقدّمه لهذا العالم ليجعله أفضل بقدر استطاعته.
أؤمن منذ فترة ليست بالقصيرة أنّنا ننجب الأطفال لنعيد دورة حياتنا مرة أخرى في شبابنا، نراقبهم بسعادة وهم يكبرون أمام أعيننا ويعيدون رسم العالم بأفكارهم، ثم يكبرون ونرغب في إعادة دورة الحياة هذه مرّة أخرى، فنشتاق لوجود حفيد لنا، يجدّد لنا الآمال في نهاية حياتنا الدّنيا، ونطمئنّ لوجود “خليفة” لنا في هذه الأرض يُكمِل ما بدأناه.
ليس شرطًا أن يصبح هذا الابن والحفيد من لحمنا ودمنا، ربّما يكفينا أن يكون شخصًا تعلّقت به قلوبنا وأحببناه كجزء منّا ومن حياتنا لا نستطيع أن نفارقه.

هل أبالغ في كتابتي؟

ربّما ولكن هذا ما أشعر به على أيّ حال، وهذا ما أحبّ أن أنقله لمن يرغب في قراءة هذه السّطور، من يرغب في عدم العيش وحيدًا بأنانيّة ويحرم نفسه من التّعلّم ـ بدون غرورـ من الأصغر واحترام لخبرة الأكبر.
ظللت لفترة طويلة جدًّا أعاني من شعوري بمرور العمر سريعًا، وأنا ما زلت صغيرة ولم أستطع فعل الكثير، وهناك الكثير من الفرص الّتي لم أسع لنيلها بجهد، أبكي على أطلال الفرص المسروقة من الدّولة المهلهلة الّتي تقتل الحياة فينا، ولكنّي أدركت الآن أن عمري يُحسَب فقط عندما أمنحه لغيري وأساعدهم بكل جهدي لخلق فرصهم بأيديهم، لا انتظار المَنّ والفضل من أحد، فأشعر بطاقة الشّباب المتجدّدة، وفضول الأطفال المستمرّ، طوال عملي مع الجيل القادم، وأسعد بسنوات عمري الّتي تمرّ في وجودهم، أمّا عن حياتي الّتي أقضيها بعيدًا عنهم غارقة في التّفكير في شأني ـ وحدي أنا وجيلي أو المتقاربين منّي في العمر ـ فأشعر بالوحدة والفشل والعَجز الّذي يتسلّل شيئًا فشيئًا لروحي، فلا أستطيع أن أجد رادعًا له سوى الموسيقى والرّقص والحركة الدّائمة لإثبات قوّتي ضدّه، ولكن طوال فترة محاربتي لهذا الشّعور يبقى السّؤال الأهمّ حاضرًا في ذهني طوال الوقت وأطرحه عليّ دائمًا عند مشاهدة كل حلقة:
هل تعتقدين أنّك تستطيعين الرّقص؟
لا، ولكنّي سأتعلّم يومًا ما.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك