حُمَّى الِاخْتَصَارِ فِي الْمُتُونِ التَّعْلِيمِيَّةِ – الجزء الثامن- الفقه الإسلامي

14 مايو , 2017

وَفْقًا لِمَا تقرر في الجزء السابق من اختلاف النموذج المعرفي الإسلامي، ونظرته للعالم ولخالق العالَم عن كلِّ تصوُّرٍ آخر، حتى صارتِ الرحمةُ عندَه قيمةً خاصةً جدًّا، لا تعني ذلك المفهوم الذي يفهمه الأجنبي، فإن قيمةَ الرحمةِ لا تَعني ألبَتَّةَ ” The value of compassion” ولا تعني ” mercy” فهذه كلمات مختلفة لَفْظًا ومعنًى، بل هي حضارات متباينة هُوِيَّةً ونموذجًا معرفيًّا ودينًا وخلُقًا وتربيةً.

وبهذه العين يمكن أن نَقْرَأَ نصوصَ الفقهاءِ في أحكام العبيد والإماء حينما عَبَّروا عن مرادِ الله تعالى، هذه هي النصوص التي يُرادُ لأبنائِنَا ألا يَرَوْهَا، بدعوى ظَاهِرُها التخفيفُ، وباطِنُها التَّجْهِيل، وحقيقَتُها التَّدْجِينُ والتَّغْريب، قال السادة الفقهاء عليهم الرُّضْوان:[1]

  • يَلْزَمُ السَّيِّدَ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ قَدْر كِفَايَتِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَوْ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ وَلَوْ كَانَ رَقِيقُهُ آبِقًا أيْ: هاربًا منه أَوْ نَشَزَتْ الْأَمَةُ أي: خرجَتْ عن طاعَتِه أَوْ عَمِيَ العَبْدُ أَوْ زَمِنَ العَبْدُ أي كما لو صار طريحًا لِمَقْعَدِه أو فِرَاشِه أَوْ مَرِضَ أَوْ انْقَطَعَ كَسْبُهُ، وذلك لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: “لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ لَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ” رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.

 

  • وَإِنْ مَاتُوا فَعَلَيْهِ تَكْفِينُهُمْ وَتَجْهِيزُهُمْ وَدَفْنُهُمْ كَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ حَالَ الْحَيَاةِ.

 

  • وَيُسَنُّ لِسَيِّدِ الرَّقِيقِ أَنْ يُلْبِسَهُ مِمَّا يَلْبَسُ، ولا يجب عليه ذلك.

 

  • وَيُسَنُّ لِسَيِّدِ الرَّقِيقِ أَنْ يُطْعِمَهُ مِمَّا يَطْعَمُ، فَإِنْ وَلِيَهُ أَيْ وَلِيَ الرَّقِيقُ الطَّعَامَ فَإنَّ سَيِّدَهُ يُجْلِسُهُ يَأْكُلُ مَعَهُ أَوْ يُطْعِمُهُ مِنْهُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: “إذَا وَلَّى أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ طَعَامَهُ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ فَلْيَدْعُهُ وَلْيُجْلِسْهُ مَعَهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُرَوِّغْ لَهُ اللُّقْمَةَ وَاللُّقْمَتَيْنِ” رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمَعْنَى التَّرْوِيغِ غَمْسُهَا فِي الْمَرَقِ وَالدَّسَمِ وَرَفْعُهَا إلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْحَاضِرَ تَتُوقُ نَفْسُهُ إلَى ذَلِكَ.

 

  • وَلَا يَأْكُلُ الرَّقِيقُ بِلَا إذْنِ السَّيِّدِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِافْتِيَاتِ عَلَيْهِ، أي: التعدي على حقه، لَكِنْ إنْ مَنَعَ السيدُ عبدَه أو أمته مَا وَجَبَ لَلعبد أو الأمة فَلَلرقيق أَخْذُ قَدْرِهِ بِالْمَعْرُوفِ كَمَا هي الحال فِي حكم الزَّوْجَةِ وَالْقَرِيبِ الذي يجب النفقة عليه.

 

  • وَيَلْزَمُ السَّيِّدَ تَزْوِيجُهُمْ أَيْ الْأَرِقَّاءِ إذَا طَلَبُوهُ كَالنَّفَقَةِ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: “وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ”[2] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَلِأَنَّهُ يَخَافُ مِنْ تَرْكِ إعْفَافِهِ الْوُقُوعَ فِي الْمَحْظُورِ، انظر كيف يُعلِّم الفقهُ التَّفْكير!

 

  • وَلَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ الْعَبْدِ إلَّا بِاخْتِيَارِهِ إذَا كَانَ كَبِيرًا إلَّا أَمَةً يَسْتَمْتِعُ بِهَا سيدُها وَلَوْ مُكَاتَبَةً بِشَرْطِ وَطْئِهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَضَاءُ الْحَاجَةِ وَإِزَالَةُ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ، وهو مقضيٌّ بالسيد فلا حاجةَ للتزويج، وَإِنْ شَاءَ زَوَّجَهَا إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَبَى السَّيِّدُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ تَزْوِيجِهِمْ أُجْبَرَ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ.

 

موضوع الفقه وطَرَف من فوائد دراسته

صحيح أن الفقه الإسلامي عِلْمٌ مخصوص يقوم بدراسة موضوعٍ مخصوصٍ هو فِعْلُ الْمُكَلَّف، فيحكم على فعل الْمُكَلَّف هذا سواء كان هذا الفِعْلُ صلاةً أو رِشْوَةً أو صيامًا أو سَرِقَةً، بأحد الأحكام التكليفية كالوجوب والندب والإباحة والكراهة والحرمة أو الأحكام الوضعية كالسَّبَب والشرطِ والمانعِ والرخصة أو العزيمة والصحة أو البطلان، لكن الفقه من جهة أخرى في أثناء تعليمه حكمِ الْمُكَلَّف يتناول قضايَا فكرية وقِيَمًا تربويةً وسياقات اجتماعية وتصورات عقلية كلَّها مهمة لحياة الإنسان المسلم الْمُكَلَّف على درجة الأهمية نفسِها التي فيها معرفة الحرام والحلال.

والمراد عند المختصر للمقررات التعليمية الفقهية –مع سوء الظن به- أن يعزل المجتمع عن تلكم القيم إلا ما كان خادمًا لمصالح اللجان المختصِرة، ومن يُشرفُ ويختارُ اللجان المختصِرة، ومع حُسن الظن يكون المرادُ التخفُّفَ والتخفيفَ، ولكن من أي شيء يكون التخفُّفُ والتخفيفُ؟! من عقول الأجْدَاد؟! وتراث الأجداد؟! وأحكام الديانة؟! ومعاني القرآن والسنة؟!

فهذه الأحكام تُرَبِّي خُلُقًا وفكرًا، وتطبيقات عملية محسوبة عن الرحمة، فلا هي خِطَابٌ وَعْظِيٌّ منبريٌّ معاصِر –والعياذُ بالله- يدعو إلى الرحمةِ بإطلاقٍ، حتى يوجبَ على السيد أن يعتق عبده، أو يوجبَ عليه المساواة بين عبيده، في الملبس والمسكن وغيرِ ذلك، ولا هو خطاب عُنْصُرِيٌّ عِرْقِي يحتقر العَبِيد ويَسْلُبُهم كلَّ حقٍّ ويدعو إلى ظُلْمهم وتحمليهم فوق طاقتهم، بل هو مراد الله، الله الذي هو الحق، أي: الحقُّ المطلق، وليس دعوى حزبية ولا لواءً سياسيًّا ولا حركةً شيوعيةً ولا ميثاقًا عالَميًّا ولا دعوةً وعْظِيَّة، ولا قيمةً تربويةً مطلقةً معبودةً من دون الله تعالى؛ لأن الفقيه مُتَحَرٍّ لحكم الله، لا مُشَرِّعٌ للأحكام مع الله سبحانه وتعالى.

 

[1]  راجع ما شئت من كتب الفقهاء، ولقد تصرفت في عبارة البُهوتي في كشاف القناع في باب النفقات، طبعة وزارة العدل السعودية وهي أفضل طبعاته قطعًا، ج13، ص168 وما بعدها.

[2] من سورة النور آية 32.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك