العقبة بين أحلام النجاح ونجاح الأحلام

16 مارس , 2016

كانت لي زميلة أيام الدراسة الجامعية محبة للترجمة كل الحب، وغاية أمانيها أن تعمل كمترجمة بعد التخرج ، ومن عجب أنها – مع ذلك – كانت صاحبة تقديرات ضعيفة في مادة الترجمة على مدار سنين الدراسة الأربع، عندما التقيتها قريبًا، وجدتها لا زالت مقيمة على أمنيتها تلك، وقد طرقت أبواب مكاتب الترجمة، غير أنها أوصدت كلها دونها، ولم تحظى – حتى لقائي الأخير بها – بأي بشارة تُطمئنها أنها على الطريق الصحيح لتحقيق حلمها.

كنت قد سألت زميلتي تلك أيام الدراسة عما يجعلها متمسكة بالترجمة على ضعف تقديرها وتحصيلها فيها، فكانت تُجيب بأنها تود أن تساهم في نشر الدعوة وتبليغ الرسالة باللغة الأجنبية التي تدرسها، وخير سبيل لذلك هو الترجمة، أكبرت في زميلتي طموحها ونيتها الحسنة، لكنني لما أتبعتها بالسؤال الفصل في تحقيق أي حلم، خبت لدي جذوة ذلك الإكبار، وشعرت في قرارة نفسي أنها كمن يبغي بلوغ الثريا بقشة!

فقد سألتها: ” فما هي خطتك إذًا لتحقيق تلك الغاية التي تبدأ بتحسين تقديرك في هذه المادة؟” هزت كتفيها، وابتسمت قائلة: “لقد عقدت النية إن شاء الله والتوفيق من الله تعالى!”.

فما كان مني إلا أن أثنيت على “نيتها” الحسنة خيرًا، وشددت على حسن الثقة بالله، لكن مع إشارة إلى أنه لابد من “فعل” فعلي للوصول لمستوى مترجمة يعتد بها.

في كتابه القيم “جدد حياتك” يقول الشيخ محمد الغزالي:

“إن المجد والنجاح والإنتاج تظل أحلامًا لذيذة في نفوس أصحابها، ولا تتحول لحقائق حية إلا إذا نفخ فيها العاملون من روحهم، ووصولوها بما في الدنيا من حس وحركة”.

وفي ذلك القول كل الصحة، فليس منا إلا وله في دنيا الأحلام صولات وجولات، ولكن تظل أرض الواقع هي المحك والفيصل بين الخيالات الجامحة، والإنجازات الفعلية، ويظل الحالمون كثرة، والمنجزون قلة.

والحد الفاصل بين الفريقين ليس في الأحلام ذاتها، ولكن فيما يتخذ من خطوات لتحقيقها، فالأحلام جسد هلامي، والخطوات هي الروح التي تبث في هذا الجسد، فكما أن الجسد يهمد بلا روح، كذلك تهمد الأحلام بلا أفعال، وتظل هائمة في رؤوس أصحابها، يزداد حنينهم وشوقهم إليها، ويزداد معه إحباطهم وسخطهم على الواقع إذ حال بينهم وبينها.

والفشل في تحويل الأحلام لأفعال ليس جهلًا بحقيقة أن الأحلام وحدها لا تصنع شيئًا، بل هو في الأغلب تكاسل عن اتخاذ الخطوة الأولى، فالكثير قد يخطط لتحقيق أحلامه، لكنه يقف عند تلك المرحلة، فلا يعدو إلا أن يكون قد حول حلمه إلى كلام على ورق، والكلام لن يغني عن الأفعال شيئًا، وسبب استثقال الخطوة الأولى يعود في الأغلب لاستصغارها، كلنا يسمع عن الإختراعات العظيمة والإنجازات الجليلة التي خدمت البشرية، وكلنا له حلم أو حلمان واسعا المدى، وكلنا يؤخذ بعظمة تلك، وسعة هذه، فيفوته القول الحكيم: “إن الصغيرات تتراكم”، وكذلك “معظم النار من مستصغر الشرر”.

ألم نسمع أو نقرأ قول المصطفى عليه الصلاة والسلام: “إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على المرء حتى يهلكنه”؟ هذا تقرير لحقيقة أن الكبير ليس إلا صغيرًا متراكمًا، والخطوة الأولى – على صغرها – تستتبع ثانية وثالثة ورابعة، كما أن المواضبة على قدر من الإنجاز – وإن قل – والاستمرار عليه، هو المفتاح لتحقيق أي شيء على الإطلاق، لذلك قال أرسطو “النجاح عادة، وليس خيارًا مؤقتًا”، ولذلك علمنا الحبيب المصطفى، عليه الصلاة والسلام أن “أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل”.

ويظل القانون الإلهي الخالد: من يعمل يره ومن لا يعمل فلا يلومن إلا نفسه.

والله ولي التوفيق .



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك