رحلة الموت

21 سبتمبر , 2014

[[{“type”:”media”,”view_mode”:”media_large”,”fid”:”1636″,”attributes”:{“alt”:””,”class”:”media-image”,”height”:”260″,”typeof”:”foaf:Image”,”width”:”480″}}]]

كان طالب شغوف، أحب الدراسة جداً، أراد أن يكون مهندس معلوماتية ذو شأن في مجتمعنا. وفي المستوى العالمي، كأمثال: (شركة مايكروسوفت وشركة أي بي أم وسامسونغ)، ولكن حلمه لم يتحقق.
بدأت القصة عندما تعرفت إليه في الصف الخامس، كبرنا معاً إلا أن وصلنا المرحلة الثانوية، وعند فحص الثانوي أُصيب بمرض مفاجئ، مما أدى إلى أن ينجح في اختبار الثانوي لكن بمجموع لم يتيح له دخول كلية هندسة المعلوماتية في الجامعات الحكومية.
لكنه حلمه كان يكبر في قلبه، فرغم وضعه المادي البسيط، ضغط على نفسه وقام بتسجيل في كلية هندسة المعلوماتية في جامعة خاصة.
وبدأ بالدراسة وكانت معدلاته رهيبة في جميع مواده، ففي السنة الجامعية الأولى حاز على المرتبة الأولى على دفعته.
وفي السنة الثانية كانت قد بدأت الحرب في بلدنا، واشتدت المعارك في منطقته، فهرب هو وعائلته إلى تركيا دون النظر إلا لسلامة الحياة.
وهنا بدأت الأمور لديه بالتأزم، حيث ذهب وطرق جميع أبواب الجامعات التركية ليكمل دراسته مثله مثل جميع الطلبة ولكن دون جدوى والسبب كان بسيط، ألا وهو أنه لا يملك كشف علامات من جامعته مترجم وموقع من وزارة الخارجية السورية كما أنه ليس لديه جواز سفر.
فبدأ الشاب بالبحث عن طريق ولكن لم يكن لديه أي طريق، وكانت النتيجة أنه وجد نفسه مسجون على الحدود السورية في الأراضي التركية وعليه فقط أن يأكل ويشرب دون أن يتقدم بتجاه مستقبله بأي خطوة.
عرف هذا الشاب أنه قد أنتهى مستقبله في هذا المكان، وعليه فقط العيش لكن من أجل ماذا هو نفسه كان يبحث عن السبب ووجد أن السبب لا شيء.
وعندما فتحت دول اللجوء السفر إلى بلادها، وجد أن الطريق الوحيد لمستقبله هو أن يبتعد عن أهله ووطنه، وذهب الشاب وطرق جميع أبواب السفارات لكن دون جدوى وكان الجواب: أننا لا نملك دائرة هجرة في السفارة ونحن نستقبل اللاجئين ونعمل على أوراقهم أثناء وصولهم أراضينا بالطرق الغير مشروعة.
وقد أقر أن يذهب ويبحث عن مستقبله حتى لو كلفه ذلك حياته، في هذه الأثناء كنت أوافقه لكن كنت أنظر أنه من الممكن أن يكون هناك طرق أخرى للعودة للوطن، وإكمال الدراسة، لكن هو كان قد فقد الأمل فقد مرة عامان، ولم نصل لطريق للعودة، وجميع أصدقائنا قد وصلوا لمرحلة التخرج.
وفعلياً قام الشاب وبدأ يبحث عن مورد للمال من أجل السفر، فعمل وقام بالتدين إلا أن جمع ذلك المبلغ الكبير.
وبعدها أقر السفر.
وعند الوداع كنت أنظر إليه كيف كان يودع أهله، كأنه يقول في نظراته لهم لن تروني مرة أخرى، أرجوا أن تنسوني فأنا لست ولدكم منذ البداية، أردت بشدة أن أعمل لوطننا ولكم ولنفسي، لكن الآن لن أعمل سوى لنفسي.
وبعد أن انتهى من وداع أهله ألتفت إلي وقام بتوديعي وهمس في أذني يراودني أحساس بالموت القريب.
وذهب الشاب في طريقه مع المهرب إلى مقاطعة إزمير التركية ليهرب عبر البحر إلى إحدى الجزر اليونانية.
وكان الأتفاق أن يقوم المهرب بتهريبه بقارب خشبي، والمفاجأة أنه وجد نفسه الشاب بين ما يقارب الخمس وعشرون شخصاً في قارب مطاطي في وسط البحر، وهناك غرق القارب ووجد الشاب وأصدقائه حتفهم.
اليوم غرامة الشاب الذي يحلم بمستقبل جميل له ولعائلته ولوطنه هو الموت.
لم يكن يحلم الشاب في أي شيء سوى أن يكوَن مستقبل وشركة وأشياء من جميع البشر أن يحققوها، لكن الحلم في هذا الوقت أصبح ممنوعاً وقد يكلف الشخص حياته، علينا الآن أن نعيش فقط دون أن نعمل لغد، علينا العمل لليوم وأن نعيش اليوم، ننتظر الغد إما أحياء أو أموات.
تكونت لدي أفكار بعد وفاة صديقي، أنه جميعنا جبناء، لأننا ننبي الحلم وننتظره من تلقاء نفسه أن يتحقق، لم نتعب أنفسنا أبداً لكي نذهب خلفه ونحقق لو جزء منه.
وجدت في نهاية المطاف أن صديقي رغم غرقه لكنه لم يغرق في ماء البحار، بل غرق في أحلامه التي كان يبنيها وهناك وجد نفسه ولم يريد العودة.
طالب جامعي
جامعية إيبلا الخاصة
قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية
رحلة الموت.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك