الاكتظاظ، الأزمة الخانقة

10 مارس , 2015

المشاكل التي يعاني منها القطاع التربوي العمومي اليوم في مجتمعاتنا و دولنا لا تعد ولا تحصى، وبسببها تدهور المستوى، وخسرنا مكانتنا العلمية و ريادتنا الثقافية.

نحن نعاني من أنظمة تربوية وتعليمية لم تنجح في توفير الجو المناسب للتلاميذ، لقد خلقت العراقيل أمامهم و هذا ما أدى إلى ما نراه اليوم من تسرب مدرسي، انهيار للمستوى، خطر على مستقبل الدول لأنه لا يوجد من يستطيع رفع شعلة التقدم وغيرها من الظواهر التي قد تعد عادية جدًا إذا ما قمنا بمقارنتها بالجو المتوفر.

إن من أهم العوامل التي أدت إلى ما نعاني منه، ويعاني منه أبناؤنا و بناتنا هو الاكتظاظ المدرسي، فلا عجب أن ترى اليوم قسمًا يتكون من أربعين تلميذًا. الحقيقة، في بلدي، لا أتذكر قسمًا درست فيه إلا وكان عدد تلاميذه أكبر من خمس وثلاثين، وكأنه كتب علي وعلى غيري أن نعيش على أعصابنا، ندرس على أعصابنا، ونتخرج على أعصابنا. لقد تحدثت من قبل عن مشكلة الاكتظاظ لكن أعتقد كان يجب أن أولي هذه الناحية مزيدًا من الاهتمام، وهذا ما أنا بصدد فعله في هذا المقال.

إن الاكتظاظ بطبيعة الحال ناجم عن الزيادة السكانية الكبيرة التي نجم عنها بدورها ما يسميه البعض نقصًا في المؤسسات التعليمية. بالنسبة إلي، الأمر لا يتعدى كونه نتائج لسياسة غير حكيمة من طرف الجهات المسؤولة، فالانفجار السكاني معروف وما يسببه معروف أيضًا والقول بأنه سبب في الاكتظاظ هو ضحك على ذقون التلاميذ مع كل احترامي.

في الدول التي تحترم العلم وتقدسه، الميزانية المخصصة للقطاع التربوي تحتل عادة المركز الثاني أو الثالث، قد تسبقها ميزانية لقطاعات سيادية وحيوية لكن الاهتمام الذي تقدمه الدولة لهذا القطاع يكون دائمًا أكبر من الاهتمام الذي توليه بقطاعات أخرى، الأمر ليس بمحض الصدفة و إنما لإدراك المسؤولين في تلك البلدان أن الاستثمار في الأجيال القادمة أهم بكثير من الاستثمار في السلاح، الحروب، أو السياسة.

الأمر نفسه يجب أن يحدث في دولنا، المسؤولون يجب أن يولوا اهتمامًا أكبر بالقطاع التعليمي، لا فائدة من شراء الطائرات مادمنا لن نملك من يقودها، لا فائدة من شراء الغواصات مادمنا لا نملك من يستطيع صيانتها يومًا ما، لا فائدة من اللعب على وتر السياسة وتلاميذنا يعانون من تهميش يطال القطاع الذي يهمهم. حل الاكتظاظ سهل، إنه يكمن في زيادة الميزانية المخصصة للقطاع التربوي، لا يهم إن قمنا بانقاص الزائد من ميزانية قطاعات أخرى لأنه، ومن وجهة نظري، أهم قطاع لكي نعيد بناء دولنا هو التعليمي، قبل المرور إلا قطاعات أخرى، نحن بحاجة لكفاءات وهذه الكفاءات لا يستطيع اعطاءنا إياها إلا التعليم.

الاكتظاظ يمنع الطالب من الحوار مع أستاذه، يمنعه من طرح تساؤلاته و إيجاد أجوبة لها، يمنع المعلم حتى من خوض نقاش فعال ومفيد مع تلاميذه لأن النقاش سيتحول، بقدرة قادر، إلى فوضى وصراخ. القسم الذي يتسع لعشرين تلميذ، ونحن نضع فيه أربعين تلميذًا، نحن هنا وكأننا نقول للتلاميذ: “لا فائدة من الدراسة”. قبل أن تطالبني بالنتائج، وفر لي المتطلبات أيها النظام التعليمي. إن الاكتظاظ يمنعني كتلميذ من إبداء رأيي و نقاش زملائي، يمنعني من الاحساس بالراحة داخل القسم، يمنعني من مشاركة أفكاري ولهذا لا تنتظروا من هذا الجيل شيئًا مادمنا نحطمه بشتى الطرق.

إن الحل الوحيد هو بناء مؤسسات جديدة، لا يهمني التكلفة كما أوضحت أعلاه و إنما تهمني النتيجة، الجهات المعنية مسؤولة عن فعل هذا الأمر، لا يهم كم سندفع لأننا نستثمر ولسنا بصدد الدفع أو الشراء، نحن نستثمر في المستقبل، مستقبل الأمة و الأوطان! لهذا،

معًا لإنهاء الاكتظاظ في الأقسام الدراسية.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك