الربيع العربي في الجامعة الأردنية

24 ديسمبر , 2011

 

منذ بداية هذا العام أخذت على نفسي عاتق الوقوف مع المظلوم في كلّ حدبِ وصوب على وجه البسيطة، بعدما رأيته من استقتال لدفن القيمة المطلقة "الحرية"، بل وتسميتها بأي مسمى ديني أو سياسي يحيدها عن معناها الحقيقي، فعندما انتفضت تونس…كنتُ أراقب عن كثب…في ثورة مصر دخلتُ الساحة بوجل…في ليبيا كان الوتر الحساس لديّ…في اليمن "ثورة الحكمة" كنت أفكّر كثيراً وأتابع وانشر…في سوريّا وقفت ويكأنني سوريّة…في المظاهرات والاعتصامات ومتابعة الأخبار. أثق أنّ الحرية قيمة مطلقة، والحدود لا تعني شيئاً أمامها، وهي رزق لا تأتي بميعاد بل تأتي لمن يعمل لها فقط !
 
في يوم الخميس الموافق 22/12/2011 وفي نهاية هذا العام المليء بالأصوات الهاتفة بالحرية، وأصوات "البلطجيّة" و "المنحبّكجية" على اختلاف الروايات في البلدان المنتفضة…تجري انتخابات طلبة الجامعة الأردنية ما يقارب من 26 ألف طالب وطالبة يحق لهم الانتخاب -حسب كشوفات الانتخابات الرسمية من الجامعة- انطلقوا يصوّتون في كليّات الجامعة المختلفة منذ الساعة التاسعة صباحاً.
 
منذ بداية الحملات الإنتخابية قررت أن أتنقّل في أرجاء الجامعة كاملة يوم الانتخابات…أريد أن أعرف ما حال الطلبة بعد هذا الانتقال الهائل في طريقة التفكير على مستوى العالم؟ كيف سيؤثّر الربيع العربي على تفكير الطلبة؟ بأيّ حال سيستقبلون ما يسمّى "بالاختبار الديمقراطي" إن صحّ التعبير؟
 
بدأت الرحلة من كليّة تكنولوجيا المعلومات – كليّتي – وجدت جموع هائلة على أبواب غرف الإقتراع المختلفة، الجميع يتحدّث مع الجميع، ألقيت السلام على الكثيرين، ولم أكن أنتبه على "الباجة التي يحملها الشخص" والتي تعبّر عن الشخص أو التوجّه الذي يدعمه، وكنتُ سعيدةً جداً بأنني أحمل باجة "صحافة". تحدّثت مع المرشّحين على اختلاف أطيافهم، حاورتهم وسألتهم عن خططهم، لا يوجد أحد منهم يريد أن يخوض هذه التجربة لمحض التسلية، مع أنّ التباين في قوّة الاجابات واضح جداً، أحدهم يقول : "رسالتي تتعدى مقعد اتحاد…ولكنّه وسيلة ولا بد أن أحاول الحصول عليها" والطرف المقابل يقول: "الشباب مظلومين في القسم صرلهم كم سنة.. لأنو اللي ماسك الإتحاد بنت! "  إحدى الدعايات الانتخابات الملفتة للانتباه: توزيع ورد مكتوب عليه اسم المرشّح  – ولكم أن تقدّروا تأثير ذلك على الجنس الأنثوي

 
عندما غامرت للدخول للقاعة لأمارس حقي الانتخابي أوقفني أحد مؤازري مرشح على قسم CIS فقال لي :"شو رأيك تصوتي بروح رياضية؟" أجبته :"كيف يعني؟"
فقال : "الروح الرياضية …يعني انو انتي داعمة لفلانة…وتصوتي للي نازل ضدها ! "..
ضحكت كثيراً وأجبته : "هذا ما يُدعى استهبال مش روح رياضية…الروح الرياضية أن أصوّت لمن أقتنع به…ولا أجعل ذلك يحول بيني وبين التواصل أو احترام المنافس ! ".
 
انتقلت الى كلية العلوم بأقسامها المختلفة، وجدتُ حراكاً قويّاً …"كيميا؟" "بيو والا تحاليل؟" حتى إذا رفعت باجة "الصحافة" لأعلن أنني لستُ من الأشخاص الذين تريدونهم ..
قال لي :"ما بتعرفي حد تحاليل؟" "ما بتعرفي حد اقتصاد؟"
الإصرار على الفكرة عجيب !
 
تذكّرت كلاماً سمعته بلقاء للأستاذ "وضّاح خنفر" في الجامعة قال فيه : "أنتَ في هذا الحرم الجامعي قادر على حمل فكرة حتى بدون مبرر، وقادر على الايمان بها، والتضحية لأجلها حتى بدون مقابل! استغل ذلك كثيراً " ..هذا حقيقة ما يجري خارج سور الجامعة، ولكن بقالب أوسع ولربما أكثر نضوجاً في بعض الأحيان، السؤال الذي آمل أن أجد له جواباً: من أين يأتي هذا الايمان؟ من أين تأتي تلك القوّة للبذل والتضحية والاستعداد للضرب ونزف الدماء – كما شهدتُ عياناً من استخدام العصي في قسم الفيزياء- مع هؤلاء الشباب؟
 
لفت نظري شاب على ما يبدو أنه مرشّح كنتُ أسير بجانبه حين خروجي من قسم الكيمياء يقول: "والله مش هاممني اشي…هاممني ال1000 دينار اللي صرفتهم…ولك رسومي 500 دينار يا دوب دفعتهم…وبالآخر أخسر المقعد وأخسر ال1000 دينار ؟!" لربما تكون هذه قوّة داعمة للفكرة…لستُ أدري !
 
نسبة التصويت في كليات العلوم كانت عالية جداً وخلال 3 ساعات فقط من بدء العملية الانتخابية، الوعي كان واضح"أنا عارف لمين بدي أصوّت ..ما تحاول تقنعني!" – طالبة تخاطب لجنة مؤازرة مرشّح.
 
انتقلت الى كليّة الزراعة، والتقيت بالكثيرين، وقمت بعمل الكثير من المقابلاتكنتُ أظن انّ الهدوء سيكون سيد الموقف هناك، لا دراية لي بحراك قوي في كلية الزراعة، ولكنني رأيت العكس تماماً !الاقبال الكثيف على التصويت والاقناع والاقتراع كان كثيفاً، لا يوجد "مغز ابره" ما فيه اعلان !
 
سألت أحد الطلاب الذي يرتدي "الحطّة الفلسطينية" عن سير العلملية الانتخابية فأجابني: "هذا أجمل عرس ديمقراطي، الانتخابات لا تؤثّرعلى علاقات المنافسين أبداً، والله يخليلنا الأردن والملك!" أستطيع أن أؤكد أن هذا ما يحصل في المحافل الوطنية في الاردن !
 

 
انتقلت الى غرفة الإعلاميين في عمادة شؤون الطلبة، وجدتهم يتناقلون الأخبار، ويتفقون على نفس المصطلحات التي تعبر عن سير العملية الانتخابية بيسر وسهولة وديموقراطية عالية جداً،
حتى إذاعة الجامعة الاردنية كانت تبث في كل مكان في الجامعة، حقيقة المستمع إليها سيبقى يحلفُ أيماناً أن الجامعة تشهد أروع عرس ديمقراطي! بنفس اللحظة تلقّيتُ اتصالاً هاتفياً من صديقتي في قسم اللغة العربية…تخربني عن "ضرب للفتيات" وإغلاق لمداخل الكليّة أمام المصوتين من قبل بعض "الزعران" الذين "يدينون بعائلة المرشّح" -على حد تعبير أحدهم
ثم تكسير لزجاج المبنى وعمل حفلة كبيرة جداً …إثر اسقاط "فلكس" أحد المرشحين!
 
لا أدري لماذا تذكرتُ مباشرةً ابتهاج الثوار الليبيين عندما قاموا باسقاط تمثال الكتاب الأخضر أو إهانة صورة القذافي !سيارات الاسعاف كانت تمر من أمام مبنى العمادة…والأصوات واضحة جداً…وأجدهم يطلقون التصريحات أنّ العملية تسير بهدوء وبدون أي اصابات !
 
قليل من الوقت انتقلت الى الكليات الطبية، ابتداءا من كلية التمريض التي شهدت حفلات ودبكات عجيبة خلف الكلية، ويرفعون شعارات ترتبط بمناطق في الاردن !
 
الى كليّة الطب…وفي مجتمع علمي بحت…الحراك الانتخابي كان كثيف…وطالبة تنزل الانتخابات لأول مرة…سألت إحدى طالبات المؤازرة فقالت لي: " لازم تنزل بنت…ليش هو ما في دكتورات؟؟ وبعدين الإتجاه على راسهم ريشة ينزلوا شباب ونحنا لأ !" ضحكتُ أيضاً…ودعوتُ لهم بالتوفيق !
 
الى كلية طب الأسنان وكان الوضع هادئ جداً ونسبة الاقتراع عالية…ثم الى كليّة التأهيل…والزفّة في داخل الكلية وفي بهوها كانت عجيبة، وبأغاني عجيبة تتغنّى بفتيات الأردن على اختلاف المنطقة "من الكرك أو عجلون أو السلط …الخ" وبالفن الذي يتقنّه هؤلاء الفتيات ! ولا أدري ما الصلحة العجيبة بين فن صب القهوة أو الخياطة عند الفتيات بانتخابات مجلس طلبة الجامعة !
 
بالقرب من قاعة اقتراع كلية طب الأسنان
التقيتُ هناك بصديقة لي من قسم اللغة العربية…فسألتها مستغربةً عن سبب تواجدها في جنوب الجامعة مع أن كليتها في شمالهافأجابتني: "شو بدي أروح أسوي؟ أغلق الاقتراع في الكلية!" صدمت بدرجة كبيرة جداً، عندما أخبرتني عن الوضع المزري في الكلية وكيف تم اغلاق التصويت والاعتداء على الفتيات والأغاني البذيئة التي عُليَ الصوت بها هناك !
 
وإذاعة الجامعة لا تزال تبث الأغاني الوطنية واتصالات رؤساء الاقسام التي تصف وضع الكليات في أثناء عملية الاقتراع وكيف أنّها تجري بكل سلاسة أيضا!
 
حاولت الاتصال تكراراً بمكتب الإعلاميين في العمادة لأخبرهم عن هذا الخبر…ولكن "لم يسمع مني أحد! توجّهتث مباشرةً الى المكتب…فوجدتُ الدكتور عادل الطويسي في زيارة للإعلاميين هناك…والجميع اصطف لمقابلة الرئيس…فوقفتُ لأصور المقابلة …وأصغي جيداً الى ما يقوله الرئيس.. وكانت تصريحاته عجيبة أيضاً !
 
 
أغلقت الكليات، وأعلن انتهاء عملية التصويت وبدء عملية الفرز، مع ضجّة في كلية الهندسة وتكسير لقسم الهندسة المدنية هناك، بل وانسحاب أحد المرشحين قبل انتهاء التصويت بوقت قصير جداً …أغاني وهتافات في كليّة العلوم وتكنولوجيا المعلوماتإطلاق نار وحفلات بين كليّة الآداب والأعمال…تكسير وإطلاق نار في كلية التربية ايضا!
 
هذا والجميع بانتظار المؤتمر الصحفي لإعلان نتائج الإنتخابات، كان الصحفيين قد جهّزوا عبارات "الديمقراطية..سهولة العملية الانتخابية"..كما نقل أحد الطلاب من غرفة الاعلاميين !
 
مهنة الصحافة مهنة جميلة جداً ..لكن ما جعلني استغرب أنني أحاول تحرّي الصدق والصراحة في حواري مع الطلبة والمسؤولين...فأجد الطلاب يقولون شيء، وما إن أدير وجهي حتى يقول أحدهم لصديقه…" كذّبت منيح ؟!" أو " كيف بيّنت قدام الصحفية؟ أوعك تكون عكّيت !"


الفجوة واضحة بين ما يظهر على وسائل الاعلام المختلفة وبين ما يكون حقيقة على الأرض، بإرادة الصحفي أو بعكس إرادته؟ّ أي وجه ذلك الذي يرتديه الناس أمام كلمة "صحافة" مع أن الكثير منهم يعرفني كطالبة لا كصحفيّة ومع ذلك أجد اللهجة مختلفة أمام تلك "الباجة  !
 
لا أستطيع أن أحمّل الصحافة مسؤولية ضعف الوعي الذي شهدته في الجامعة بالأمس…تكسير المباني ورفع الشعارات العنصرية في الكليات ينمّ عن قصور في الرؤية لدى الكثيرين، لو كان حملة الشعارات العنصرية يعرفون "الأردن" وتاريخها حقيقة، أو يعرفون "فلسطين" وتاريخها حقيقة، لما رُفعت هذه الشعارات بهذه الطريقة !التاريخ صنع لدي من اليقين من يكفي أن الاعتراف بالحدود بين هذين البلدين تحديداً غباء مجتمعي مستفحل ! لعمق الرابط التاريخي بينهما !
 
فكرة العشائرية جعلتني أوقن أنّها ساذجة وغير قادرة على حمل قواعد رسالة سامية! – هناك فرق طبعاً بين العشائر والعشائرية- أن أختار فلان ليمثّلني لأنني أعرف أنّه "يصلّي" فقط...هو غباء أيضاً…لأنّ هذه صلة بينه وبين ربّه وليست صلة بيني وبينه !أن يترشّح أحدهم لطابع "ذكر وانثى" هذه سذاجة غير مبررة أيضاً ! يمكن فكرة العشائرية مبررة وان كان تبريرها غير مقنع…بس حتى ذكر وأنثى !!
 
الشباب يستطيع خلق إيمان بشيء من لا شيء… ربما هذا غرس ربّاني في الروح الشبابية… فما بالنا إذا استطاع أن يحمل فكرة أو آيدلوجيا معيّنة…كيف سيكون حاله؟! لا يمكن أن أستغرب مما رأيته في الكليات الانسانية بالأمس من دخول لملثّمين وأشكال "يستحيل أن تكون طلاب" بعد أن رأيت بلاطجة " دوار الداخلية " أيضاً !

من السهل أن أستوعب ما فعلته "اذاعة الجامعة" والعرس الديمقراطي الذي كانت تبثّه…بعد مافعلته "قناة الدنيا" في تغطيتها للثورة في سوريا، مع نزف الدماء المهول هناك!
 
الجامعة.. وجه عملةِ مصغّر لما يجري في المجتمع …ولا يمكن لسور الحرم الجامعي أن يفصل حقيقة بين ما يجري في داخل الجامعة وخارجها...الشباب بحاجة لبذل جهد كثيف لاستيعابهم واستيعاب أفكارهم أو حتى توجيهها… وليس تقديم الخدمات الأكاديمية او البنى التحتية في الجامعة !
 
أبارك لمن نجح في الإنتخابات…وأبارك لمن يستطيع أن يستكمل رسالته بمقعد الاتحاد أو من غيره… وأعد "التائهين" أن هناك تياراً لا بد أن يصل لهم! وأعد "قيادات الإفساد" أن تيار الحريّة ليس ببعيد عنا…سنكون يا أيتها الجامعة وستكونين



طالبة سنة ثالثة
تكنولوجيا معلومات



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 3 تعليقات

Arwa al tal
Arwa al tal منذ 7 سنوات

الطالبة والصحفية الرائعة صفاء زغول
هذا المقال بالفعل من اجمل المقالات التي قراتها في صوت الطلبة متميز جدا يضعك بالصورة بقالب إنساني عذب ، وربما يعيدنا نحن خريجي الجامعة الأردنية الى ذلك الحنين للحرم الجامعي الذي عشنا فيه احداث واحداث ، وتربينا في كنفه بسبب كل ما جربناه هناك ، مجتمعنا الصغير الذي يصنع مجتمعا اكبر ، ربما لذلك هو واجب علينا جمعيا ان نرقبه بأهمية وأهتمام وان نعيد صياغة قيم الحرية فيه عله يُخرج من
اكنافه قيادات جدد تكمل المسير .

ام مرام منذ 7 سنوات

من خريجي الجامعة الاردنية الغالية انا، ومن ذلك الفوج الذي حرم حقه الانتخابي عندما عينوا نصف المجلس، ابارك لك انتخاباتكم الجميلة رغم المطبات التي تخللتها! فهي تجربة رائعة لن تحضو بمثلها فيما بعد، لذلك استمتعوا بكل ما اوتيتم من قوة..

Suoha Haneen
Suoha Haneen منذ 7 سنوات

شكرا لك حبيبتي صفاء وموضوعك رائع ومفيد حقا شكرا لك

أضف تعليقك