الرسوب في الجامعات الجزائرية… الأسباب الكامنة والحلول المقترحة

15 سبتمبر , 2018

شَهِدَتْ الجامعات الجزائرية في السنوات الأخيرة تناميَ ظاهرةِ الرسوب، وأصبحت تشكل هاجسًا كبيرًا للطلاب والحكومة الجزائرية؛ فهي تقارب وحسب ما كشف عنه تنظيم طلابي حر 70 بالمائة، وتصل حتى 90 بالمائة في التخصصات العلمية الصعبة خاصة بالنسبة للسنة الأولى بالجامعة، ويعد الرسوب من أبرز الأسباب التي غيبت الجامعات الجزائرية عن تصنيف أرقى الجامعات العالمية سواء الغربية أو العربية، وتذيلت مؤخرة الترتيب، وكانت أفضل جامعة جزائرية في المرتبة 2250 عالميًا، وفي المرتبة 13 في منطقة شمال أفريقيا، ونالت هذا الشرف جامعة باب الزوار للعلوم والتكنولوجيا، وبحسب التصنيف الصادر عن الموقع المتخصص “RANKING WEB OFUNIVERSITIES” هيمنت الجامعات المصرية على المؤسسات التعليمية لشمال أفريقيا، في صورة، جامعة القاهرة وجامعة الإسكندرية ثانيًا ثم جامعة المنصورة، فعين شمس، وتليها أسيوط، ثم بنها، فالزقازيق.

هذه النسبة المعلن عنها أحدثت جدلًا كبيرًا وأخرجت وزير التعليم العالي والبحث العلمي عن صمته، ونفى بأن تكون نسبة الرسوب في الجامعات قد بلغت 70 بالمائة، في وقت أجمع معظم الأساتذة الذين تقربت منهم شبكة زدني لمحاولة رصد نسب النجاح لسنة 2018 في الجامعات على تدني مستوى التعليم فيها، وتتنوع تَبَعَا لما قرروه الأسباب التي تقف وراء ارتفاع النسبة على الرغم من الدعم الذي تحظى به الجامعات الجزائرية والطالب، وحسب تصريحات وزير التعليم العالي والبحث العلمي، فالطالب الجامعي يكلف الخزينة العمومية 70 مليون في العام، أي ما يعادل 300 دولار في الشهر الواحد، وأكد في هذا السياق أنه لا يوجد في الوقت الراهن أي تفكير في تغيير سياسة دعم مجانية التعليم لفائدة الطلبة على الرغم من تفكير مصالحه في كيفيات تحسين هذا الدعم، موضحًا أنَّ مجانية التعليم لا تعني فقط التسجيل في الجامعات والمدارس دون أية رسوم أو حقوق مالية، بل تشمل كذلك توفير كل الشروط والخدمات الجامعية للطلبة من منحة وإطعام ونقل وإيواء وصحة.

وتساءلت شبكة زدني خلال محاولتها تسليط الضوء على هذه الظاهرة عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء تدني مستوى التعليم في الجامعات وارتفاع نسبة الرسوب؟ وأين يكمن قصور المقاربات المعتمدة للحد من الظاهرة؟ وما هي السبل الكفيلة بعلاج الرسوب المضر بسمعة النظام التعليمي في الجزائر؟

المشكلة في خمسة أسباب:

ويقول في الموضوع الطالب الجامعي والمناضل في الاتحاد الطلابي الحر، تنظيم طلابي جزائري، مصطفى . أ في تصريح لشبكة زدني إنه: “مع نهاية كل فصل دراسي جامعي جديد نجد أن موضوع الرسوب في الجامعة يتكرر في المادة الواحدة ليشكل هاجسًا كبيرًا لدى الطلاب، فإذا أردنا الاطلاع على نتائج الامتحانات في أي كلية نجد أن عددًا كبيرًا من الطلاب قد رسبوا في مادة معينة وعلى الأغلب تكون الأصعب”.

ويرى المتحدث أن هناك 5 أسباب تقف وراء ارتفاع نسبة الرسوب خاصة في السنة الأولى بالجامعي، فالوافد الجديد الذي نقصد به المتحصل على شهادة البكالوريا يواجه صعوبات كبيرة في الفهم لعدم وجود تنسيق في البرامج، وأيضًا الطالب الجامعي لا يهتم بالمحاضرات، بل يركز على الأعمال الموجهة، ويشير أيضًا إلى صعوبة التأقلم فالطالب عندما يكون في الثانوية الأستاذ هو من يقوم بكل شيء لكن في الجامعة العكس، الأستاذ يقوم بالتوجيه والطالب يقوم بالبحث، وهذا الأصل لذا سميت وزارة البحث العلمي.

ويكمن السبب الرئيس في ارتفاعه في سوء اختيار التخصص، فهذا الأمر له أهمية كبرى نظرًا لنقص التوجيه والإرشاد وكذا الاختيار العشوائي للتخصصات.

ويقترح المتحدث إعطاء فرصة للطالب لاختيار التخصص المرغوب فيه، وتوحيد المنظومة التربوية، واقترح في هذا السياق إدراج مقاييس في الثانوية تكون موجودة في الجامعة، وأيضًا القيام بدورات تكوينية في الثانويات لتعريف التلميذ بالتخصصات الموجودة بالجامعة، إضافة إلى إجبارية دراسة المحاضرات الأساسية وهذا ما أتى به قانون الألمدي الجديد لكنه لم يطبق للأسف.

ويرى إنه حان الوقت لفتح المجال أمام استخدام المكتبة الإلكترونية والأجهزة الرقْمية والاستغناء عن بعض المواد التي ليس لها معنى، ولا تتناسب مع التخصص وفتح النوادي العلمية للطلبة لإبراز مواهبه وتوظيف أساتذة عن كفاءة.

النسبة الأعلى في تاريخ الجزائر

وكشف الاتحاد العام الطلابي الحر، في بيان له، أن نسبة الرسوب في الجامعات الجزائرية ارتفعت إلى أكثر من 70 ٪ خاصة في الشُّعَب العلمية، فيما تجاوزت الـ 50 ٪ لشعب العلوم الاجتماعية والإنسانية، وهي النسبة الأعلى في تاريخ الجزائر، وحمل الاتحاد مسؤولية ارتفاعه في الجامعة الجزائرية، لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، لاعتمادها نظام الارتقاء Progress” الذي أثر بالسوء في التوجيه، الذي يتنافى في كثير من الأحيان مع الرغبات الشخصية للطالب، وحسب التقارير التي تسلمها الاتحاد العام الطلابي الحر من قبل فروعه عبر مختلف جامعات الوطن فقد تم تسجيل موسم جامعي كارثي على كل الأصعدة، بسبب الإضرابات المتتالية التي أثرت هي الأخرى بالسوء في التحصيل العلمي والبيداغوجي.

الغش وراء تنامي الرسوب

ويقول في الموضوع رضا لسود، أستاذ جامعي باحث، ومدرب معتمد من الأكاديمية العربية العالمية للتدريب والتطوير في تصريح لشبكة زدني“: أكيد هناك أسباب عديدة تقف وراء تنامي ظاهرة الرسوب الجامعي أبرزها أن معظم من يدرسون تخصصًا لا يرغب فيه، لأنه إما لا يملك معدلًا يؤهله لاختيار ما يريد أو أنه لا يعرف أصلًا ماذا يريد، وما هي التخصصات المتاحة في الجامعة.

ويضيف الأستاذ الجامعي: كذلك هناك سبب رئيس وهو النجاح بالغش، ففاقد الشيء لا يعطيه وفق منطق ميكافيلي الغاية تبرر الوسيلة فما دامت الغاية هي النجاح، فكل الوسائل والسبل لذلك مشروعة ومتاحة، وكذلك الوافد الجديد على الجامعة أي المتحصل على شهادة البكالوريا هو طالب غير مؤهل لا نفسيًا ولا علميًا للدراسة في الجامعة، فمعظم الطلبة يصطدمون بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، فالطالب في الجامعة هو من يتحمل أي خطأ يرتكبه أو أي تقصير يصدر منه عكس الثانوية فكل المسؤولية ملقاة على الآباء وهذا ما يؤثر بالسوء في مردوده الدراسي كثيرًا، خاصة إذا وجد رفقة السوء في الجامعة.

سبب آخر لا يقل أهمية عن الأسباب الأخرى _ يقول الباحث الجامعي _: لدى الكثير من الطلبة عدم وضوح، معظمهم لا يملكون أهدافًا، فالطالب الجامعي يعلم فقط أنه يدرس وهدفه الحصول على شهادة الليسانس أو الماستر ثم العمل وإذا زاد طموح الطالب الدكتوراه.

مداخل علاج الظاهرة

وللتقليص من تنامي الرسوب الجامعي، يقترح رضا لسود منع الغش أو التقليل منه، وهذا يعتبر من مسؤولية الجميع ابتداء من المحيط العائلي وصولًا إلى المؤسسات الدينية والمجتمع المدني إلى الوزارة، وأيضًا توعية الطلبة وتحسيسهم وتنويع مداركهم ابتداء من المتوسطة وترك لهم حرية اختيار الاختصاص الذي يحبونه، وهكذا يبدعون أكثر، ويقترح أيضا تكوين الأولياء و الأساتذة في مجالات التخطيط والتهديف ومعاملة المراهقين.

ويؤكد الأستاذ الجامعي في تصريح لشبكة زدني أن: “النقائص التي تعاني منها الجامعة أسهمت أيضًا في تراجع التحصيل العلمي للطلاب، واستدل المتحدث بنقص تجهيزات المخابر خاصة في الشعب العلمية؛ الذي يعيق تقديم الدروس بشكل جيد وعدم استقرار الأستاذ الجامعي اجتماعيًا مما يؤثر على مردوده، فكثير من الأساتذة يقطنون مثلًا في محافظة ويدرِّس في محافظة أخرى، وهذا لا يسمح له بتطوير نفسه ومهاراته”، ويشير الأستاذ الجامعي إلى نقطة أخرى يعتبرها مهمة جدًّا وتتمثل في انعدام التواصل بين الطالب والأستاذ مما يجعل الطالب يحس نفسه غريبًا في جامعته، فهناك أساتذة يتعاملون مع الطلبة بانتقام، ناهيك عن ظروف الإقامات الجامعية.

وتطرق رضا لسود للحديث عن نظام الألمدي الذي أثبت فشله بسبب كثافة الدروس من جهة وعدم تحضير الأساتذة مسبقًا، والكم الهائل للطلبة المتخرجين في الكثير من التخصصات المستحدثة دون دراسة لسوق العمل لكل ولاية، وهذا يترك انطباعًا تراكميًّا لدى الطلبة بعدم جدوى التعب والدراسة.

الجامعة الجزائرية مركز للآفات الاجتماعية

وتقول الأستاذة بجامعة محمد الصديق بن يحي بجامعة جيجل، مريم بغيغ، في تصريح لشبكة زدني، إن تنامي ظاهرة الغش في البكالوريا من أبرز أسباب الرسوب بالجامعة الجزائرية، فهذه الظاهرة ألقت بظلالها كثيرًا على المحيط الجامعي، وما جعلها في السنوات الأخيرة تشهد نسب رسوب كبيرة خاصة في التخصصات العلمية الصعبة.

وترى مريم بغيغ أن نسبة الرسوب مرتفعة كثيرًا في السنة الأولى بالجامعة بسبب المستوى المتدني للطلبة الحاصلين على الباكالوريا، والغش الإلكتروني في البكالوريا الذي يعتبر من أخطر التقنيات وأسهلها، فضلًا عن عدم وجود أيّ استخدام لأساليب الردع، وفرض اختيار لا علاقة له بميول الطالب في الجامعة، وأيضًا ضعف إدارة الجامعة في مواجهة هذه الظاهرة، والخوف من الاحتجاجات التي يقوم بها الطلبة للحصول على العلامات دون وجه حق.

وتضيف المتحدثة أن الجامعة الجزائرية وللأسف أصبحت مركزًا للآفات الاجتماعية، والفساد الأخلاقي وهذا ما يؤدّي إلى تدنّي المستوى العلمي، والنتيجة هي أن هذه الإطارات المتخرجة غير مؤهلة وسوف تُسهم بدورها في تدني المستوى العلمي للتلاميذ والطلبة لذلك _ تقول _ يتوجب على المنظومة التربوية حتى الجامعية العمل على زرع الأخلاق في المدرسة والجامعة بتفعيل المجالس التأديبية وقيامها بالمهام المنوطة بها لردع الطلبة الغشاشين، وتركيزها على النوعية لا على الكميّة، وعلى المسؤولين إعادة الواجهة للجامعة وجعلها منارة للعلم، وردع كل من يتلاعب بشرفها.

وفي مطلع الألفية الثالثة أطلقت الحكومات الجزائرية المتعاقبة، برامج متعددة لإصلاح الجامعات والارتقاء بها إلى العالمية، لكنها وللأسف لم تر هذه المشاريع النور وما زالت تراوح مكانها، ولحد الساعة لم تستقر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر على خطة عمل محددة.

قلق وحسرة على حاضرها ومستقبلها

وحذرت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان -تنظيم حقوقي بارز في الجزائر- من تدني مستوى التعليم العالي بالجزائر بعدما أضحت الجامعات الجزائرية تحتل رتبا متدنية ضمن التصنيف العالمي لأفضل 1000 جامعة في العالي.

ودعا التنظيم الحقوقي، في بيان له، السلطات الوصية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحسين أوضاع الجامعة وإيجاد حلول عاجلة للمشاكل التي تتخبط فيها.

وقالت الرابطة: إن احتلال الجامعات الجزائرية ذيل الترتيب وبقاءها بعيدة عن التصنيفات العالمية ليدعو إلى الاستغراب بالنظر إلى الأسباب والعوامل التي جعلت الجامعات الجزائرية تتخبط في هذا الوضع الكارثي على كافة المستويات، وتشير إلى أن الوضع الحالي للمؤسسات الجامعية يدعو إلى القلق والحسرة على حاضرها ومستقبلها.

وأكدت الرابطة أن المؤشرات والمعايير العامة التي تعتمدها مراكز البحوث الدولية لتصنيف الجامعات وإبراز مدى تفوق جامعة معينة على الأخرى لا يمكن الحديث عنها في الجزائر وإسقاطها على الجامعات ومؤسسات التعليم العالي نظرًا لغيابها وعدم توفرها، مشيرة إلى تدني المستوى التعليمي للطالب الجامعي وضعف التأطير الجامعي، وتراجع الجامعة الجزائرية عن دورها الأكاديمي في تشجيع حركة البحث العلمي الذي أُفرغ من مضامينه الميدانية فأصبح تنظيرا من غير طائل أو فائدة عملية.

ودعت الرابطة إلى ضرورة اتخاذ السلطات الوصية للإجراءات اللازمة لتحسين ظروف الجامعة، مؤكدة أن الجامعة لن يتحسن مردودها إلا بمواجهة المشاكل التي تتخبط فيها بجدية وحزم وإرادة سياسية، داعية إلى اتخاذ حلول استعجالية قبل الدخول الجامعي المقبل، حتى لا تتكرّر المشاهد غير الحضارية التي تشهدها كل سنة دراسية.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك