بالعقل نبدأ

22 مارس , 2015

كنت قد نشرت نفس المقال مع موقع الجزيرة توك تلك الأداة التي أعطت لنا حرية الكتابة. ونشر أفكارنا باختلاف توجهاتنا ورؤيتنا في الحياة، تلك المدرسة التي يبدو انها وصلت إلى محطتها الأخيرة، في رحلتها الطويلة والتي أفخر أنه حصل لي الشرف أن كتبت بعض كلمات على دفترها، كنت بدأت كتابة مشروع سلسلة مقالات تحت “فسيفساء الأرض والإنسان” مخاطباً فيها بلسان العقل البشري تلك الأرض معطاءةً، سعياً لرسم صفحة من فسيفساء الأفكار المجردة من كل الغرائز لإستئصال الأخر وتحريف وتغريب التاريخ، والتي طغت على مناهجنا التعليمية التي كبحت روح الإبداع لدى طالب العلم بمفاهيمها التربوية القديمة، هذا إشكال حث الكثير من الباحثين لمراجعتها بابتكار مفاهيم ديناميكية جديدة.

أين نحن من فكرك. …يا مالك ؟

قد نحاول في الكثير من الأحيان الولوج إلى الفهرس الفكري واقتحام عالم الأفكار والرؤى التي تحثنا على إحياء شبابنا والنهوض به بعيدا عن الجماد والخنوع الفكري، الذي استحوذ على جل عقل المسلم العربي عامة، والجزائري خاصة، وجعلنا نلهث وراء عالم الأجساد محاولين إشباع نزواتها ومتطلباتها متناسين العوالم الأخرى وحقها، و أنه يجب توفير المناخ اللازم لتحيا وتساهم في نهوضنا من علاقاتنا المجتمعية هي أيضاً.

ولكن المشكلة أنه غالباً ما يأخذنا انبهارنا بالثقافة الغربية والعالم الأوروبي خاصة إلى اقتحام عالم الأفكار من صفحات الفكر الغربي، الذي حقيقةً أنه مبهر حقاً للوهلة الأولى، كونه جُسِدَ على أرض الواقع الفكري، سواءً بإيجاد مناخات حاضنة له، أو تكتلات سياسية تتبنى أفكاره وهذا ما جعل أفكاره تنضج بسرعة، رغم أصول تركيبها المترهلة المبنية على الذاتية لمُنشئيها و هذا ما ينطبق  على حال الحركات الإسلامية المتطرفة والحركات العلمانية و الإلحاد في بلداننا العربية، شيء طبيعي أن تجد جل شبابنا يسارع لتبني أفكار مستوردة و يحاول تجسيدها على ذاته.

في ظل ما تشهده منطقتنا من تناحر فكري وتخبط في الأوزار والمعضلات من الماضي، ها هو جيلنا اليوم يحمل جزء منها أو يأتي متأثراً بنتائجها التي أرى أنها تؤرخ لبداية التجزئة والانشطار الفكري إذا لم نسارع إلى إيجاد بيئة فكرية تنهض بنا بعيداً من تسيس الأفكار التي غالباً ما يصيبها العفن، سياسة قبل أن تطبق وأن نبتعد بها عن مركزية القرار والسلطة. بيد أننا نملك من المفكرين ما خطت أناملهم في عالم الأفكار أنضج رؤى وأقربها إلى عقل كل إنسان سوي، كان من الممكن من شبابنا الشغوف لاقتحام عالم الأفكار أن يتخذها كمنابع فكر قد تجعله يتخلص من تلك التبعية الفكرية وقد تساهم في نضوجه،  وتحلق به بعيداً عن الواقع المعاش الذي جعلنا نتخبط في فوضى المشكلات المنهجية وخلط في الكثير من الثنائية المغلوطة من “الإسلام والأخر”  و الشرق والغربو ابتعد بنا من وحل تبعات الاستغراب لثقافتنا وتقليدنا الديني الذي غالباً ما يكون متصنعاً بالحداثة وهذا للخواء الروحي للأفكار الغربية كما سماه المفكر الجزائري مالك بن نبي هذا الإنسان الذي هجرت أفكاره وكتابته في منشئ فكره الإصلاحي الجزائر، و رحبت به الدول التي ركبت حضارة بفضل مالك بن نبي أذكر منها ماليزيا وأندونيسيا وحتى الدول العظمى كالولايات الأمريكية المتحدة، حيث لا تخلو مناهجها التعليمة من فكر مالك بن نبي في حين لا تزال المناهج الدراسية المدرسية والجامعية في الجزائر عازفة عن إدراج مقالات مالك بن نبي في محتواها لأغراض يخجل المرء منا في سردها، فيكفيك أن تسأل أحد الطلاب أو المثقفين هل يعرف مالك أو قرأ له؟ حتى تصلك الإجابة بأول تغير للملامح وجهه، وإن وجدت أحد المثقفين الجزائريين الذين سبق لهم التعرف على مالك بن نبي من خلال بعض الندوات التي تقام من حين إلى أخر في ذكرى وفاته وتسأله هل قرأت لمالك؟ فالإجابة ستكون نعم ولكن معظمها سطحية.

تأملات مالك بن نبي وأفكاره هي نابعة عن إنسان استوعب تلك القيم العميقة، التي تضيف للإنسان معاني خرجت من عقل راجح يميل للتجريد والتنظير العالي، الذي يميز توغل مالك بن نبي في معاني تطبيقية لميلاد المجتمعات السليمة. كما نرى بوضوح تطرق كتابات مالك تمزج بين ثلاثية “الروح والعقل والغريزة”، كون الروح لها تلك قدرة للسيطرة على الغرائز، بينما لا يملكا العقل ذلك ولكن العقل يمكن أن يستعمل الروح لتسيطر على الغرائز الطبيعية، فبعد قرأتك لإحدى مؤلفات مالك بن نبي لابد تأخذ استراحة جراء تلك التخمة الفكرية التي قد تصيبك كون جل مؤلفات مالك بن نبي يمكن أن تصنف في إطار الكتب التي “تلزم القراءة والتفكر والدراسة بعيداً عن الذاتية لدينا رغم الضعف الذي اتضح في ترجمات ونقل فكر مالك إلى العربية وكما يقول مالك بن نبي:

“ليست المشكلة أن نعلِّم المسلم عقيدة هو يملكها، وإنما المهم أن نرد إلى هذه العقيدة فاعليتها وقوتها الإيجابية وتأثيرها الاجتماعي”.

لأنه لا يصلح أخر هذه الأمة، إلا بما صلح به أولها، باختصار فكر مالك لا يمكن اختصاره في كلمات، ويمكن القول أنه تمهيد ونظرة خاطفة عن إمكانية نشأة ثانية للفكر الإسلامي يرتبط بالقرآن، مع بعض الفعالية والتحرك الواقعي الذي لابد منه.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

َAyoub Souas منذ 3 سنوات

جميل جدا ماكتب عن فكر هذا الرجل أنصفته أو كدتَ .. لكن لاتخف بالرغم من أن العقول قد خفت الا ان هناك من يهتم بفكر و طرح هذا الرجل ..
نقطة الترجمة التي أشرت إليها صحيح اخلت بالعديد من النصوص على حسب مقارنتي إلى الان .

أضف تعليقك