طالبٌ وصاحب عمل.. كيف تسير الأمور؟

3 أبريل , 2019

غالبًا ما تكون البطالة هاجسًا لطلبة الجامعة، يخشون أن تكون مصيرَهم بعد التخرج، حتى أنها سببٌ في استبعاد بعض الشباب لفكرة الدراسة الجامعية، لكن هناك من يصنعون الفرصة لأنفسهم بأنفسهم؛ فيضعون رِجْلًا في سوق العمل، بينما الرِّجْل الأخرى لا تزال في حرم الجامعة؛ إنهم شبابٌ أسسوا مشاريعهم الخاصة قبل التخرج..

استعدادًا لما بعد الجامعة

في نهاية سنته الجامعية الرابعة، بدأ مهند أبو كرش العمل على تأسيس مشروعه الخاص، مع عدد من زملائه في تخصص الهندسة المعمارية.

يقول:

كان العمل في نهاية المرحلة الدراسية ضرورة بالنسبة لي؛ لأن استطلاع أحوال تخصصي في سوق العمل يمثل فرصة للتعرف على مرحلة ما بعد الجامعة، وللابتعاد عن فخ البطالة والتخبط بعد التخرج.

ويضيف عن فكرة المشروع: بناء فريق شبابي يقدم خدمة التصميم المعماري والتصميم الداخلي، ويجمع بين العمل المحلي والعمل عن بعد، ويقدم خدماته بطريقة حديثة تواكب متطلبات السوق المحلي والعالمي.

ويتابع: بداية العمل على الفكرة كانت بعد الاطلاع على مجموعة من المشاريع العالمية الريادية، والتي أسسها شباب، وآنذاك كان سوق التصميم المعماري والتصميم الداخلي يخلو من المشاريع الشبابية، وهذا ما دفعنا لتكوين مشروع بفكر شبابي ويقدم شيئًا مختلفًا.

الجمع بين العمل والدراسة كان يحتاج من مهند لبذل الجهد لخمسة عشر ساعة يوميًّا، وهو ما جعل لوقته قيمة كبيرة، كما يبين.

ويوضح: كانت الموازنة بين العمل والدراسة ضرورة لا بد منها؛ فالعمل في المرحلة الدراسية كان بهدف زيادة الاستفادة من الدراسة، وليس تأجيلها أو التراجع فيها، ومما ساعدني في التوفيق بينهما أن العمل كان جماعيًّا، وكذلك الدراسة.

ويلفت إلى أن الجانب العملي، المتمثل في المشروع، كان له دور كبير فاعل في زيادة التحصيل العلمي، وهو ما انعكس على معدله الجامعي بشكل ملحوظ.

أسس النجاح

رأس مال المشروع من المال كان صفرًا؛ فجعل أعضاء الفريق أوقاتهم رأس مال بنوا نجاحهم عليه، أما مقر العمل فكان بيت أحدهم، والجمهور المستهدف كان في السوق الخارجي، إذ يتم التواصل مع الزبائن عن بعد.

يبين مهند: هكذا عملنا في البداية، إلى أن تمكنَّا من جمع بعض الأموال وتأكدنا من إمكانية نجاح المشروع، حينها استأجرنا مكتبًا، وشاركنا في مسابقة لتمويل المشاريع، فحصلنا على تمويل، وبعد سنة من العمل استطعنا أن نفتتح مكتبًا خاصًّا بنا.

الطريق الوعرة التي سار عليها أعضاء الفريق في بداية عملهم، كانت أحد أسباب نجاحهم، إذ يقول مهند: المصاعب والعقبات هي الطريقة المثالية للتعلم وكسب الخبرات، ومواجهة المشاكل لا تعني التنازل عن فكرة المشروع، بل إن التعامل الإيجابي معها يساعد على بناء المشروع بطريقة سليمة.

ويضيف: كون المشروع موجود في غزة فقد لاقى صعوبات كثيرة، منها الوضع الاقتصادي المتردي وساعات انقطاع التيار الكهربائي الطويلة، وضعف البرامج الداعمة للمشاريع والأفكار الشبابية، وانعدام جهات المتابعة والتوجيه.

أن تبدأ عملا خاصًّا بعمر مبكر، ما الذي أضافته لك هذه التجربة؟

يجيب: كان المشروع جانبًا مميزًا جدًّا في حياتي، أضاف لي الكثير وساعدني على التحرر وتطبيق الأفكار الخاصة بي بحرية كاملة، وأكسبني مهارات عملية في مجال دراستي ومهارات إدارية ومهارات التواصل والتعامل مع الناس والمجتمع، ومنحني الفرصة للخوض في تجارب متنوعة.

ولمن يرغب بخوض التجربة، يقول مهند: الفريق هو العنصر الأهم في بناء المشروع، ينبغي اختيار الأشخاص بطريقة تجعل كل منهم يكمل الآخر، وذلك لبناء مشروع متكامل ومكتفٍ ذاتيًّا، كذلك تبادل وجهات النظر وإعداد الخطط المرحلية للمشروع، ومتابعة المشروع بشكل دوري من حيث تقدمه وزيادة انتشاره، ومن الضروري تحقيق التعاون وتغليب روح الفريق وتقبل وجهات النظر.

نقطة تحوُّل

التجرِبة الأخرى التي نستعرضها في هذا التقرير، يتحدث عنها صاحبها محمد قديح، الذي حاول أن يدخل عالمَ العمل الخاص أكثر من مرة، حتى تحقق لها مراده قبل أن ينهي دراسته الجامعية، إذ أسس شركة متخصصة في ابتكار العلامات التجارية والهوية البصرية والإلكترونية.

يقول: لا علاقة لهذا المجال بدراستي في تخصص هندسة الحاسوب، لكنني اخترته لمعرفتي بالحاجة الملحة له في السوق.

ويضيف: كان عمري 21 عامًا عندما أطلقت المشروع، بدأت مبكرًا لما أراه من أحوال الخريجين، صممت على أن أصنع الفرص بنفسي، وأن أستثمر كل الإمكانيات لبناء مصدر دخل يبعد شبح البطالة عني.

ويتابع: الجمع بين العمل والدراسة مؤرق جدا خاصة للشركات الناشئة، لأنها تستنزف وقت صاحبها، حققت بينهما توازنًا لمدة سنة تقريبا، حتى اضطررت للتفرغ للعمل، وأجّلت دراستي، فتفويض شخص آخر بالعمل صعب قبل مرور خمس سنوات على المشروع، للتأكد من تأسيسه بشكل سليم.

العمل أثر سلبًا على المستوى الدراسي لقديح، لكنه كان ذا أثر إيجابي على حياته، وفق قوله.

ويوضح:

بدء العمل الخاص في عمر مبكر مهم جدا، ويمثِّل نقطة تحول في حياة الشخص، ويمنحه الفرصة لتكوين شبكة علاقات مهمة، والتواصل مع الناس بشكل أفضل، والدخول إلى معترك السوق وفهمه، ومشروعه يُعدُّ ركيزة للنجاح مستقبلا، حتى إن لم يستمر المشروع فهو على الأقل أعطاه الخبرة والمعرفة ليحصل على ميزات متعددة كالمنح الدراسية وفرص العمل في أماكن ومناصب مرموقة.

ليس سهلًا أن يبدأ شاب في مقتبل العمر حياة عملية مستقلة، فهو بحاجة لتمويل وخبرة ومعرفة، فكيف تصرف قديح حيال ذلك؟

يبين: شاركت في مسابقة نظمتها حاضنة للأعمال، وفزت بمبلغ قدره أربعة آلاف دولار، خصصته لتوفير اللوجيستيات الأساسية لعملي، كالحاسوب والطابعة، أما عن كيفية إدارة المشروع، فالأمر بحاجة للكثير من القراءة والتعلم، مع الرجوع لأصحاب الخبرة أحيانًا.

إلى جانب ذلك ثمة ركائز أساسية يجب أن تتوفر فيمن يرغب بتأسيس عمل خاص أثناء الدراسة بحسب قديح، إذ يقول: يجب أن يتحلى الريادي بالصبر والعزيمة والإرادة، عليه أن يؤمن بهذه الصفات ويعيشها فعلًا واقعًا.

ويضيف: الصبر مطلوب في كثير من المواضع، أبرزها ما يتعلق بالوضع المادي، ستمر على الريادي أيام وشهور لا يجد فيها قوت يومه، ويكتفي بالخبز طعامًا، لأنه يسخِّر ماله في سبيل فكرته.

ويتابع: سيدرك الريادي أهمية العزيمة والإرادة بعد كل ضربة، ليقف على قدمه مجددًا، وليحوِّل الضربة إلى عمل أفضل، وليستخلص العبر من الفشل دون التوقف عنده.

وإن كان العمل الخاص في سنٍ مبكرة فهذه ميزة بنظر قديح، إلا أنه لم يكن كذلك برأي الكثير من المحيطين به، فقد سمع كمًّا هائلا من العبارات المُحبطة من أشخاص حاولوا دفعه بعيدًا عن فكرته، بذريعة أنه ما يزال شابًّا لا يملك الخبرة الكافية، ولأن الأوضاع الاقتصادية ستعيق طريقه.

كان قديح يدرك أن الطريق مليئة بالعثرات، لكنه قرر أن يواجهها، فاختار العزلة في بداية عمله، ليتمكن من تحقيق النجاح بعيدًا عن الأجواء الداعية لليأس.

ويلفت إلى أن من أبرز تلك العثرات، انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة والحاجة لبدائل مكلفة كالمولدات، ومحدودية فرص السفر، إذ لم يتمكن هو أو أي من أعضاء فريقه من السفر لتطوير مهاراتهم واكتساب خبرات جديدة، ناهيك عن الدمار الهائل الذي لحق بمقر العمل وأدى لخسائر تزيد قيمتها عن 15 ألف دولار بسبب قصف طائرات الاحتلال الإسرائيلي لمكان مجاور.

ويوضح: المعيقات المتلاحقة قللت من سرعة تطور الشركة، فهي تضطرنا لمعالجة آثارها بدلا من المضي قدما في عملنا وتحقيق أهدافنا.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك