كيف اعتنى المسلمون بالتعليم قديمًا؟

23 أغسطس , 2014

شتان بين زماننا وزمانهم، بل شتان بين معلمي أجيالنا واجيالهم! ترى كيف كان التعليم “الإسلامي” في السابق؟ وماهي أبرز مفاهيمه؟

الباحث العراقي “عدنان مشعل جواد العسافي”.

جاء القرآن الكريم بمنهج عملي للتربية الصالحة منهج لم يصل إليه الحكماء والفلاسفة، وهذا المنهج جمع في كلمة واحدة واتخذت مكانة الصدارة لتكون أول كلمة في القرآن الكريم وهو قوله سبحانه وتعالى (اقْرَأْ) وما بلغ المسلمون هذا المبلغ من التقدم إلا لأنهم فهموا معنى قوله سبحانه وتعالى (اقرأ باسم ربك الذي خلق) فاستعمال كلمة ربك له دلالة تربوية قاطعة فإنه لم يقل (خالقك) أو (إلهك) أو (فاطرك)، وذلك لتفيد معنى التربية والرعاية.

تتعامل التربية الإسلامية مع الطفل ككائن حي له اعتباره، وله حقه في النمو نموًا طبيعيًا وتمتعه بمواهبه التي منحها الله له، ولنا في رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أسوة حسنة في رحمته بأحفاده وابناء المسلمين رفقا ورأفة بهم.

والمتأمل في التربية الإسلامية يجد موضوعها هو (الإنسان) بكل ما تتضمنه كلمة (إنسان) من أفكار واتجاهات ومعان واستعدادات وحياة وعلامات، صاغ عقله صياغة فنية خاصة، تجعل قدرته على العطاء أعظم من طاقاته وأمله واسعًا مع إمكانياته، ومدى تفكيره أوسع من إحساسه.

بمعنى آخر التوجه إلى تهذيب المتعلم عقليًا وجسمانيًا واجتماعيًا وعاطفيًا ووجدانيًا، ضمان لبقائه في الحياة على أنه مواطن مفيد منتج فلا يمكن أن يدرب عقل المتعلم أو تفكيره بصورة منفصلة عن بقية النواحي الأخرى من شخصيته. وبالتربية الإسلامية نستطيع أن نضع الإنسان الجديد بالمواصفات والسمات التي نريد، والتعليم هو الوسيلة للتربية في تحقيق ما ترمي إليه ولهذا يصرح علماء التربية أن المدرسة في كل بيت وكل بيت في المدرسة، بمعنى أن المدرسة أصبحت جزءً لا ينفصل عن حياة الناس تؤثر فيهم وتتأثر بهم، وليس غريبًا أن يبدي الجميع اهتمامًا بها وبما يجري في المدرسة.

 

لقد كان للفعل المحمدي النبيل الدور الريادي في إرساء قواعد التعاليم الدينية فالأمر بالعدل والإحسان والنهي عن الفحشاء والمنكر ومراقبة الذات بغية تخليصها من شرورها وإدراكها وتحديد المسؤوليات كل ذلك دعوات أكيدة نحو الرقي بالمسلم إلى أعلي درجات السمو الخلقي، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).

إذ يضع الإسلام كل الأساليب التربوية السليمة لتهذيب النفس وتزكيتها وفق أسس من العدالة والخلق القويم ومن هنا يبرز أثر الدين الإسلامي في رسم طريق العمل المشروع الذي يهيئ لصاحبه العيش الكريم وفي تحديد المفاهيم ووضع الضوابط الأخلاقية وفرض العقوبات على من يخالف أوامر الله تعالى ونواهيه.

وقد قسم شهاب الدين النويري العملية التعليمية فقال: (وكتابة التعليم تنقسم على قسمين: تعليم ابتداء، وتعليم انتهاء). والأول هو ما يقابله في عصرنا التعليم الابتدائي والذي يقوم بأعبائه هو المعلم وهو الشخص الذي كان يتولى مهمة تعليم الصبيان في الكتاب. والمكتب عبارة عن غرفة واسعة، بسيطة البناء ويجلس بها الصبيان على الحصران، أو على جلود الغنم، ويتصدر فيها المعلم على مصطبة مرتفعة يشرف منها على الصبيان. وقالوا (إنما اشتق اسم المعلم من العلم، والمعلم أصل لكل خير، وبه ينفصل الكرم من اللؤم، والحلال من الحرام). ويطلق عليه اسم آخر هو المؤدب إذ كان يقوم على تأديب أولاد الطبقة العليا.

 

وقد قام النبي (عليه الصلاة والسلام) بفتح أول مدرسة للتربية والتعليم هي دار الأرقم بن أبى الأرقم، ذكر ابن هشام في سيرته حين قال: (فاختار لهم رسول الله دار أحدهم وهو الأرقم بن أبى الأرقم ليلتقي بهم فيها لحاجات الإرشاد والتعليم) ثم أنشأ عليه الصلاة والسلام أول مدرسة لتعليم أطفال المسلمين يوم أن جعل فداء الذين لا يملكون الفداء من أسرى بدر تعليم أبناء المسلمين (فمن لم يكن لديه فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة يعلمهم فإذا حذقوا فهو فداء. وقد أمر رسول الله، عبد الله بن سعيد بن العاص رضي الله عنه أن (يعلم الكتابة في المدينة وكان كاتبًا محسناً).

كما أن الشفاء بنت عبد الله العدوية رضي الله عنها كانت كاتبة قبل الإسلام وبعد إسلامها أمرها رسول الله، أن تعلم حفصة – أم المؤمنين رضي الله عنها الكتابة فعلمتها. وعن أبي القاسم قال: (قدمنا المدينة على أبي بكر رضي الله عنه فجعلني في المكتب، فكان المعلم يقول لي: اكتب الميم، فإذا لم أحسنها قال: دوّرها واجعلها مثل عين البقرة).

وفي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، توسعت الدولة العربية الإسلامية وعلى الرغم من انشغالها بالجهاد والفتوحات لم تهمل الحركة التعليمية فقد تزايدت أعداد الذين دخلوا الإسلام، ففرضت الحالة الجديدة ضرورة توسيع دائرة المجيدين للكتابة العربية (فأمر الفاروق ببناء الكتاتيب، وعيّن المعلمين لتعليم الصبيان).

واستمرت الدولة بالتوسع بفضل الفتوحات الإسلامية مما ترتب عليه انتشار الكتاتيب في الحواضر العربية والإسلامية، فقد روي عن سفيان بن وهب أنه حين دخل القيروان في سنة 78 هـ، كان يمر على صبيان الكتاب فيها، فيسلم عليهم.

وقد حرص خلفاء بني أمية على تهيئة تعليم خاص لأبنائهم فاختار الكثير منهم المعلمين الذين أطلقت عليهم تسمية (المؤدبين) فكانوا يستقدمونهم إلى قصورهم، فيعلمون أولادهم في ظل إشراف مباشر من قبلهم وذلك لغرض إعدادهم الإعداد المناسب لتولي المناصب المهمة في الدولة لأن منهم من هو ولي عهد أبيه وسوف تؤول السلطة إليه، ومنهم من سيكون واليًا على إقليم من أقاليمها. ثم تطورت حركة التربية والتعليم فيما بعد إلى الحلقات والزوايا والتكايا والكتاتيب ودور الحكمة ثم تكونت المدرسة النظامية والمدرسة المستنصرية والجامعات.

 

ولم يقتصر هذا الأمر على الخلفاء، بل إن عددًا من ولاة الدولة الأموية قد اتخذوا لأولادهم مؤدبين، ومن هؤلاء محمد بن مروان الذي جعل عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود مؤدبًا لابنه. وسُمّي المعلم مؤدبًا لأن مهمته لا تقتصر على تعليم القرآن والكتابة والعلم بل يقع على عاتقه تعليم الأولاد على كل الأخلاق والآداب الحسنة. فهذا عبد الملك بن مروان يقول لمؤدب أولاده:

“علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن”



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك