كيف يمكنك التعلم إن لم تكن قادرًا على تخيل الأشياء؟

3 ديسمبر , 2017

 

المقال الأصلي: ?If you can’t imagine things, how can you learn

نَعلَمُ أنَّ بعض الناس لا يمكنهم استحضار صورٍ ذهنية -وهو ما يُدعى بالـ”أفانتازيا”- وها نحن نحاول دراسة أثر هذا على قدراتهم على التعلُّم.

 

لا تقلل أبدًا من قوة التصوُّر، يبدو هذا وكأنه شعارٌ للمساعدة الذاتية، ولكن مجموعة متزايدة من الأدلة تُثبت أنَّ الصور الذهنية من شأنها أن تُسرِّع من عملية التعلُّم، كما أنَّها تُحسِّن أداء جميع أنواع المهارات؛ فبالنسبةِ للرياضيين والموسيقيين، يُعدُّ “التصوُّر العقلي للحركة”، أو التمرين الذهني على الحركات في العقل، أمرًا فعَّالًا بقوة كالتدريب البدني، بالإضافةِ إلى أنَّ الصور الحركيَّة يمكن أن تساعد أيضًا مرضى السكتة الدماغية على استعادة وظائف ما قد أُصيب بالشلل من أطرافهم.

تُعتبر المخيِّلة البصريَّة، بالنسبة لمعظمنا، أمرًا ضروريًّا للذاكرة ولأحلام اليقظة والخيال، ولكن يبدو أنَّ بعض الناس يفتقرون بالكليَّة إلى القدرة على إعمال “عين العقل”؛ إذ يستحيل عليهم استحضار هذه الصور البصرية، وقد تؤدي عدم قدرتهم على القيام بذلك إلى التأثير على قدراتهم على التعلُّم وعلى أدائهم التعليمي.

وصف بليك روس، وهو مشارك في إنشاء متصفح الإنترنت Firefox، مؤخرًا كيف يكون الشعور عندما يكون عقلك أعمى، وكيف يتفاجأ صاحب العقل الأعمى من قدرة الآخرين على تصوير الأشياء عقلًا؛ إذ كتب على الفيسبوك قائلًا:

“لا أستطيع أن “أرى” وجه والدي أو الكرة الزرقاء الوثَّابة أو غرفة نوم طفولتي أو ذهابي للركض منذ 10 دقائق. لطالما اعتقدتُ أنَّ حيلة “عدِّ الأغنام”، التي تساعدنا على النوم، هي مجرَّد استعارة، فها أنا ذا أبلغ من العمر 30 عامًا ولا أعرف كيف للإنسان أن يفعل أيًّا من هذا. وهو ما يعصف بذهني”.

عَلِمنا بأولئك الذين لا يستطيعون تصوير الأشياء في عقلهم منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، عندما نَشَر عالِم النفس المثير للجدل فرانسيس غالتون – وهو أحد رواد تحسين النسل- ورقةً بحثيَّةً بعنوان إحصاءات الصور الذهنية. حاول غالتون من خلالها “تحديد درجات حيوية الصور الذهنية المختلفة التي يستحضرها أشخاصٌ ذوو قدرة على تذكُّر المشاهد المألوفة”.

وقد طلب من زملائه، وهم علماء بالمجال نفسه، التفكير في طاولة الإفطار الخاصة بهم وإخباره بمدى حيوية انطباعاتهم، إذ وجد أن هذه القدرة تتفاوت من شخصٍ لآخر بشكلٍ ملحوظ؛ إذ يمكن لبعض الأفراد رسم صور ذهنية تماثل في روعتها المشاهد الحقيقية نفسها، في حين أن بعضهم الآخر يمكنه فقط أن يستحضر صورًا قاتمةً إلى حدٍّ بعيد، هذا إن استطاع الاستحضار بالأساس.

ويُشير علماء الأعصاب اليوم إلى عدم القدرة على تكوين صور ذهنية على أنه “خلل خلقي/Aphantasia” – وهي كلمة ذات أصل يوناني، إذ أنَّ الـ “A” تعني “بدون”، و”phantasia” تشير إلى “القدرة على تكوين صور ذهنية” – ويعتقدون أنها تؤثِّر على حوالي 2٪ من السكَّان، أو واحد من بين كل 50 شخصًا. على الرغم من ذلك فإن أصحاب تلك الظاهرة يمكنهم استحضار صور بصرية في أحلامهم؛ لذلك يبدو أن التصوُّر الطوعي فقط هو الذي يتأثَّر.

وتبدو الصور الذهنية ذات أهمية خاصة في الفصول الدراسية، إذ تساعد على فهم ما يُقرأ وعلى تعلُّم معاني الكلمات، ووفقًا لواحدة فقط من النظريات، فالصور الذهنية هي حجر الزاوية لتعلُّم القراءة والكتابة.

 

أما نظرية الترميز المزدوج، التي طرحها ألان بايفيو من جامعة ويسترن أونتاريو الأمريكية في عام 1971، فتميِّز بين عمليات التفكير اللفظي وغير اللفظي، وتضع الصور الذهنية باعتبارها الشكل الأساسي للتمثيل غير اللفظي، وبالتالي يتم تخزين المعلومات بطريقتين مختلفتين – لفظيًّا وبصريًّا – وعلى الرغم من أنَّ هذين الرمزين مستقلين عن بعضهما البعض، وأنَّ كلاهما يُمكن أن يُستخدَم وحده، فيمكنهما أيضًا أن يتفاعلا لتحسين التعلُّم والتذكُّر.

ولنظرية الترميز المزدوج حدودها، وأهم تلك الحدود هو افتراض أنَّ عمليات التفكير لا تقوم إلا على الكلمات والصور، ومع ذلك فإنَّ العديد من الدراسات التي نُشرَت منذ أوائل السبعينيات تؤكد أنَّ الصور الذهنية تلعب بالفعل دورًا مهمًّا في كيفيَّة اكتساب أطفال المدارس مهارات القراءة والكتابة.

وتبيِّن النظرية أنَّ الصور الذهنية تساعد، على سبيل المثال، الأطفال في سن الثامنة على تَذَكُّر ما يقرؤون، وأنَّ الطلاب الذين يُطلب منهم تخيُّل صورٍ ذهنية في أثناء مهام حفظ الكلمات يمكنهم تعلُّم كلمات أكثر مرتين ونصف من أولئك الذين يُطلَب منهم أن يكرِّروا الكلمات التي يريدون حفظها؛ إذ يبدو أنَّ الاستدعاء اللفظي والصور المرئية متصلين رغم انفصالهما، وعلى الرغم من أنَّ القدرةَ على استخدامِ الصور لا ترتبط بشكل مباشر بتدابير الذكاء والمفردات والقراءة، فإن الاستخدام التلقائي للصور يساعد الأطفال على التعلُّم وعلى استيعاب النصوص النثرية.

وقد أظهرت دراسات أخرى، في الآونةِ الأخيرة، أنَّ الصور العقليّة من شأنها أن تُساعد الطلاب على إدراك المفاهيم المُجرَّدة، وأنَّ تشجيع الطلاب على استخدام الصور يمكن أن يُحسِّن من فهمهم لمثل هذه المفاهيم.

كما أظهرت إحدى الدراسات أن استخدام الصور الذهنية يُساعد تلاميذ المدارس الابتدائية على تعلُّم وفهم الكلمات العلميَّة الجديدة، وأنَّ تقاريرهم الذاتية عن حيوية صورهم ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى إمكانيَّة تحسين الصور لتعلُّمهم. ويرجع ذلك إلى أنَّ تقنيات التصوُّر مفيدة أيضًا لتعليم وتعلُّم الرياضيات وعلوم الكمبيوتر، إذ أنَّ كليهما ينطوي على فهم الأنماط الكائنة بداخل الأرقام، وخلق تمثيل عقلي للعلاقات المكانية بينهما.

ويمكن أيضًا للـ”أفانتازيا” أن تؤثِّر على مراجعة الطلاب قبل الامتحانات؛ فاستخدام الخرائط الذهنية هو استراتيجية مُشتَرَكة موحَّدة، قد ثَبُتَ أنها تُساعد الطلاب بشكلٍ فعَّال على الاحتفاظِ بالمعلومات واستدعائها، إذ يتمكَّن الطالب من تذكُّر المعلومات واسترجاعها بمجرَّد تصوُّره للصفحة المناسبة، حيث دوَّن تلك المعلومات. ويترتَّب على ذلك أنَّ غياب القدرة على خلق صور ذهنية من شأنه أن يُعيق من قدرات الطلاب على استخدام هذه الاستراتيجيات.

ورغم أنَّ الـ”أفانتازيا” عُرِفَت لأول مرة منذ أكثر من مائة سنة، ما زالت الأبحاث المنهجية التي تتناولها بالدرس شديدة الندرة، ولذا فإن معرفتنا بتلك الظاهرة مازالت سطحية.

هل يستطيع الأشخاص الذين يعانون من الـ”أفانتازيا”، على سبيل المثال، أن يتخيلوا أصواتًا أو يلمسون أحاسيسَ، أو هل تؤثر الحالة على الصور من خلال حواسٍ أُخرى غير الرؤية؟ وقد أشار غالتون إلى ذلك في ورقته الأصلية التي صدرت في عام 1880، وخَلُصَ إلى أنَّ “القدرات المفقودة قد استُبدِلت بأنماطٍ أُخرى من الإدراك … إذ أنَّ الرجال الذين يصرِّحون بعجزهم عن رؤية الصور الذهنية يمكنهم رغم ذلك إعطاء أوصافٍ حيوية لما يروه”.

وبغض النظر عن ذلك، يبدو أنَّ الأبحاث التي أُجريت عن الصور الذهنية تُشير إلى أنَّ الطلاب الذين يعانون من الـ”أفانتازيا” من المُحتَمَل أن يواجهوا صعوبات في التعلُّم، ولكن حتى الآن لا توجد أبحاث لتأكيد هذا الاحتمال.

يقول آدم زيمان عالم الأعصاب بجامعة إكستر البريطانية:

“نحن نَعْلَم أنَّ الأطفال الذين يعانون من الـ”أفانتازيا” لا يستمتعون بقراءة النصوص الوصفية، وهو ما يؤثِّر بشكلٍ كبير على فهمهم لما يقرؤونه، لكن لا يوجد إلى الآن أي دليل يربط بشكلٍ مباشر بين هذا وبين صعوبات التعلُّم”. والجدير بالذكر أنَّ آدم زيمان هو من أعطى هذه الحالة اسمًا بالتشارك مع زملائه العام الماضي.

 

يُضيف زيمان أنَّ الأشخاص الذين يعانون من الـ”أفانتاسيا” قد يكونوا قادرين على تكوين صور بصريَّة، ولكنهم يفتقرون للقدرة على إدراك تلك الصور بشكلٍ واعٍ.

ويُتابع: “لا تزال القصَّة في مراحلها الأولى بالطبع، لذلك لم يُكتشف بعد آثار ذلك المترتِّبة على التعليم”.

يستخدم الباحثون الاستبانات لتحديد حيوية الصور الذهنية، وترتبط الدرجات التي يحرزها الناس في هذه الاختبارات ارتباطًا وثيقًا بقياسات النشاط في المناطق البصرية للدماغ.

وبالتالي قد يكون من المُمكن قياس الفروق الفردية أو الاختلافات في درجة حيوية الصور العقلية عند مختلف الأفراد بشكلٍ موضوعي، وتحديد الطلاب ذوي الـ “أفانتازيا”. وإذا تبيَّن أنَّ هذا الشرط يؤثِّر بالفعل على قدرة الأطفال على التعلُّم، فقد يكون من المُمكن عندئذ وضع استراتيجيات تعلُّم بديلة لهم.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك