ليس ضرورة وحسب؛ كيف يمكن لتعليم الإناث أن ينهض ببلادنا؟

3 ديسمبر , 2018

قد يبدو هذا الأمر غريبًا بعض غرابة حينما تَعْلَم بأنه منذ قرنين فقط كانت مُعظم النساء غير مُتعلمات، واللواتي تعلمن منهن أغلبهن خضعن للتعليم المنزلي، ونادرات هن من حصلن على تعليم أدبي أو علمي، وهو ما يختلف كثيرًا عن العصر الحالي في معظم دول العالم على الأقل.. سنحاول في تلك المقالة أن نفهم كيف حدث ذلك؟ ولماذا أصبح تعليم الإناث شيئًا لا يمكن التخلي عنه؟ وكيف هو مؤثر اجتماعيًا واقتصاديًا؟

 

تعليم الإناث

هو مصطلح يشمل مجموعة معقدة ومتداخلة من القضايا والمناقشات المحيطة بالتعليم (التعليم الابتدائي، والتعليم الثانوي، والتعليم العالي، والتثقيف الصحي على وجه الخصوص) للفتيات والنساء.

 

ويبدأ بمسألة تعلم القراءة والكتابة، وهو الذي تنطلق منه محاولات الهيئات القومية ومنظمات المجتمع المدني في دعم تعليم المرأة عبر مراكز محو الأمية لمن لم تحصل على التعليم في مراحله الأساسية.

 

كيف تطورت رؤية مسألة تعليم الإناث تاريخيًا؟

التعليم في العصور القديمة

كان التعليم في العصور القديمة في معظم الأقاليم خاصًا بالذكور نظرًا للأدوار الاجتماعية التقليدية السائدة حينئذٍ؛ فالمسؤولية المُلقاة على عاتقهم لكونهم المنوط بهم الإنفاق وتأسيس الأسرة ومراعاة المرأة والطفل جعلت من الواجب عليهم التعلم منذ الصغر، ولم يكن التعليم بمثل هذا التطور والتعمق الحالي، ولكنه كان كافيًا لإكساب الشخص مهارات معينة تمكنه من الكسب.

ومع ذلك كانت هناك مناطق جغرافية سادت بها ثقافة تعليم الإناث بشكل متكافئ نسبيًا مع الذكور، بل وصل الأمر لأن يكون هناك تعليم مختلط في روما القديمة ولكن المُلاحظ أن التعليم الجيد في ذلك الوقت كان امتيازًا خاصًا للطبقات العُليا والأسر الغنية.. بيد أن التعليم وصل أيضًا للطبقات المتوسطة، وحظين بفرصة الالتحاق بالمدارس الابتدائية مثل الذكور وكانت المناهج والأساليب التعليمية متماثلة تقريبًا.

 

العصور الوسطى

وفي العصور الوسطى ومع تطور العلوم والمعرفة أصبحت المعرفة أكثر تعقيدًا وأكثر تنوعًا ولكن تعليم الإناث أصبح يغلب عليه الطابع الديني أكثر، فالأديرة هي ساحات العلم بالنسبة لمعظم الإناث اللواتي حظين بفرصة التعلم.

Image result for girl education IN MIDDLE AGES

وفي الفترة نفسها كان التعليم الأدبي والموسيقي والفني خيار بديل لبعض الإناث، ولكنه يتطلب امتيازات خاصة، مثل أن تكون من طبقة النُبلاء، أي أنه لم يكن شائعًا بين الفقراء والطبقات الدُنيا أو عامة الشعب.

 

بداية العصور الحديثة

في بدايات القرن الخامس عشر بأوروبا أصبحت مسألة تعليم المرأة أمرًا مألوفًا إلى حد ما، ولكنه لم يكن شائعًا، ولم يجذب المثقفين والأدباء والفلاسفة للحديث عنه في بداية الأمر لكن هناك إسهامات قليلة لعدد من الكُتاب تناولت الأمر، وأظهرت الصعوبات التي تواجه الإناث في التعلم، بل ووصل الأمر لمناداة بعضهم بأفضلية تعليم المرأة الفنون والآداب واللغة وأشاد بعضهم الآخر بوجوب حصول المرأة على التعليم الديني.

 

وعلى الرغم من أن ذهاب الإناث للمدارس خلال الفترة اللاحقة أمرًا نادر الحدوث إن كومينيوس (جون آموس) أحد أفضل المعلمين الأوربيين في أواخر القرون الوسطى كانت له رؤية في أهمية وجود نظام تعليمي لا يفرق بين جنس المتعلم، وأن الأمر يخضع لرقابة وإشراف الوالدين.. وكان مدافعًا صبورًا عن التعليم النظامي للمرأة.

 

أواسط العصور الحديثة

في القرن الثامن عشر وبدايات التاسع عشر كانت مناقشة موضوع تعليم المرأة مسألة جزئية ضمن أبواب فلسفة التنوير القائمة على التحرر وسيادة مذهب العقل.

 

وتعتبر لجنة التربية الوطنية التي تأسست عام 1777 في الكومنولث البولندي الليتواني أوّل وزارة للتعليم في التاريخ، وهي التي كانت في قوة هيئة مستقلة مسؤولة عن التدريب التربوي الوطني المشترك والعلماني. وقد قام الأكاديميون والعلماء البولنديون بتدريس النساء سرًا. وكانت ماريا سلكودوفسكا كوري المشهورة باسم ماري كوري أشهر هؤلاء الطالبات، وقد حازت ماري كوري على جائزة نوبل مرتين في الفيزياء والكيمياء.

 

وخلال القرن التاسع عشر أصبح هناك تطور مؤسسي ونظامي للتعليم العلماني للمرأة، والتعليم العلماني هو كل التعليم غير الديني والذي كان قاصرًا على الذكور لمئات السنين من قبل، وتم تأسيس كليات تعليم مخصصة للفتيات في منتصف هذا القرن.

 

النسوية ومواجهة التمييز ضد النساء

بدأت الحركات النسوية معاركها بمواجهة التمييز ضد المرأة والسعي لإزالة الحواجز التي تعوق الحق في التعلم، حيث إن مشاكل التعليم والعمل يُعتبران ضمن المواضيع التي عملت عليها الحركات النسوية في القرن التاسع عشر طبقًا لما ذكرته (هاربيت مارتينو) في مقالها صناعة النساء عام 1859 في مجلة إيدينبرج.

واستمرت المناداة بتعليم النساء وتحويل مسألة التعليم دون اعتبار لجنس الفرد لمناقشة واسعة النطاق، وليست قاصرة على اوروبا والغرب فحسب، وبعد عقود قليلة تم إقرار الحق في التعليم ضمن أحد بنود الميثاق العالمي لحقوق الإنسان.. وقد جاء في المادة 26 القول بأن لكلِّ شخص حقٌّ في التعليم. ويجب أن يُوفَّر التعليمُ مجَّانًا.

 

لماذا يُعد تعليم الإناث أمرًا هام؟

وبعيدًا عن النظر للموضوع من الجانب الحقوقي والأخلاقي؛ فإن مسألة تعليم الإناث يمكنها المساعدة في تعزيز المستقبل الاقتصادي للبلدان المتعثرة، وأيضًا مع ارتفاع نسب الإناث المتعلمات فإنه يلاحظ وجود تحسّن في مجموعة من المؤشرات المجتمعية:

النمو السكاني.

وَفَيَات حديثي الولادة وصحة الأسرة.

مشاكل الفقر وتدني مستوى المعيشة.

زواج القاصرات.

الأمراض والأوبئة.

 

لماذا أصبح تعليم الإناث شيئًا لا يمكن التخلي عنه؟

لقد تغيرت طبيعة الأدوار الاجتماعية كثيرًا مما كان عليه في الماضي حيث انتهى عصر جامع الثمار وراعية الأطفال وأصبحنا في عالم مليء بالتحديات والمسؤوليات المشتركة التي يشترك فيها الذكور والنساء بالمناصفة، بالتالي يجب أن يحصلا على فُرص متكافئة بما أن الرجل والمرأة هم قواعد بناء الأسرة والتي هي القوام المُصغر للمجتمع لكي نصل لمُجتمع متزن ومسؤول.

 

وأصبح موضوع تعليم المرأة لا جدال عليها فهي مسألة هامة لحياتها من الناحية الصحية والذهنية ومسؤولياتها التربوية والاجتماعية والاقتصادية.. ويمكن تلخيص ذلك في النقاط التالية؛

1- التنمية الاقتصادية والازدهار: سيمكّن التعليم النساء من التقدم والمساهمة في تنمية وازدهار البلاد عبر دخول سوق العمل بشكل مكافئ للذكور مما يُتيح للدولة موارد بشرية فعّالة ومثمرة.

2- التمكين الاقتصادي: طالما بقيت النساء مُتخلفات واعتمدن اقتصاديًا على الرجال أصبح من غير الممكن تغيير وضعهن العاجز، ولن يتحقق التمكين الاقتصادي والاستقلال إلا من خلال التعليم المناسب وتوظيف النساء.

3- تحسين الحياة: التعليم يساعد المرأة على العيش حياة جيدة، حتى لا تنسحق هويتها كفرد في المجتمع وتكون تابعًا لشخص ما بتقدمها في العمر وبتمكنها من القراءة تُصبح أكثر وعيًا بحقوقها وأكثر قدرة على المحافظة عليها

4- تحسين الصحة: ​​تدرك الفتيات والنساء المُتعلمات أهمية الصحة والنظافة كنتيجة للتثقيف الصحي، فتعليمهم مواضيع الصحة والنظافة الشخصية سيوفر لهم ولأطفالهم فيما بعد نمط حياة صحي مما يحميهم من الأمراض والأوبئة عن وعي وإدراك لأساسيات الوقاية.

5- العدالة: تكون النساء المتعلمات أكثر اطلاعًا على حقوقهن والأكثر حصولًا على العدالة، وسيؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى انخفاض حالات العنف والظلم ضد المرأة مثل: البغاء القسري، وزواج الأطفال، والتسامح مع الوأد (قتل الأجنة الإناث)، وما إلى ذلك.

6- حق اختيار المهنة: يمكن للنساء المُتعلمات تحقيق نجاحًا كبيرًا في ميادين الحياة، ولهذا يجب أن تحصل الطفلة على فرصة متساوية في التعليم، بحيث يمكنها أن تخطط لتصبح طبيبة أو مهندسة أو ممرضة أو مضيفة وما إلى ذلك.

7- تخفيف حدة الفقر: يُعد تعليم المرأة إحدى وسائل التخفيف من حدة الفقر، حيث أنه يجب على المرأة تحمّل عبء متساو من المهمة الضخمة للقضاء على الفقر وهذا من شأنه أن يتطلب مساهمة ضخمة من النساء المتعلمات، فلا يمكن أن يحدث أي تغيير اجتماعي واقتصادي إيجابي ما لم يتم منح الفتيات والنساء حقوقهم في التعليم.

 

كيف يؤثر التعليم اجتماعيًا واقتصاديًا:

– دور الأم الصحي والتربوي (اثر تعليم الإناث في نشأة الأطفال):

يُلقى على عاتق الأم وظيفة رعاية الطفل نتيجة لملاصقتها له في بدايات حياته بشكل أساسي وحيوي بهدف إطعامه وبالتالي يصبح من دورها الاهتمام بحالته الصحية في تلك الفترة الأساسية من نشأته وهو ما يستلزم حصولها على تعليم يؤهلها للقيام بدورها في هذه المرحلة.

 

ووفقًا لمبادرة الأمم المتحدة لتعليم البنات، فإنه يزداد احتمالية بقاء أطفال الأمهات المُتعلمات على قيد الحياة حتى سن الخامسة.

 

وكذلك الأمر من الناحية التربوية، فالأم هي الأقرب للطفل في بدايات حياته ومنها يستمد الطفل سلوكياته الطبيعية وإن كانت غير مؤهلة تربويًا للتعامل مع الطفل في تلك الفترة فلن يكون الذكر وحده قادرًا على مراعاة الطفل تمامًا فالتربية تقوم على المُشاركة بين الأبوين.

 

– المرأة المستقلة والمرأة المعيلة:

المرأة المعيلة هي التي تتولى رعاية وإدارة شؤونها وشؤون أسرتها ماديًا بدون الاستناد على رجل سواء كان زوج أو اخ أو أب، وقد تكون متزوجة أو لا وإن كانت غير متزوجة تُعرف بالمرأة المُستقلة.

 

وتنتشر ظاهرة “المرأة المعيلة” في الكثير من دول العالم وهي في ازدياد، وتصل نسبة هؤلاء النساء في أوروبا وأمريكا ما يقرب من 20% وفي جنوب آسيا والدول الأفريقية 30% وفي مصر وصلت إلى 35% وفي لبنان 12% وفي اليمن والسودان 8% وحسب إحصائيات الأمم المتحدة فان نسبة هؤلاء النساء في العالم كله يمثل 11% من أسر العالم.

 

ولكي تستطيع الدول مواجهة ظاهرة “المرأة المعيلة” فإنه يجب أن تمتلك المرأة فرص متكافئة وتحصل على التعليم مثلما يحصل عليه الذكور بحيث يصبح التعلم ركنًا أساسيًا في تكوين الشخص وتأهيله لمواجهة التحديات العصرية ودخول منافسة سوق العمل.

 

ولهذا تصبح مسألة تعليم الإناث مركزًا للنقاشات المطوّلة في أجهزة الأمم المتحدة المنوط بها تقديم الدعم والرعاية للمرأة وللطفل، ويصبح تعليم المرأة حق أساسي يجب الدفاع عنه والمطالبة برعايته وتطبيقه في جميع دول العالم.

 

المصادر..

https://en.wikipedia.org/wiki/Female_education

https://www.onlineschoolscenter.com/womens-studies/

https://www.unicef.org/arabic/education/24272_47775.html

https://borgenproject.org/top-10-reasons-female-education-important/

https://camfed.org/why-girls-education/



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك