معاناتي في المدرسة الخاصة

9 ديسمبر , 2016

تحقق الحلم أخيرًا وأصبحت مدرّسة في مدرسة ثانوية خاصة، فمنذ تخرجي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية اختصاص لغة عربية وأنا أحلم أن أصبح مدرّسة محترمة في مدرسة خاصة مرموقة، مدرّسة تحب التلاميذ والتلاميذ يحبونها، لأسلوبها الحديث والسلس في التقديم بعيدًا عن المدرسات اللواتي يرين مهنة التدريس مهنة رتيبة مملة تقوم بإعادة نفس الأفكار كل سنة بنفس الطريقة ونفس الرتابة، كنت انتظر أن أصبح مدرسة لأمارس هذه المهنة المشرّفة بأسلوبي الخاص وبطريقتي الفريدة بإيصال المعلومات بعيدًا عن التكرار والرتابة وبعيدًا عن الملل.

 فمنذ تعييني ابتدأت بالتدريس والعطاء . كانت فرحتي لا توصف وكان كل شيء على ما يرام، واستطعت أن ألمس محبة طالباتي لي وتقبلهم لطريقة عطائي وتجاوبهم معي، فكانت أسعد أوقاتي هي الأوقات التي أقضيها في مدرستي بين طلابي وأنا أزودهم بكل ما أعرفه من معلومات حول موضوع الدرس الذي أعطيه، والتلميذات تنصتن باهتمام كبير، ولكن ليس كل الطالبات للأسف

فقد كانت هناك فئة من التلميذات المشاغبات تتمثل في أربع طالبات، كن يثرن الشغب في الصف كله، ويؤثرن على تقديمي للدرس وعلى انتباه الطالبات إلي وإلى الدرس، فكنت أسيطر عليهن أحيانًا فيلتزمن الصمت والسكوت وينتبهن على الدرس من جديد، وأحيانًا أخرى كن لا يعرن كلامي وإنذاري وتنبيهي لهن أدنى اهتمام، فهن في مدرسة خاصة، ومعروف أن المدرسة الخاصة لا يدخلها إلا من يستطيع دفع المال لينضم إليها ، فهن يعتقدن بأنهن اشترين المدرس ويستطعن التصرف كيفما أحببن دونما أي اهتمام أو احترام للمدرس الذي يبذل كل جهده ليقدم للطالب المعلومات بأبسط طريقة ممكنة، بدون معاناة من الطالب أو شكوى بأنه لم يفهم الدرس.

 غير أن اعتقادي لم يكن في محله، ونظرتي لم تكن بمكانها، فما حدث هو خلاف ذلك كله.

فهؤلاء الطالبات الأربع على قلتهنّ إلا أنهن استطعن أن يؤثرن في الإدارة، فقد ذهبن لأهلهن يشتكين بأنهن غير قادرات على استيعاب وفهم الدرس والمعلومات، وأن المدرّسة لا تستطيع إيصال المعلومات إليهن فلم ينسجمن معها وطالبن أهلهن بمطالبة الإدارة بتغيير المدرسة، متناسيات في ذلك كله شغبهن وتفضيلهن الكلام والثرثرة والضحك على الدرس والعلم والتعلم، جاحدات جهدي في تدريسهن وتعليمهن بلا منّة مني طبعًا، فهذا عملي وهذا واجبي وأنا أقوم بكل ما باستطاعتي عمله في توصيل المعلومات لهنّ وتبسيطها وبطريقة مختلفة وجديدة تجذبهن وتثير اهتمامهن أيضًا.

فما كان من الأهل غير أنهم قاموا بالمجيء إلى الإدارة، وهذا هو التصرف الطبيعي، والقيام بالشكوى على هذه المعلمة الجديدة ((السيئة والفاشلة)) التي لا تحسن هذه المهنة التي تتطلب الصبر والتفاني والحرص على تعليم الطالبات.

أما الإدارة فقد سمعت لشكوى الأهالي باهتمام وإنصات تام مع التوعد بالنظر في الموضوع ومعالجته مباشرة، فتم استدعائي من قبل المدير وناقشني في ذلك، وأفصح لي عن شكوى أهالي هؤلاء الطالبات المشاغبات، فقمت بالدفاع عن نفسي وبأنني أبذل قصارى جهدي بشهادة طالباتي الأخريات، وكيف أنني لا أتوانى عن أي سؤال أو استفسار من أي طالبة حول أي تفصيل في الدرس.

وللأسف رغم تفهم المدير لموقفي وتصديقه لي لحضوره بعض دروسي، طلب مني أن أتجاهل هذه الشكوى المجحفة بحقي، وأن آخذ هذا الأمر بمنتهى الأهمية، ويجب أن يكون تركيزي بشكل خاص حول هؤلاء الطالبات بسبب شكوى أهاليهن، هذه الشكوى التي في حال تكرارها قد تنذر بانفصال أربع طالبات من المدرسة بشكل نهائي، ولكن هذا ماذا يعني؟

هذا يعني أمرًا كبيرًا ومهمًا وشديد الخطورة على المدرسة الخاصة، فهي تعير طالباتها اهتمامًا كبيرًا وزائدًا عن المدارس الحكومية بسبب الأموال التي يغدقها الأهالي على الإدارة مقابل ذلك الاهتمام الكبير، فهذا الفصل سيؤدي لنقصان قسط أربع طالبات، أربع طالبات سيؤثرن في ميزانية إدارة هذه المدرسة هذه السنة، ولذلك على المدرس وإن كان مظلومًا أن يتجاهل الإساءة إليه وأن يتقبل الشكوى برحابة صدر، فالأهالي تدفع وهذا كفيل بالانصياع لهم ولأوامرهم وشكواهم تحت موافقة الإدارة على مثل هذه الأمور على كثرتها.

فبشكل دائم تتم الشكوى على المدرسات لسوء تصرفهن مع الطالبات أو لسوء تدريسهن أو غيرها من الحجج الواهية التي تعاني منها الطالبة (المسكينة)، والتي تؤثر على نفسيتها وتسوء بحالها وتؤثر على تحصيلها العلمي.

ولكن ما نتيجة هذه التصرفات في المستقبل؟


على مستوى الإدارة ستستمر بإهانة الأستاذ بهذه الطريقة، طبعًا فقط الأستاذ الذي يعطي من قلبه ويبذل الجهد الكبير ورغم ذلك يكون الحق مع الطالب المسكين، الذي هو في الحقيقة الحق عليه.

على مستوى المعلم، فهو على الغالب لن يتحمل الإهانات بشكل مستمر إلا لو كان في حاجة شديدة لهذه الوظيفة، فاحترام الأستاذ وتقدير جهوده واجب على الطالب، وتجب معالجة مثل هذه المشكلة من ناحية الطالب وليس من ناحية الأستاذ، ويجب إخبار الأهالي بذلك مع متابعتهم لأبنائهم بشكل مستمر، فقط لولا ((أقساطهم)) التي تقف الإدارة أمامها موضع التقدير والاحترام.

وعلى مستوى الطالب فهذا الدلال الزائد والمفرط لا شك سيؤدي لإنشاء جيل جديد غير قادر على تحمل المسؤولية، غير متمكن من معلوماته بسبب إهماله وإهمال أهله وإدارة مدرسته له.

 فكان هذا الموقف صادمًا لي ولحلمي في العمل بمدرسة خاصة مرموقة، فتبينت لي كل الأمور بالتجربة عن قرب.


إقرأ أيضاً: مغتربة في مدارس الأمريكان!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك