وأنا تخرجت من التوجيهي، ولكن على طريقتي

1 يوليو , 2013

في فلسطين المحتلة لا يطلقون على المرحلة المدرسية الأخيرة من عمر كل طالب ب”التوجيهي” إنما اسمها هو “الثانوية” وامتحاناتها اسمها “امتحانات البلوغ”- مترجما-. المعدّل النهائي لهذه الامتحانات يشكّل وزنها في معايير القبول للجامعات والمعاهد العليا ما نسبته الخمسون بالمئة أي النصف، حتى ذلك الحين فإن الطالب المجتهد يبذل جلَ وقته للنجاح وتحصيل أكثر ما عنده من طاقة في هذه الامتحانات. لكن للأسف فإن طاقة الطالب المجتهد في هذا المعدّل بالذات مرتبطة أيضا بعوامل خارجية إضافية، لأن المعلّم الذي يدرّس الطالب على مدار 3 سنوات يساوي تقييمه أيضا حجم النصف، والنصف الآخر هو ورقة الامتحان باسم مجهول بمصلّح خارجي. لن أخوض في تفاصيل مبنى المنهاج الدراسي هنا، وسأترك ذلك لمقال آخر يتحدث بالتفصيل عن الموضوع.

كنت أعي تماما المسؤولية المترتبة على عاتقي في هذا المضمار، مضمار تحصيل أعلى معدّل أقدر عليه، ويعني هذا تماما دراسة أيام كاملة من أجل وحدة واحدة من أصل كل خمسة وحدات، الابتعاد عن كل مغريات الحياة اليومية، اعتزال الجلسات الاجتماعية واللقاءات الترفيهية مع الصديقات، ببساطة شديدة كالناسك في صومعته. ولما قلت أعلاه “للأسف” فيما يتعلق بارتباط علامة الطالب بمعلّم المادة، فإنه حقيقة وواقعا ليس كذلك، لأن علامة التقييم التي يضعها المعلم هي في صالح الطالب غالبا، ولهذا درجت تسميتها ب”العلامة الواقية” لأنها ترفع من معدّل العلامة النهائية ويكون المقصود بها هو رفع معدّل العلامة النهائية بعد حسابها مع علامة الامتحان ذي التصليح الخارجي، وهي سياسة تهدف للعدل نوعا ما، بحيث لا يوضع مستقبل الطالب في كفّة امتحان مصيري واحد، بل جعل اجتهاد الطالب وتعبه على مدار السنوات أيضا ذو قيمة.

الى هنا يبدو كل شيء معهود بالنسبة للكثيرين وورديّ بعض الشيء. نعم ورديّ جدا في بلاد الألمان أو الأمريكان، أو نسبة الى منطق الصهاينة، أما في منطق العربي، فان تدخّل معلمك في وضع علامة تستحقها أو أكثر مرهون بسكوتك على ظلمات 3 سنوات أقل أو أكثر بقليل، على ضيم، على محسوبيات وواسطات، على “كشفك” لخطأ تدريسي بحت وقع فيه الأستاذ، على فشله في إفهام طلبته المادة مع أنه يقع بين يدي أفضلهم وأذكاهم، على كسله، على ملله.. وأنت لست ملزما فقط بالسكوت وحسب، بل بتوزيع المجاملات، والضحك ومبادلة النكات من بايخها الى أبيخ، والبعض يصل بهم الأمر إلى دعوة أهليهم الى زيارة المعلم في بيته مع “صينية كنافة” أو حتى الإدارة وتوزيع الحلوى على أفرادها وعامليها نفرا نفرا. كما أنك مجبر على تحمّل وقوعك بين يدي أستاذ يتمنى لك الفشل، لأنه لا يطيق عمّك أو أخيك مزاجا.. كل السيناريوهات من هذا القبيل أو أسوأ محتملة وممكنة وواقعية.

قبل دخولي مرحلة الثانوية كنت أعتبر نفسي “مشكلجية”، أو كما قال درويش “لا شيء يعجبني”، وكنت أسمح لنفسي التعبير عن رأيي دون أن أفكّر مرتين، حتى ذلك الحين يمكن القول أني تصرفت طوال الوقت “على سجيتي” وأقف في وجه المعلم المزاجي حتى في ظلمه لغيري من الزملاء، وكنا في بعض الأحايين نتآمر أنا وصديقاتي على أحد المعلمين بسبب تكراره الممل للمادة وعدم تقدمّه فيها، فنرفض أن نستجيب لفتح الكتاب أو الاجابة على الأسئلة، وأذكر ذات مرة أن الصف بجميع من فيه قرر أن يطفّش معلم الرياضيات لأنه يفشل في إفهامها لنا، فصار كل طالب يدّعي أنه لم يفهم نقطة معينة في مسألة رياضية وهكذا دواليك الى أن انتهت الحصة ونحن نحلّ بسؤال واحد والمعلم صابه الضجر وتعهّد أنه لن يدخل الى صفّنا مجددا مقدمّا شكواه للمدير، وفي مرّة قرر جميع طلاب الصف أن يسلّم ورقة الامتحان فارغة، جميع من فيهم احتجاجا على سوء التدريس، ليصدم المعلم أثناء التصليح بورقات فارغة، والسعادة تغمرنا لأننا نجحنا في احراجه وتطبيق خطّة جماعية وضعت إدارة المدرسة في مأزق. نعم هذا كله كان يحدث وأكثر.

وها نحن ندخل المرحلة الثانوية وها نحن نتخرّج منها، لكن دون ذكريات خاصة تذكر، اللهم هي زعرنات متكتمة، أبلغ المصائب أن يعرف من فاعلها، لأنه سيقف على محك الابتزاز، وسيضع مستقبله أو جزءا منه حسب طموحه المستقبلي على كفّ عفريت. سنوات الكبت هذه لم تكن سهلة عليّ ولا على صديقاتي ممن لم يفقدوا حسّهم الانساني بالحاجة الى العدل، وكنا طوال سني السّكوت نتعهد ثم ما فتئنا أن نذكّر بعضنا ونحن جلوس على بعد خطوات من عتبات المدرسة  أننا سننتقم من هؤلاء جميعا، هؤلاء الظلمة إلا من رحم ربي طبعا.

أنهينا الثانوية وتم تسليم العلامات رسميا لوزارة المعارف، وانعتقنا من حبل كان يلف أعناقنا بأيدي أساتذتنا، ولما التقينا للمرة الأولى تفتّقت قلوبنا المملوءة عن خطة انتقامية لا هوادة فيها. لا زلت الى اليوم وقبل أن أطلعكم على تفاصيل المغامرة أتساءل عن مصداقية هذا الفعل أخلاقيا، لكني لا زلت أحتفظ بسعادتي أنني أغلقت الدائرة على من ظلم ولم تبق الحسرة في قلبي حتى بعد التخرّج والرحيل.

قررنا أن نكتب منشورا مجهول الإسم بلغ طوله أربع صفحات كاملة عن كل أستاذ وآخر سمحت لهم أخلاقهم بالعمل الفاسد وعدم إخلاص نيتهم في تدريس الطلبة والتزام الحياد تجاههم والمساواة بينهم. قمنا ببساطة شديدة بمسح شامل لأسماء معلّمي المدرسة وموظفيها الإداريين وحتى المدير نفسه، وصنفناهم وفق نوعين “الفاسد” و”الصالح”، بالنسبة للفاسد فعلّقنا اسمه مع عنوان بارز لطبيعة فساده وفقرة كاملة في عشرة أسطر تحدثنا فيها عن أفعالهم وحركاتهم الخسيسة التي اعتقدوا أنها من المسكوت عنها نظرا لحاجة الطلاب إليهم، وحددّنا تقصير كل منهم في واجباته التدريسية، كانت التهم بسيطة جدا، وحقيقية وجمالها وعظمتها كان في أنها وأخيرا وبعد سنوات غابرة من الصمت ستقال لأول مرة على رؤوس الأشهاد وأمام الملأ من الأهالي وأبناء البلدة جميعا،  وبالنسبة للصالح فقد امتدحناه هو وثلة قليلة أخرى من المعلمين نردّ لهم الفضل ونقرّ لهم بالعرفان.
نعم قررنا الصراخ وأخيرا “الملك عارِ، الملك عارِ”، قمنا بطبع عشرات النسخ، ووزعناها فيما بيننا على ثلاث فرق، كل فرقة طالبتين متخرجتين، فرقة تقوم بتوزيع المناشير سرّا في المدرسة على سيارات الأساتذة، وفي غرف الصفوف وعند مدخل الادارة، كان هذا بعد الاستيقاظ مبكرا في الصباح واختلاق الحجج لأهالينا حول سر خروجنا في هذه الساعات قبل موعد حضور أي شخص كائنا من كان ساحات المدرسة، واحدة تعلّق والأخرى تراقب قدوم البواب أول الفاتحين لبوابات المدرسة، لكننا كنا قد تجاوزنا الموضوع من خلال البحث عن مدخل أي كان حول سور المدرسة (كناّ نشبه العصابة على أقل تقدير). أما الفرقة الثانية فكان واجبها الجوامع وساحات تجمّع المصلين، على سياراتهم، وعند مدخل كل مسجد حتى يتناولها الخارجون من الصلاة، والفرقة الثالثة فكانت مهامها وضع ذلك في محلات لبيع المواد التموينية على مدخل القرية حتى تصل أصواتنا الى مسامع حتى من هم خارج القرية، ونتعمد بذلك إفقادهم السيطرة في التستّر على الموضوع.

هكذا وفقط هكذا ضمنت لنفسي شيئا من الراحة النفسية، بعد أن انتقمت من هؤلاء الفاسدين، وتم إقرار كتابة المناشير باسم مجهول، لأن الشهادات الرسمية من وزارة التربية والتعليم التي تصل الى المدرسة تحتاج الى توقيع الادارة، وهذا قد يقضي على مستقبلنا التعليمي في حال تعنّت أحدهم للاقتصاص منا، والا وبرأيي لم نكن لنخشى هؤلاء ولقناهم دروسا تمنعهم عن إلقاء الحبل على غاربه كما يودّون أو كانوا يعتقدون مستقبلا. بعد أن ضاجت البلدة في هذه المناشير، ولم ينم متهموها في محاولاتهم البائسة في التحقيق حول أصل الحادثة ومرتكبيها، حتى أن البعض منهم انتقل الى مدارس جديدة لأنهم لم يعرفوا الى أين يذهبون في وجوههم، وسجّلت القضية ضد “مجهول” كما أردنا وخططنا.

community-news-8-06032013-1.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك