وسط كل هذا الخِضَمّ المعرفي: كيف أحدد ماذا أقرأ؟

9 مايو , 2016

لتحديد ماذا تقرأ لابد من بوصلة توجه اختياراتك، هذه أبرز معاييرها:

معيار القصد، وهو على مرتبتين:

الأولى: تقويم النية بألا تكون غاية المتثقف المباهاة بغزارة علمه أو حشد قدرات التفوق عند الدخول في حوار أو الغلبة عند الخوض في جدل؛ فقد نهانا المصطفى – صلى الله عليه وسلم – عن ذلك: «لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَلَا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ، وَلَا تَخَيَّرُوا بِهِ الْمَجَالِسَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالنَّارُ النَّارُ».

فالعلم الحقيقي والبصيرة المستنيرة هي هبة خالصة من المولى سبحانه وتعالى، هو سبحانه الذي يؤتي الحكمة، وإنما جل ما نفعله هو أن “نطلبها” ونأخذ بأسبابها بغية التزكي والترقي والنفع، وإنما الموفق من وفقه الله تعالى.

الثانية: تحديد “الحاجة” إلى المادة بين يديك، من طلب حكمة وتبين حق، أو دفع جهل وإيقاظ وعي.

فالمرء لا ينسى ما يحتاج، ولا ينسى ما يسعى منتبهًا واعيًا لتحصيله. إننا نشرب في حياتنا ملايين أكواب الماء، لكن الكوب الذي نستشعره ويتصاعد له الحمد من صميم قلوبنا، هو ما يكون بعد عطش حار أو صيام طويل، أي في قمة “احتياجنا” إليه. نادرًا ما يحتاج المرء شيئًا حاجة حقيقية ثم لا ينتفع به إذا حصّله.

مراعاة الأولويات في البناء الثقافي:

تعني مراعاة سلّم الأولويات الثقافية من حيث مجالات العلم: اللازم مثل العلم بالدين وفروضه وما لا يسع جهله؛ ثم التخصصي؛ ثم التوسعي، لأننا نسعى “لبناء” متين، وليس لكــمّ متراكم والسلام. وفيما عدا اللازم والتخصصي، فمنهج التوسع يعتمد على:

1. دائرة تخصص الشخص التي اختارها.
2. دائرة الحركة والتأثير التي يسعى لها أو يتصل بها المثقف.
هاتان الدائرتان تضبطان بوصلة التوسع الثقافي، لأن الثقافة ليست مجرد فوضى معرفية أو معرفة عشوائية كما اتفقنا.

الحرص على التدرج وتكوين المناعة الفكرية:

neely-news-11

فالذي يبدأ مسيرته الثقافية بالتجول في كلام المفكّرين من كل المذاهب والمدارس، ويقلب فكره في كل ما يقع عليه بصره من مواد، سيقع فريسة لا محالة للبعثرة الفكرية، والتذبذب، والحيرة والشك، لأنه لم يعتن بالبنيان من أساسه، كالغراب الذي حاول أن يتعلم مشية الطاووس فنسي مِشيته!

إن الذي ينشغل أول ما ينشغل بالاطلاع على فكر “الآخر”، سواء كان هذا الآخر من نفس بيئته الثقافية وإن اختلفت التوجهات، أو من ثقافة أخرى مغايرة تمامًا، الذي ينشغل بأولئك أولًا يكون كمن يدخل حَجْرًا صحيًا وليس عليه ثياب عازلة واقية! إنه بهذا يعرّض نفسه للهلاك الفكري والعملي، فالعمل القويم لا ينشأ إلا عن ثقافة راسخة. فلا يميل المرء مع كل من مال، ولا يتشرب أي فكر من أي أحد.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

[…] وسط كل هذا الزخم المعرفي: كيف أحدد ماذا أقرأ؟ […]

[…] لذلك لا غنى عن سؤال نفسك قبل الشروع في أي تصفح: لماذا أقرأ؟ وقد استوفينا هذا السؤال في مقال سابق، أما عن أنواع […]

أضف تعليقك