أنا أُحب العلم

11 فبراير , 2019

أنا أحب العلم

آية .. أنا أحب العلم! .. كل ما أريده في الحياة هو أن أدرس وأتعلم، هذا هو شغفي

وجدت هذه الرسالة على هاتفي من صديقتي المقربة، بعد نقاشات طويلة بيني وبينها عن الهدف الذي نرغب في تحقيقه في الحياة.

قضينا وقتًا طويلًا لأعوام نتحدث عن أحلام وأهداف وأفكار، ولم نجرؤ يومًا على الاعتراف بأنه ربما الهدف الحقيقي من كل هذا السعي هو فقط التعلم.

أحيانًا يصعب علينا الاعتراف بالحقائق الواضحة أمامنا، ربما بسبب أننا عشنا حياتنا في دول تتفنن في تعقيد العملية التعليمية، وتمارس علينا التجهيل المتعمد لسنوات.

أفكار بالية وأساليب حياة لصقت بنا، وعندما كبرنا وفهمنا بعيدًا عن هذه الأنظمة، أصبحنا في صراع لكي نتخلص من آثارها، ولكي نحقق ذاتنا، وقبل أن يحدث هذا أو ذاك، وقفنا لنسأل من نحن وماذا نريد؟

الدحيح

بدأتُ مؤخرًا في متابعة حلقات الدحيح باهتمام شديد، حتى أنني أصبحت أستخدمها كخلفية موسيقية أثناء عملي عندما أشعر بالملل وأرغب في تنشيط عقلي ليعود للعمل بتركيز وقوة.

إن كنت لا تملك فكرة عما أتحدث عنه، فهذا برنامج عربي لتبسيط العلوم على يوتيوب، حيث يقوم المُقدم في كل حلقة باختيار موضوع علمي مثير وشرح بعض نظرياته وتفاصيله بطريقة ممتعة بالنسبة إلى الكثير وتجعلك تتساءل باستمرار، ما الذي كنا ندرسه في النظام التعليمي على مدار 12 عامًا؟

دفعني حب مشاهدة هذا البرنامج إلى متابعة برامج أخرى مثل إيجيكولوجي والاسبتالية، ووجدت فيها كذلك محتوى مشوقًا ومُحترمًا لعقول المتابعين والمشاهدين العرب أخيرًا.

وإن كنت بشكل شخصي أفضل جرأة الدحيح والاسبتالية في طرح المواضيع المسكوت عنها اجتماعيًا وعلميًا وتوضيح كيف عشنا في فترات ظلام عقلي وعلمي في خرافات تعاملنا معها باعتبارها عقيدة دينية ثابتة لا ينبغي الحياد عنها.

تبسيط العلوم Pop Science

دعني أوضح لك شيئًا مهمًّا، هذه البرامج ليست المصدر الأفضل لتحصيل العلم والمعرفة، في النهاية هي تندرج تحت فئة الـ Pop Science أو العلوم العامة أو العلوم  المُبسطة، وهي حسب تعريف ويكيبيديا:

كتب أو مقالات تكتب بلغة مبسطة كأنها تفسير للمواد العلمية البحتة بغرض تقديم أفكارها ونتائجها لغير المختصين دون الخوض في تعقيدات المعادلات أو الصياغات العلمية المعقدة. وهي تختلف عن الصحافة العلمية في أن الأخيرة تركز على الأبحاث العلمية الحديثة والتطورات العلمية الحديثة جدا، في حين تكون الكتب العامة العلمية واسعة النطاق وغالبا ما تكتب من قبل صحافيين لتقدم بأشكال متعددة (كتب، وثائقيات تلفزيونية، مقالات صحفية عامة) أو حتى على صفحات الويب.

لكن يبقى لهذا النوع من الكتابات محاذيره ما لم يكن الكاتب متمرسًا بشكل جيد في العلوم التي يكتب بها؛ لأنه قد يقدم تفسيرات وشروحات مضللة لبعض النظريات العلمية.

لهذه الأسباب المذكورة في التعريف لا يمكنك استخدامها بديلًا عن المدارس أو الطرق التقليدية لتحصيل العلم، لكن ما أرغب في التحدث بشأنه هو الإقبال الشديد على هذه الفئة من البرامج من الشباب العربي، حتى أنها تصل في بعض الأوقات لنسبة مشاهدة تتخطى المليون، ونحن هنا نتحدث عن برامج تتعمق في سرد مواضيع فكرية وفلسفية وعلمية بشكل غير سطحي على الإطلاق.

ربما هذا ينفي تهمة السطحية والتفاهة وانعدام الثقافة أو الرغبة في التحصيل العلمي التي رافقت الشباب العربي وخاصة في السنوات الأخيرة عندما أصبحنا نُعرف باسم جيل الإنترنت.

أنا لا أنكر وجود العديد من مظاهر السطحية المنتشرة على الإنترنت في المحتوى الذي نشاركه بصفتنا مستخدمين عربًت وشبابًا، ولكن هذا الأمر لا يقتصر علينا وحدنا، وبعيدًا عن هذا الجانب، أحاول أن ألقي الضوء على نصف الكوب الممتلئ، في وجود ثقافة جديدة تنتشر بيننا للاطلاع على العلوم والأفكار المختلفة، والتي يغلب عليها محاربة أفكار ومعتقدات علمية واجتماعية ثابتة وراسخة في أذهان بعض الناس، وأسهمت في تشكيل مجتمعنا لسنوات طويلة.

حتى إن بعض المعارضين لهذه الأفكار يحاولون أحيانًا رمي اتهامات تصل للكفر على من يقومون بصناعة هذه المحتويات العلمية، وأنا الآن لا أتحدث فقط عن البرامج الثلاث، بل عدد كبير من مشاريع المحتوى العلمي العربي على الإنترنت، بدأت مع مواقع عربية علمية منذ 5 سنوات أو أكثر، عندما بدأ الباحثون و المهتمون بالعلوم في الكتابة والترجمة بشكل أكثر تخصصًا عن هذه المواضيع في شكل مبسط وسريع يسمح للقارئ العربي بالاطلاع عليه دون ملل.

لماذا نشاهد؟ نقرأ؟ ننتج؟

من حقنا الآن أن نطرح تساؤلًا عن سبب الاهتمام الكبير بمثل هذه النوعية من المحتوى العلمي العربي، وإقبال المزيد من الشباب على التطوع والإسهام في إنتاجه في العديد من المشاريع العلمية الثقافية التي لا يتقاضون فيها أجرًا، لكنهم يقضون وقتًا طويلًا في إعداد وتنسيق وتدقيق هذه المحتويات لإيصالها لغيرهم.

هل نحب العلم حقًّا؟ هل نفتقد هذا الشعور بالتعلم وإعمال العقل؟

نحن نسعى للمعرفة بكل ما أوتينا من شغف، نتطلع لفهم العالم وإدراكه والإحساس بالحياة وقيمتها من خلال معرفتنا وعلمنا، نشعر وكأننا فعليًّا على قيد الحياة وقادرين على المواجهة والاستمرار في خوض معاركنا اليومية والانتصار فيها، حتى وإن أصابتنا الهزيمة، نتعلم كيف ننهض لنفوز في معركة قادمة.

لم يعد هُناك درجات تحدد مدى نجاحنا أو فشلنا في الاختبار، أدركنا وفهمنا أن الحياة لا يمكن قياسها بمقياس واحد، ولم تُعد تهُم هذه الدرجات والتقييمات في شيء. في الواقع هذه الدرجات لم تنفعنا يومًا عند خوض المعارك الحقيقية.

لا مزيد من العلوم المُعلبة الجاهزة، والمعلومات السطحية التي يصفونها بالعمق والتخصص، لا نحن متُخصصون ولا حتى مُتعلمون.

نحن أشباه .. بين هذا وذلك، ندرس طوال سنوات، ونكتشف فجأة أن هناك الكثير الذي فاتنا لندرسه ونحن طلاب في المدرسة والجامعة، فنقضي السنوات اللاحقة في محاولة للتعلم، لكن هذه المرة بحُرية أكبر.

يتعلم الإنسان طوال عُمره، لا يستطيع أن يتخلى عن شغفه في الاطلاع والمعرفة والبحث، فقط هم يقتلون هذه الصفات في البشر بتحديد مراحل للتعلم ومنحنا الدرجات عليها.

يقولون إن من يكبر في السن هو من يتوقف عن العلم، هو من يفقد رغبته في اكتشاف الحياة ومعرفتها، وعند هذا التعريف تكتشف مدى قبح المثل المصري القائل (بعد ما شاب ودوه الكتاب) الذي يدمر كل معاني الحياة والإقبال عليها.

ما فائدة العُمر دون مُباركته بالمعرفة والعلم؟ وما فائدة المعرفة والعلم دون العمل بهم؟

دع روحك الشابة تلاحق العلم أينما كان، لا تتوقف عن البحث عنه، حتى وإن اتهموك بالجنون والسحر والكُفر، اعلم أن هذا ليس فقط سمت العلماء، بل هو سمت الإنسانية، فلا تحاول أن تتخلى عن إنسانيتك.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك