أَهُوَ “تَنَمُّرٌ” أَمِ “اسْتِضْعَافٌ”؟

29 سبتمبر , 2018

تَفَشَّى في التربويين قولُهم: التَّنَمُّر، يقصدون به الأصل الإنجليزي: “Bullying” ثم تستفيض الشروح تبيينًا لكونه نوعًا خاصًّا من العدوان، يشترط فيه التكرر، ويكون عدوانًا على فرد واحد ضعيف، يَبَزُّه فردٌ أو جماعة، ويتَقَحَّمُون عليه حياته، فتارةً يَهْزَؤُون به، وتارةً ينالُون من مَتَاعِه، وتارةً يُذِلُّونه طَلَبًا لِهَوانِه وتجاسُرًا على سُكونِه، ويكون نَيْلًا من شَرَفِه المعنوي أو جسده، عن طريق رسائلَ تستفزه أو تضايقه باللسان أو باليد أو بما يزيد على ذلك.

ومضى التربويون في طريقهم، كلٌّ يحاول حصر الداء ووصفَ الدواء، وكأنهم أجمعوا على أن هذا الضعيف إذا انتَفَضَ من سكونه، وجابَهَ بقوةٍ وحزم، تخاذَلَ عنه المعتدي، والتَزَمَ رعايةَ حُرْمَته، كما وصلوا أيضًا إلى أن المشاهِدَ الساكِتَ على العدوان، يُعين بسكوته، فلو أنه بلَّغَ أو رَفَضَ فِعْل المعتدي، ولم يُهْدِ إليه نظرةَ الإعجاب والإعظام، بل أبدلها بنظرة احتقار أو تسفيه؛ لكان لهذا بالغُ الأثر في منع وقوع هذه الجريمة، إلى آخر ما اتفقوا عليه واختلفوا.

وفي هذه السطور نناقش هذا المصطلح في نَقْلِه إلى العربية، وليس لنا تَدَخُّل في سَكِّه الأوَّل في الإنجليزية، فإنها سماءُ غيرُ سمائِنا، وناسٌ غير ناسِنَا، ولا يُقاس القريب على البعيد لِفَارِقِ ما بين الحالين في طبيعة النَّفْس وطبيعة البيئة وطبيعة الباحث والمبحوث فيه، وقد أبطل علماء أصول الفقه القياس الذي مع الفارق! فَلْيُتَبَيَّن ذلك في كتبهم.

فليس إذن نقاشُ المصطلح مجرَّدَ اعتراضٍ لُغَوِيٍّ، ولا تَفَاهة شكلية، بل هو في صميمِ المحتوى، فمَن دَرَى كيفَ تتحرك الألفاظُ في أبناءِ كلِّ لسانٍ بحقِّها، وكيف تفعلُ وتُؤثر، يَدْرِي أن وضعَ الكلمة في غير موضعها مفسدٌ للعِلم والعالِم والمستَقِي جميعًا، وهو فيما أرى حالُ التربويين العَرَب مع هذه اللفظة التَّنَمُّر بل مع هذه الظاهرة على الحقيقة، ولستُ أهوِّل لك هنا أمرًا هيِّنًا؛ لأجد لقولي مَسْلَكًا أو وجاهة، ولكني أصدقُكَ البيان، فلا تَغْتَرَّ بما ملأ عينيك مما قرأتَ عندهم عما تقرأ هنا، ثم إذا وعيت ما أقول فاقْبَلْ أو اطْرَح غير ملومٍ في أيٍّ ذلك فعلتَ.

ما معنى تَنَمَّر يَتَنَمَّرُ في العربية؟

تعني أنه تَشَبَّه في سلوكه بالنَّمِر، كأن لَبِسَ جِلْدَه، أو هَجَمَ هُجُومه، وصنع مع فرائسه مِثْلَ صنيعه، وفي هذا كنايةٌ عن المحاربة وشِدِّة البَأْس، وهذه كلها وصوف تكون في الحق والباطل، فيُحمَدُ بها صاحبُها أو يُذَم، وإن كانت إلى الْمَدْح أقربَ في استعمال العرب غالبًا.

يقول ابن مَنْظور في لسان العرب بتصرف يسير: وَقَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ [وهو فارس من أَفْرَس رجالات العرب وسادتهم]:

وعلِمْتُ أَنِّي، يومَ ذاكَ … مُنازِلٌ كَعْبًا ونَهْدا

قَوْمٌ إِذا لبِسُوا الحَدِيدَ …  تَنَمَّرُوا حَلَقًا وقِدَّا

أَي تَشَبَّهُوا بالنَّمِرِ لِاخْتِلَافِ أَلوان القِدِّ وَالْحَدِيدِ، وكَعْبٌ ونَهْدٌ قبيلَتَانِ، وَكَانَتْ بَيْنَ الشاعر وَبَيْنَهُمْ حُرُوبٌ، وَمَعْنَى تَنَمَّرُوا تَنَكَّرُوا لِعَدُوِّهِمْ، وأَصله مِنَ النَّمِر؛ لأَنه مِنْ أَنكر السِّبَاعِ وأَخبثها. يُقَالُ: لَبِسَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ جلدَ النَّمِرِ إِذا تَنَكَّرَ لَهُ، وَكَانَتْ مُلُوكُ الْعَرَبِ إِذا جَلَسَتْ لِقَتْلِ إِنسان لَبِسَتْ جُلُودَ النَّمِرِ؛ ثُمَّ أَمرت بِقَتْلِ مَنْ تُرِيدُ قَتَلَهُ، وأَراد بِالْحَلْقِ الدُّرُوعَ، وبالقدِّ جِلْدًا كَانَ يَلْبَسُ فِي الْحَرْبِ…

إذن هذا هو التنمر، وليس مقابِلًا ولا مُلاقِيًا للمعنى الإنجليزي التربوي في شيء إذا قيس بكلمة استَضْعَفَ يَستَضْعِفُ وهو حاقُّ المعنى المقصود عند التربويين، فالاستضعاف يكون ممن يَرى له نوعَ غلبة، ويَنزِل الاستضعاف بمن لا يَدْفَعُ عن نفسه، ويكثُرُ تكرُّره ما بقي الضَّعْفُ في الطرف الأدنى، وما بَقِيَت القوة ولو نفسيةً في الطرف الأعلى، وهو من لذات النفس الدنيئة، فيزهُو به المستضعِف، ويَتِيه، ويختال، ومثاله قول الله تعالى عن فِرعون مع بني إسرائيل حالَ قوته وضعفهم: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا، يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وهذه صورة واضحة في الاستضعاف، ويروق للسياسيين أن يجعلوها من باب إهدار حقوق الأقليات، وفي هذا خطأ آخر ليس من بابتنا هنا الآن.

وهو نفسه استعمال القرآن في قوله: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا، وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ فإما أنه أورثهم المشارق والمغارب [كما عند نحاة البصرة] أو أورثهم الأرض التي بارك فيها [كما عند نحاة الكوفة، وهو أَعْجَبُ إليَّ، ولعلها الجنة]

وأيًّا ما يكن فكلمة ضعُف فعل لازم، أي ضعُف فلان فصار ضعيفًا، وهذا يُغري مَن يَقدِر عليه أن يَسْلُبَه حقَّه، ويمتهِنَ كرامته، وينتَهِب جهدَه ومتاعَه ونحوَ ذلك، وهو نفسه ما يريد التربويون بقولهم “Bullying” ومشتقاتها.

وزيادة السين والتاء في استضعفَ تدخل في باب القوة، كقول العرب: استَهْتَر واستكبَر، كما يدخل في باب المصادفة، كقولهم: استبخلت زيدا واستكرمته إذا صادفته بخيلًا أو كريمًا، وثالث الأبواب التي يدخل فيها هو باب الصيرورة المجازية، مثل قولهم: اسْتَنْسَر البُغَاثُ أي رأى نفسَه نَسْرًا، واستَنْوَق الجمَلُ، أي مَشَى مِشيَةَ الناقة، وغير ذلك؛ فكلمة استضعف تشير إلى هذه الثلاثة معًا، فالمعتدِي فيها يصادف ضحيةً لا تحسِنُ تدفع عن نفسها؛ فيجدها ضعيفة، ويتخذها ضعيفةً يسطو عليها، ولو بالتلميح واللمز والغمز، ثم يستقوي عليه، حتى يصير قويًّا لسكوت الناس عنه، وسكون الضعيف إلى ضعفه. ألا ترى القرآن يستعمل هذا الوزن مع فرعون تارةً أخرى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ فقد وزنهم فوجد فيهم خِفَّةً تجعلهم يتقبلون الضغط والإهانة وغيرَ ذلك.. وهو عين ما يقصده التربويون أيضًا.

أما بعد؛ فإنَّ فَهْمَنَا للأمر على هذا النحو يُغيِّر كثيرًا من تصورنا للظاهرة ولعلاجها، ويفتح بابًا من الدراية عند الأب والأم والمعلِّم أن يعلِّم الفتى والفتاة معنى القوة! كلٌّ على ما يليق به، فالقوة والإباء صفات نفسية عربية عريقة، لا تحتاج منا أن يقوم استشاريٌّ نفساني أعجميُّ الثقافة، يخلِطُ لنا بلسانِهِ كلمةً إنجليزية بأخرى عربية [وينطق العربية بسخف وسماجة] ويستطيل بما حازه من “PhD” ونحوها في بلادهم، أو في بلادنا على طريقتهم ومنهجم، مطبِّقًا على عينات أصلية وأخرى ضابطة وأخرى وأخرى… ومستخرجًا معاملات ارتباط ونسبًا مئوية وإحصاءات وغير ذلك مما يجذب عيون ضعفاء العرب، حتى يُذعِنوا، وينبطحوا، ويطلبوا النصح والإرشاد والتقويم، وهلم جرًّا.. وهذا نوع آخر من الاستضعاف يجب الكلام عليه قبل الكلام على استضعاف الطفل للطفل في المدرسة.

يا رعاك الله إنَّ طفلًا شَدَا طَرَفًا من أشعار عنترة، وحفِظَ سُورًا من القرآن الكريم، وحُكِيَ له عن بعض أمجاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزواته، وتنَفَّسَ بعضَ أنفاس العرب، قُبَيلَ دخول المدرسة لَحَقيقٌ بألا يحصل له ذلك الاستضعافُ الذي يسمُّونه خطأً تنمرًا، ولو حصل؛ فإن رَدَّهُ إلى المثال الماجِدِ الأَبِيِّ والصورة القوية الصامدة ليس بعيدًا..

فالقضية إذن قضية في المحتوى لا في الاسم وحده، وفي المنهج لا النتيجة وحدها.

ويظل السؤال الذي على التربويين أن يجيبوا عنه لأنفسهم وللناس: إلى أي حد تعبر بحوثُ الأعاجم عن بلادنا وناسنا؟ إلى أي حد؟ أم أنها لا تعبر؟ من غير مكابرة ولا تشنج ولا دعاوى التجديد المستنزفة..

والمسألة هنا تتصل بواقع اجتماعي مبدؤه عندنا رجل وزوجته أنجبا طفلًا شرعيًّا يتربى على هدي الأمة العربية المسلمة التي تريده جزءًا صالحًا فيها، لا أنها امرأة أنجبت وحدها سواءً أعرَفَتْ أم لم تعرفْ أبا ولدِها هذا، وتريد منه أن يكون سويًّا نفسيًّا بموازين الإنتاج والإبداع لا موازين القيمة والْمُثُل.. بل هو عندنا جزء من تأديب الولد لكيلا يَستضعِف ولا يُستضعَف من أجل أمة عربية مسلمة لها أركان راسخة، تمثلها نصوص قويمة، تحمل صفاتها وملامحها للأبناء جيلًا بعد جيل، لا أن يكون مبدعًا جديدًا لا يعبأ بالحفظ، حتى يصل الأمر بنا أن نحترم ميوله الجنسية والفكرية المعارضة لهدي السماء وطبائع أمتنا!!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك