“افعل ما تحب” ليست نصيحة فعالة لتحقيق النجاح!

30 يوليو , 2018

مَن مِنَّا لا يبحث عن راحةِ البال؟ عن السعادة؟ أو عن المال؟ عن السمعة الطيبة والقبول من الناس وحبهم؟ ومَن مِنَّا لا يَسرح بخياله بعيدًا لتتجلى أمامَ عينيه صورتُه وهو يدخل قاعة فإذا بالحضور يقومون احترامًا له ويمطرونه بعبارات الثناء والإعجاب؟

 

كلنا نريد ذلك، وهناك ألف دليل على ما يجلبه المال، وتأتي به السيرة الطيبة من متع فريدة لصاحبها حتى أصبحت الإجابة النموذجية لسؤال: “ما الذي تحب أن تنجزه في حياتك؟” هي: “أن أحقق السعادة والاستقرار الأُسري وأحصل على وظيفة جيدة.” ولكن ألم تلحظ أنّك لم تنجز أيًّا من ذلك بعد؟

 

يبحث معظمنا عن الحرية المادية والوظيفة المليئة بالتجارب الجديدة والمكافآت، ولكن قليلون هم من يستطيعون تحمل العمل لستين ساعة في الأسبوع والتنقل لمسافات بعيدة كل يوم، وإنجاز المهام اليومية الرتيبة التي لا بد منها لإتمام أي وظيفة. نعم، نريد أن نكون أغنياء لكن لا نقبل بتذوق مرارة العمل الدؤوب ولا التضحيات، ولا نرضى بحبس رغباتنا وتأجيل المتع إلى حين تكتمل الثروة المنشودة.

 

انظر إلى حالك عندما تنوي التقدم لخطبة شريكة الحياة، تغوص مخيلتك في بحور من الابتسامات والمداعبات، تروي القصص لنفسك، تخبر القريب والبعيد، تشعر بأطفالك من حولك، ترى أكبرهم يحمل شهادة تخرجه الجامعية، ويجلس أصغرهم على بطنك ويشد أنفك. إحساس جميل، ولكن كم شابًا مستعد للدخول في نقاشات عديدة ليوضح مدى أهليته لأن يكون زوجًا؟ مَن منا يعزم على قراءة عشرين كتابًا قبل الإنجاب ليُحسن تربية أولاده؟ مَن مِن الآباء سيتنازل عن فرصة السفر والتحرر من أرضه لكي يبقى عونًا لزوجته في البيت وسندًا لأبنائه؟

 

لا نشعر بهناء النجاح إلَّا بعد عناء تحطيم المعوقات؛ لذا بدلًا من إجابة: “ما الذي أحب أن أفعله؟” اسأل نفسك: ما حجم المعاناة الذي أود أن أتحمله؟ أي عقبات على استعداد أنا لتخطيها؟ وإلى أي مدى سأصبر على السعي وراء شيء ما؟ هذه هي الأسئلة التي تحدد حقًا مصير حياتك.

 

تتمنى كثيرًا أن تحصل على قوام ممشوق وجسد مفتول العضلات، ولكنك لن تحقق ذلك إلّا بعد أن تجهد جسدك بممارسة التمارين الرياضية ساعة بعد ساعة ويومًا بعد يوم. لن تتمتع بهذا الجسد إلّا إذا قاومت رائحة الكعك الطازج ومنظر البسبوسة الشهية بينما تجلس أختك تستثير شهيتك لتهجم على الصينية وتنهيها.

 

كذلك لن تصبح رائد أعمال ناجحًا إلّا إذا تحديت المخاطر التي تحف ميزانيتك، وتغلبت على المخاوف والشكوك واستقبلت الإخفاقات المتتالية بصدر رحب، وتمكنت من العمل لمدة جنونية على مشروع لا تملك أدنى فكرة عن احتمالية نجاحه أو فشله!

 

ربما تلقيت في أحد الأيام نصيحة من أحد بائعي النجاح في قوارير يخبرك بأنّه “إذا أردت تحقيق شيء ما، عليك أن تريده بحقّ!”، ولكن الواقع أنّنا جميعًا نريد شيئًا ما، بل نريده بحقّ، لكننا لا نعرف ما هو هذا الشيء من الأصل؛ أي لا نعرف ما الذي نريده بحقّ، ووقتما تبدي رغبتك في شيء ما فاعلم أنّك تعلن قبولك لعواقبه جنبًا إلى جنب مع مميزاته.

 

عندما تجد في نفسك رغبةً مُلِحَّة تحلم بتلبيتها ولكن الشهور تمر والسنين تمضي ولا تتحرك خطوة نحو نيلها، فاعلم أنّها وحي من الخيال؛ مثال غير واقعي وضعته نصب عينيك لأنّك فقط تستمتع بوضع أهداف وبتصور نفسك وأنت تحققها دون أن تدرك مدى توافق هذا الهدف مع طبيعتك واحتياجاتك. أحيانًا نتمنى أشياء لا نريدها حقًا فقط لنشعر بسعادة لحظية.

 

اسأل نفسك أكثر عن الأشياء التي تتحمل مشقاتها وعناءها. هكذا تتعرف أكثر على نفسك، بعيدًا عن الأحلام والأوهام التي غُمست فيها. لا توجد حياة خالية من الآلام والمتاعب ولا توجد وظيفة الأحلام ولا الخطوة التي لو أخذتها ستنعم بسعادة أبدية. كل هذه القوانين لا تنطبق على النقطة الزرقاء الباهتة التي نعيش عليها، لكن الحقيقة إنّ قدر الألم الذي ستتحمله وتقاومه هو ما سيضمن لك البقاء والإنتاج، وهو ما سيجعلك أنت ويجعلني أنا.

 

ما زلت أتذكر تعلقي الشديد بكرة السلة منذ أن كنت في المرحلة الابتدائية. كنت أتصور نفسي بطلة الملعب، ألقي الكرة بمهارة، أحرز أجوالًا لا يحلم بها أي لاعب، أمثل خطرًا لكل من يقرر اللعب ضد فريقي، وعندما أتغيب عن مباراة أو أصاب في الملعب، يأتيني كل من يستطيع ليطمئن علي وعلى صحتي. حلم كل لاعب، أليس كذلك؟ كنت أعيش هذا الحلم كل يوم تقريبًا حتى المرحلة الثانوية، ورغم أني تركت اللعبة بعد فترة وجيزة من البدء فيها، إلّا أنّني كنت أعد نفسي بأن أنهي دراستي الإعدادية ثم ألتحق من جديد، أو أستكمل النشاط الصيفي الذي ورطتني فيه أمي ثم أعاود اللعب.

وهكذا حتى لم أعد أجد وقتًا لتشغله هذه اللعبة وتلاشت تدريجيًا من مخيلتي واهتماماتي. قد تبدو نهاية بائسة لحلم خُيّل إليّ أنّه سيصنع سعادتي، ولكن الحقيقة أنّني لم أرد هذا الهدف من الأساس! كنت مغرمة بمظهر اللاعب الرياضي متناسق الجسد الذي يحب الآخرون لقياه ويستأنسون بمشاهدته وهو يلعب، ولم أكن يومًا على استعداد أن أقضي نصف عمري على أرض الملعب أمارس كرة السلة أو أن أخضع لأوامر المدربين ومواعيدهم. لذلك لم أحقق هذا الحلم قط ولم أسعَ حتى لتحقيقه، فهو لم يقع في دائرة المهام التي أحب أن أكابد وأتحمل العناء لأجلها.

 

أنت ما تسعى لأجله. عندما تستمتع بمعاناة التمارين الرياضية كل يوم ستحصل على الرشاقة التي تنشدها، وعندما تتكيف مع متطلبات أطفالك المتجددة وتؤدي حقوق زوجتك، وإن استعصت عليك ستنعم بالبيت الهادئ الذي تطمح إليه، وعندما تصبر على قرصات الجوع وألم الصداع المصاحب لجلوسك على جهازك نصف اليوم لتكتب مقالة تستحق النشر، فاعلم أنّك على الطريق الصحيح؛ لأن تكون كاتبًا مبدعًا.

 

لا أعتبر هذه المقالة دعاية لمقولة “من طلب العلا سهر الليالي”، ولكنها بشكل أدق تسليط للضوء على حقيقة ترتكز عليها حياتنا؛ أن أكثر ما نعاني ونكابد لأجله، يشكل شخصيتنا ويترتب عليه نجاحنا أو فشلنا. فلنختار ما نعاني لأجله بذكاء إذًا.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك