الانطوائية وموهبة الكتابة

5 مارس , 2018

بداخل كلٍّ منَّا مخزونٌ كامنٌ من المشاعر والدوافع التي يجبُ أن تُفَجَّر سواء أطالتْ مدةُ كتمانِها أم قَصرت؛ ولكلٍّ منا أُسلوبُه الخاص في توظيفها؛ فتجد مَن يتبع مبدأ “التخلية المستمرة”؛ فكلَّما طرأ عليه حادث، ناقشه مع من يحب وافتتح به حديثه مع القريب والبعيد.

هذا هو حال الاجتماعيين؛ الذين يستمدون طاقاتهم من المجتمع المحيط بهم، ويتمتعون براحة نفسية وسط أقرانهم. ولكن ربما تكون ممن يُؤْثِر كتمانَ هذه العواطف والأحاسيس، ويراكمها بداخل نفسه حتى تصبح مركَّزة، تمامًا كمحلولٍ اشتدتْ حموضتُه حتى صار من المحال أن يُستساغ، فيَنتُج عن ألم الكتمان هذا تدفُّقُ أعمقِ المعاني وأقساها في نفس الانطوائي؛ لتخرج إلى الدنيا في هيئة جمل وكلمات تهتز لها القلوب.

 

 

مَثَل الكتابة مَثَل سائر المهارات، تحتاج مزيجًا من الموهبة والتدريب حتى تؤتِي ثمرتها. ومع أنه لم يوجد حتى الآن بحث يُقِرُّ بوجود ارتباط بعينه بين الانطوائيين والكتابة، فإن ما نلحظه من طقوس الكتابة ومتطلباتها بشكل عام كفيل بتوضيح السبب وراء احتلال الانطوائيين للنسبة الأكبر بين الكُتَّاب المميزين.

 

في هذا المقال نَعرضُ لكم أربعةَ أسبابٍ تجعل من الانطوائيين، المعذَّبين بعدم قدرتهم على التحدث بطلاقة أمام العامة -أو كما يظن بعض الناس- تجعل منهم كُتَّابًا مبدعين.

 

أولًا: حظهم من إعمال الفكر أكبر:

تمنحنا الكتابة ميزة ذهبية تكمن في ترسيخ الأفكار واستيعابها بشكل أفضل، وهذا ما قد يفتقر إليه بعض الانبساطيين الذين يميلون لنشر كل ما يجول بخواطرهم دون وقفة أو حساب.

ولكن عندما تمرر الفكرة أو الخاطرة على عقل الانطوائي؛ فإنها تأخذ حقها في التفكيك والتفكير والتنفيذ، ثم يضاف لها المعنى المستنبط إثر تقليب الفكرة والتأمل فيها، ثم هي تُكتَبُ في القالَب المناسب، وتعرض في الموقف الملائم لها؛ فتلمس الفؤاد، ويدوم أثرها، وتحلو ذكراها، وتُرجى إعادة النظر فيها.

 

ينصحنا أهلونا ومدرسونا منذ الصغر بأن نعقل ما نحن بصدد قوله قبل أن نتلفظ به، ولكن من منا يُطَبِّقُ هذا المبدأ بحق؟ هنا يأتي دور الكتابة في تحفيزنا على التعمق في التفكير، بل وتعديل ما نخلص إليه من استنتاجات وتخير الألفاظ وتغييرها مرارًا وتكرارًا قبل عرضها.

 

ثانيًا: الكتابة لا تجعلهم محطَّ الأنظار:

يميل الانطوائيون إلى الابتعاد عن مواجهة الناس في بعض الأحوال وأكثر ما يزعجهم هو شعورهم بأنهم محل اهتمام من قبل الجمهور؛ لذا فهم يجدون راحة لا توصف عندما يعرضون أفكارهم كتابة دون الحاجة للوقوف والتحدث أمام الناس عنها، ويَطْمَئِنُّونَ إلى التعبير عما يختلج في صدورهم على الورق، حيث يصبحون أقلَّ عُرْضَةً لتلقي نقد يسوؤهم أو سخرية من أحد.

 

ثالثًا: يلاحظ الانطوائيون أدق التفاصيل:

قد تجلس لتسترجع ذكريات نزهة الصيف الماضي مع أحد أصدقائك، وبينما تتذكر أنت طاجن المعكرونة الذي ملأ بطنك إلى نقطة الانفجار وبوظة البطيخ التي أصابتك بمغص لإكثارك منها، قد تجد صديقك يتحدث عن تلك الميدالية الثمينة التي تحمل اسم فريقه الرياضي المفضل والتي وجدها على إحدى الطاولات المجاورة، بعدما لاحظ أن صاحبها يحركها بإعجاب كأنما كوفئ بها للتَّوِّ من مُدَرِّبه.

يتميز الانطوائيون بقدرتهم على التقاط التفاصيل الدقيقة التي يَغفُلها عنها معظم الناس في أغلب المواقف والمناقشات. كما أنهم بارعون في مراقبة الناس عن بعد وتحليل شخصياتهم وتفسير تصرفاتهم دون أن ينبسوا ببنت شفة. وعندما تجتمع تلك العوامل، يقدم لنا الانطوائيون قصصًا تقشعر لها الجلود؛ فتبقينا فاغري الأفواه، متسائلين عن الْمَلَكة التي جعلتهم يتحدثون عن مشاكلنا في رواياتهم ومقالاتهم، كأنما عايشوها معنا بأدق تفاصيلها.

 

رابعًا: الوحدة منبع طاقتهم:

إذا أردت أن تُسعد انطوائيًّا، فاتركه وحيدًا. 

 

لا يخاف الانطوائيون من الوحدة؛ لأنها مصدر راحة بالهم، كما يَصِلُون من خلالها إلى ذُروة نشاطهم وقمة إبداعهم الفكري.

 

 

وحيث إن الكتابة تتطلب الكثير من البحث والتنقيب عن المعلومات والتأكد من صحتها ثم كتابتها وإعادة صياغتها مرة تِلْوَ أخرى إلى أن تصل إلى السلاسة التي يرضى الكاتب عنها؛ فهي عملية تحتاج إلى الكثير من الهدوء والوَحدة بطبيعتها، وهذا ما يتوافق مع طبيعة الانطوائيين الذين يتصلون بأعماقهم عندما يتوقف الناس عن مقاطعتهم وتصبح أصواتهم مجردَ خلفية لا تتداخل مع حالات الصفاء أو لِنَقُل “الصراع” التي تعتمل في نفس الانطوائي وفي عقله في أثناء كتابته.

 

صناعة الكلمات وتوظيفها الصحيح في التعبير مهارة مبنية على موهبة لا يُستهان بها. ولكنها تحتاج إقرارًا بوجودها، وتفاعلًا معها وتقديرًا لها حتى تنمو وتتشكل.

 

لا أقصد من هذا المقال أن الكتابة حِكْرٌ على الانطوائيين، لكنني أردت أن أبين أن طقوسَ الكتابة في المجمل تتلائم مع شخصية الانطوائي أكثر من غيره.

وفي خُطوة عملية بعد قراءتك لهذا المقال، ابحث في نفسك أولًا ثم في أهل بيتك أو أصدقائك المقربين عن شخص يحمل صفات مماثلة لما تحدثنا عنه، واطلب منه أن يكتب لك مقالة أو قصيدة أو حتى خواطر ترتاد ذهنه بين الحين والآخر، ووقتها سيحيلك إلى دفاتره التي ظل يدون فيها لسنوات مضَتْ، أو قد يكون سؤالك هذا شعلةً تضيء بها طريقَ موهبةٍ مدفونة غير مستكشفة بعدُ، أو وظيفة مستقبلية كأن يكون كاتبًا عظيمًا.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك