البحث التربوي من أجل نظام تعليمي يناسبنا!

16 فبراير , 2020

حين نتحدث عن أنظمة التعليم المتقدمة دوليًّا، فإن السؤال البديهي هو كيف ولماذا استطاعت تلك الدول النهوض بالعملية التربوية في حين لا نشهد في بلادنا إلا المزيد من التراجع؟

 

لا أبالغ بالقول إنّ أحد الركائز الأساسية لتقدم تلك الدول هو البحث التربوي. والذي لم أعرف حجم تقصيرنا فيه إلا في مرحلة الماجستير. وزاد إدراكي لمقدار خسارتنا بصفتنا مجتمعات نامية حين نهمله في مرحلة الدكتوراه.

وقد سنحت لي فرصة دراسة الدكتوراه في نيوزيلندا، إحدى الدول المتقدمة في مجال التعليم، ملاحِظة كيف يمكن للبحث التربوي أن يؤدي دورًا أساسيًا في صناعة القرار على عدة مستويات تغطي الصفوف والمدارس والوزارة والمجتمع.

 

البحث التربوي لدعم المعلمين في الصفوف

في أحد مساقات الماجستير التي شاركت بتصحيحها، طُلب من معلمي المدارس الملتحقين بالمساق تحديد مشكلة تربوية تواجه كلًّا منهم في التدريس، ومن ثم القيام بمراجعة منهجية للأبحاث “Systematic review” من أجل تجميع أدلة مستندة على الأبحاث العلمية لحل المشكلة ومن ثم عرضها ومناقشتها مع الشعبة.

 

في ذلك المساق لم يحصل المعلمون على الأجوبة جاهزة لحفظها، وإنما احتاج كل منهم البحث في ثلاثة قواعد بيانات على الأقل، وغربلة ما قد يزيد عن 100 بحث، ووضع معايير تضمن حلولًا أو مقترحات مستندة على دليل علمي، ومن ثم التوفيق بينها ونقدها وتوضيح كيف ستؤثر هذه النتائج في ممارساته بصفته معلمًا.

 

في شعبة من 60 معلمًا لنا أن نتخيل حجم التداول لحلول تربوية لمشكلات متعددة مستندة على أدلة بحثية في مجتمع المعلمين الجدد، ومقدار المعرفة الرصينة التي سيخرجون بها لحل المشاكل الصفية التي تواجههم.

 

البحث التربوي في خدمة المدارس

أتذكر أول زيارة لي للمدارس هنا مع مشرفتي لاستكشاف السياق التعليمي. فبعد الترحيب، انخرطت مشرفتي مع مديرة المدرسة لمناقشة بحث مشترك مع الجامعة يتم إجراؤه في المدرسة.

شمل النقاش أدق التفاصيل، وملاحظات المديرة أصابتني بالذهول لمقدار الخبرة التي تحملها في مجال البحث.

عرفتُ لاحقا أن العديد من المدارس تفتح أبوابها للباحثين التربويين سنويًا من أجل حل مشكلات المدارس، أو لتطوير استراتيجيات واتجاهات جديدة، أو لتقييم المبادرات أو الاستراتيجيات التي يتم تطبيقها، مثل أحد المبادرات البحثية واسعة التأثير حول تعلم الرياضيات، والتي شملت حوالي ثلاثين مدرسة وامتدت لأكثر من عشر سنوات.

وقبول المدارس لإجراء أي بحث ليس عشوائيًا أو سهلًا، فلا بد للباحث أن يقنع المدرسة بفائدة البحث وجدواه لصالح المدرسة. وأن يمر بالكثير من الإجراءات والتعهدات لضمان سلامة وخصوصيات الطلبة وطاقم التدريس.

 

البحث التربوي في أروقة الوزارة

حظيت بفرصة العمل مع فريق بحثي لصالح وزارة التعليم النيوزيلاندية في العام الماضي. وكانت المهمة المطلوبة عمل مراجعة للأدبيات لمعرفة إلى أي مدى يؤثر وجود الإنترنت في المنازل في الجوانب التربوية والتحصيلية لطلبة المدارس، من أجل الحصول على معلومات وتجارب دولية حول جدوى توفير خدمة إنترنت لمنازل الطلبة، خصوصًا من ذوي الدخل المنخفض، قبل الإقدام على هكذا مشروع.

 

كان فريق البحث مكونًا من أساتذة من تخصصات مختلفة شملت كلية التربية وكلية تكنولوجيا المعلومات وكلية الدراسات الحكومية والسياسية، بالإضافة لطلبة دكتوراه.

ولم تكتف الوزارة بإنجاز التقرير، وإنما اجتمعت معنا لمناقشة النتائج والتأكد من أن فهمهم للدراسة منسجم مع النتائج التي توصلنا إليها.

علمت لاحقًا أنه عادة تجري الوزارة الأبحاث من أجل اتخاذ القرارات التي تمس شريحة واسعة من المجتمع، ومن أجل تبريرها والدفاع عنها وقت المساءلة.

 

البحث التربوي وتحديد رؤية المجتمع

تحتل نيوزيلاندا المرتبة السابعة عالميًا في جودة التعليم الأساسي والترتيب الثاني عشر في PISA. وفوق المعدل العام لاختبار TIMSS في العلوم للصف الثامن. إلا أن النظام يواجه مشاكل تمثل قلقًا كبيرًا للمجتمع، مثل مستوى الطلبة في الرياضيات وفق اختبارات TIMSS، ووجود فجوة بين الطلبة حسب الحالة الاجتماعيةالاقتصادية.

 

كما أن هذه المراكز تعاني ثباتًا وليس تقدمًا. لذا يجرى حاليًا مشروع ضخم لمراجعة شاملة للنظام التعليمي ليس فقط لتحسينه وإنما ليكون في قمة الأنظمة التعليمية في العالم. حيث يتم إجراء حوارات مع كافة شرائح المجتمع من طلبة وتربويين وأهالي، من أجل تجميع بيانات من داخل المجتمع والخروج برؤية للتعليم طويلة المدى (30 سنة) واستراتيجيات ومبادرات تربوية متوسطة المدى.

 

وقد حضرت إحدى تلك الحوارات على سبيل الفضول ولكونها مفتوحة ومتاحة لمن يرغب. وقد كانت من أهم التجارب التربوية التي تعلمت منها في حياتي سواء فيما يتعلق بالتنظيم وإدارة الحوار والأسئلة المطروحة وآلية جمع البيانات والاهتمام الذي تمثل بحضور أحد الوزراء شخصيًا لتشجيع الحوار.

 

البحث التربوي من أجلنا

خطر ببالي وأنا أمر بكل تلك التجارب الكم الكبير من القرارات العشوائية في قطاع التعليم في بلادنا، سواء المبنية على مصالح فردية، أو نوايا حسنة دون معرفة عميقة، أو نسخ ولصق لتجارب الآخرين.

والتي أدت لتخبط قطاع التعليم في العديد من الدول العربية وتدني مستوياته ومعاناة الطلبة والمعلمين والأهالي، مقارنة مع الدول التي تقدر البحث التربوي وتقرنه بعملية صنع القرار.

 

إن ما نحتاجه بصفتنا مجتمعات تعاني فشل منظومة التعليم، ليس الارتكان إلى استيراد نتائج الأبحاث والمبادرات التربوية من دول أخرى، لها ظروفها ومشاكلها الخاصة، وتطبيقها دون وعي في بلادنا. وإنما التعلم من تلك الدول كيفية إجراء أبحاث مرتبطة بمجتمعنا وسياقنا وظروفنا وكيفية استخدامها.

 

إن مجرد استثمار الطاقات المهدرة لطلبة كليات التربية في الجامعات العربية وتوجيهها لإجراء أبحاث منظمة في كافة المستويات حول طبيعة وحجم مشاكلنا، وتجريب وتقييم حلول لها، سيعود بالربح والنفع على الجميع، وبتكلفة قليلة، بحيث ننتج معرفة أصيلة ونافعة لنا تنهض بمجتمعاتنا المنكوبة. 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك