البحث العلمي في قفص الاتهام: مشروعية التجارب على الحيوانات!

4 أكتوبر , 2018

لم يكن تقدم البحث العلمي المذهل الذي تحقق في القرن العشرين، بغير ضحايا أبرياء، تُسفك دماؤهم على مذبح البحث. وعلى الرغم من أن هذا التقدم الهائل جعـل حياة الإنسان يسيرة مرفهة، إلا أنه بنى صرحه على ملايين الجثث!

ففي مختلف المعامل ومراكز الأبحاث، المنتشرة في شتى بقاع المعمورة، يُقْـتَـل سنويا قُـرَابةُ مائة وأربعـين مليون حيوان!

 

إنها قصة الحياة على الأرض، منذ كانت على الأرض حياة، القوي يتسلط على الضعـيف. وفي كل فصل من فصول هذه القصة، وفي كل عهد تقع فيه، تكون هناك ذريعة للتسلط، ومبرر لاستعراض العـضلات.

وإنسان اليوم –  أو بالدقة باحث اليوم – عنده المبرر لقتل الحيوان الضعيف في مختبره!

 

ما هو المبرر لقتل الحيوان في المعمل؟ وهل تبرير الإنسان لهذا الفعـل معـقول مستساغ؟!  وقبل هذا وذاك، لماذا يثور الجدل حول حيوانات التجارب وهي كائنات ليس لها – في نظر الكثيرين – كبير وزن أو رفيع قيمة؟!

 

قضية حيوانات التجارب مطروحة أمام الضمير الإنساني ليحكم فيها. والمتهم فيها معامل ومراكز البحث العلمي. وإنْ تبدو القضيةُ سطحيةً للوهلة الأولى، إلا أن أبعادها وتأثيراتها تمس المجتمع البشري في الصميم، بل إنها تمس الحياة برمتها على هذا الكوكب الملطخ بالدم!

على السطور التالية، نبسط بنود القضية الساخنة.

 

تجارب واسعة النطاق:

الغالبية العظمى من حيوانات التجارب تلقى حتفها من جراء تعريضها لابتلاع مواد كيميائية مختلفة، تتراوح بين الأدوية والأمصال، وتنتهي عند أنواع التبغ ومستحضرات التجميل!

بين هذين الطرفين، يجرى عدد هائل من التجارب للتأكد من سلامة المواد الكثيرة المستخدمة في المنازل، ولضمان فعالية مبيدات الحشرات، واختبار تأثير ملوثات البيئة.

 

هذه التجارب ذات الطبيعة الكيميائية، تقوم على إعطاء مركب كيميائي لحيوان التجربة. وفي 90% من الحالات، يكون المركب الكيميائي سامًّا للحيوان. وتختلف طريقة تقديم “السم” للحيوان حسب نوع البحث العلمي والتجربة المراد إجراؤها، وكذلك حسب الهدف منها! فيوضع المركب الكيميائي في العين تارة، ويحقن تارة أخرى، ويستنشق تارة ثالثة. وبعض هذه التجارب يؤدي إلى حروق وجروح في جسم الحيوان، وفي البعض الآخر من التجارب تكون الإصابة للحيوان متعمدة، لمحاكاة الموقف عند الإنسان!

ومعظم تجارب الأدوية والمستحضرات الطبية الكثيرة، تأخذ الطابع الكيميائي. ويقدر أن نصف حيوانات التجارب التي تموت في معامل الأبحاث، تكون ضحية تجارب الدواء.

 

خلافًا لذلك، يستخدم الحيوان في مراكز الأبحاث لإجراء جراحات تجريبية. وقد أجريت جراحة زراعة الأعضاء على الحيوان، قبل إجرائها في الإنسان. بل إن معظم الجراحات الدقيقة، مثل جراحة العيون، مَهّد لها الحيوان!

 

فئران التجارب في كل المجالات!

ومن الغريب حقًا أن الحيوان يستخدم لإجراء تجارب في حقل الطب النفسي! إذْ يُعَــرَّضُ حيوان التجربة لمواقف معينة، يفترض أنها تثير انفعالاً معينًا عنده، بهدف إماطة اللثام عما تؤدي إليه الانفعالات المختلفة من آثار على أجهزة الجسم!

 

وحتى في حقل الفضاء، كان الحيوان رائدًا يدفع الثمن، ويمهد الطريق للسيد المتعجرف: الإنسان!

إذْ أرسَل الروس أولَ ما أرسلوا إلى الفضاء كلبةً أنثى! واختبر الأميريكيون آثار انعدام الجاذبية على قرد، فارق الحياة بعد عودته إلى الأرض من بعثة ناجحة!

 

الكلبة لايكا أول كائن ثديي يخرج إلى الفضاء ويدور حول الأرض، وأوّل من فقد حياته جرّاء هذه التجربة

 

وتعتبر “القوارض” rodents، وعلى رأسها الفئران، أكبر الضحايا بين سائر حيوانات التجارب، إذْ تشكل حوالي 90% من مجموع الحيوانات المستخدمة في المعامل ومراكز البحث.

ومن الحيوانات الأخرى الدواجن، مثل: الدجاج والأرانب، وبعض الحيوانات الأليفة، مثل: القطط والكلاب والجياد، وكذا بعض أنواع القردة.

 

الحيوانات تتألم.. والبحث العلمي يستمر!

الشعور بالألم ظاهرة طبيعية تتسم بها الحيوانات ذات الجهاز العصبي الراقي. وهو وســيلة حماية ودفاع في المقام الأول. ذلك أن الحيوان عند شـــعـوره بألم الحريق – مثلًا -، فإنه يسارع بإبعاد العـضو الملسوع من جسمه عن مصدر اللهب، وبذا يحمى نفسه من الحريق.

وتتعدد مصادر الألم، كما يتنوع الشعور به. ولكنه في كل حالة يؤدي إلى رد فعـل، نتيجته الابتعاد عن مصدر الألم، حماية للكائن الحي من الهلاك، ودفاعًا عن نفسه ضد مخاطر البيئة.

 

ويمكن التعرف على الشعور بالألم عند الإنسان بعـدد من المظاهر المصاحبة له، مثل تقطيب الجبين، والبكاء أو الصراخ، والرغبة القوية في الابتعاد عن مصدر الألم. كذلك ترتفع نسبة هورمون ” أدرينالين ” في الدم، ويسرع خفقان القلب، مع توقف كثير من أنشطة الجسم الطبيعية مثل عملية هضم الطعام.

وبالمثل، فإن الحيوان يتألم! وحتى دودة الأرض التي يتكون جهازها العصبي من عدد محدود من الخلايا العصبية، تشـعـر بالألم، فينكمش جسمها بسرعة عندما تلمس جسمًا ساخنًا، وتستدير على أعقابها محاولةً الفرار!

وكلما ازداد تطور الجهاز العصبي، كلما زاد الشعور بالألم. وعلى ذلك، فإن كل حيوانات التجارب تشـعـر بالألم بدرجة أو بأخرى، حسب تعـقد جهازها العصبي. وتتضح مظاهر الشعـور بالألم بإصدار الصرخات المميزة لكل جنس، وكذا بمحاولة الفرار من مصدر الألم!

 

وقد ثبت أن نفس المظاهر المصاحبة للشعـور بالألم عند الإنسان، يحدث نظيرها عند الحيوان – حسبما اتضح بالتجربة والملاحظة. وإذن فـشـعـور الحيوان بالألم مسألة لا تحتمل أيَّ شك.

 

هل يشعر الحيوان بـ “المعاناة” كما يشعر بها الإنسان؟!

الألم شعـور عضوي بمؤثر عضوي، كالإحساس باللسع عند لمس جسم ساخن. أما المعاناة فهي شعـور نفسي بمؤثر فكري. إذْ يكفي أن يذكر الإنسان ملايين الجياع والمشردين من ولد آدم، حتى يصاب بلوعة وحسرة، هي ما يطلق عليه معاناة. أو يكفي أن يذكر الإنسان صديقًا له قسى عليه الدهر، حتى يصاب بغَمٍّ وانقباض، هو ضرب من المعاناة.

 

فهل يعاني الإنسان وحده، أم يشاركه الحيوان العناء، كما شاركه في الشعـور بالألم؟!

لقد حاولت طبيبة باحثة في جامعة أكسفورد ( بريطانيا ) الإجابة عن هذا السؤال. وعلى الرغم من أنها قطعت شوطًا لا بأس به في هذا المضمار، إلا أنها لم تصل إلى إجابة شافية قاطعة. وإنْ كان ما وصلت إليه يكشف أن الحيوانات “ربما” تشعـر بالمعاناة شعـورَ الإنسان بها!

 

على أية حال، فإن شعور الحيوانات بالألم هو مثار الجدل ومصدره. فما دامت هذه المخلوقات الوديعة “تتألم”، فهل يجوز للإنسان أن يعرضها لكل هذا العذاب، بشتى صنوف التجارب التي يجريها عليها؟!

وإذا كان الإنسان قد قسى في وحشية وبربرية على أخيه الإنسان، فهل يحق لهذا الكائن الوحشي المتسلط أن يسطو بسياط عذابه على سائر الخلائق؟!

 

المبررات والرأي الآخر:

المؤيدون لإجراء التجارب على الحيوان أثناء البحث العلمي يزعمون أن الإنسان أهم وأقوى كائن على هذا الكوكب. ومن منطلق هذه الأهمية، فيجب أن يشتغـل بالبحث عن “رفاهيته” دون أن يشغل الذهن برفاهية المخلوقات الأخرى، سيما وأنه الكائن الأقوى – السيد!

والمتطرفون في التأييد، يرفعون راية “الغاية تبرر الوسيلة”، ويرون أن الإنسان ما دام يملك القدرة على تسخير الكائنات الأخرى لمصلحته، فيجب أن يفعـل ذلك دون تردد! ويبالغون في المغالاة والتطرف، فيدَّعون أن إجراء التجارب على الحيوان هو ضرورة حياة للإنسان!

 

في الطرف المقابل يقف أنصار الرأفة بالحيوان. وحجتهم أن الحيوان كائن ضعيف أمام جبروت الإنسان، فلا يجوز إخضاعه لهذا العذاب، إلا إذا جاز إخضاع الأطفال والمتخلفين عقليًا لمثله – على اعتبار أن هؤلاء لا يملكون دفًعا عن أنفسهم.

وبين أنصار الرأفة بالحيوان متطرفون كذلك، تراءى لهم أن يَحُولوا بالقوة بين الإنسان وقسوته على الحيوان، من منطلق معاملة الإنسان بنفس منطقه!

فقد قامت منظمات متعددة، تناصر الحيوان في قضيته، بالهجوم على عدة مراكز للأبحاث فألحقت بها تلفًا كبيرًا. وفي بعض الأحيان اتخذ الهجوم طابعًا شخصيًا، فهوجمت مساكن بعض الباحثين وألحق بها التلف.

 

وفي بريطانيا تُـرْوَى قصة معروفة عن جراح للعيون، كان يجرى أبحاثًا على عيون القطط حديثة الولادة، في محاولة لكشف سرِّ نوعٍ من العمى يصيب الأطفال، يعرف باسم ” الكَمَش ” amblyopia.

وعلى الرغم من أن الرجل اكتشف فعلًا – من خلال تجاربه على عيون القطط الصغيرة – سر المرض، وابتكر جراحة لعلاجه، إلا أنه لم يسلم من هجوم أنصار الرفق بالحيوان، فشوهوا بيته وحطموا نوافذ سيارته.

 

على أن إحساس الألم عند حيوانات التجارب، ليس الدافع الوحيد للمطالبة بوقف التعذيب عند حد. ذلك أن معظم حيوانات التجارب تموت أثناء التجربة أو بعدها. الأمر الذي يعني أن التجارب على الحيوانات “مجزرة” تهدد كثيرًا من أجناس الحيوان بالانقراض.

ولا شــك أن اتساع دائرة البحث العلمي في العديد من بلدان العالم، يعني ضمنيًا مزيدًا من الموت لمزيد من أجناس الحيوان.

 

وبعيدًا عن حب الحيوان والرأفة لحاله، فإن الانقراض الذي يهدد بعض الأجناس، نتيجة استخدامها بكثرة لإجراء التجارب، يمكن أن يؤدي إلى خلل خطير في ” توازن البيئة “. واختلال التوازن البيئي مرادف في المعنى لاختلال الحياة بكل صورها، على هذا الكوكب المثقل بالصراعات!

 

لقد أثار التعارض الحاد في الآراء صدامًا كبيرًا بين مؤيدي ومعارضي إجراء التجارب على الحيوان. وقد جذبت أصداء هذا الصدام أنظار الرأي العام، كما شغـلت مراكز الأبحاث في عدد من البلدان التي بلغت فيها هذه القضية منعطفًا حادًا، بحيث صارت تهدد مستقبل البحث العلمي.

 

البحث عن حلول:

ونتيجة لذلك، عقدت ندوات ومناظرات متعددة، طُرحت فيها القضية على بساط البحث، وأدلى فيها كل طرف بدلوه.

من محصلة الآراء والأفكار، أن البحث العلمي هو بحق ضرورة حياة للإنسان، وبدونه يمكن أن تتقوض دعائم هذه الحضارة الحديثة، التي تعتبر خلاصة ونتاج الفكر البشرى لقرون عدة. بَيْدَ أنَّ من غير المقبول في الوقت نفسه أن يتخذ الإنسان من البحث العلمي ذريعة لقتل الملايين الغفيرة من الحيوان، فيما يهم وما لا يهم من التجارب.

 

واتفقت الآراء علي أن التجارب علي الحيوان يجب أن تقنن، وأن تحكمها معايير أخلاقية تحول دون تعريض الحيوان للعذاب، وتحول في ذات الوقت دون وقوع كارثة بيئية بإبادة أجناس الحيوان. وقد قُدمت توصيات بهذا المضمون إلى عدد من حكومات البلدان التي شهدت صراعًا حادًا حول هذه القضية.

وينتظر أن تصدر قوانين تكبح تسلط ” السيد المتعجرف “، وتحفظ للحياة توازنها بشكل معـقول ومقبول.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك