الخداع البصري وخديعة الإدراك.. حتى تعلم ما يحدث في عقلك!

6 أغسطس , 2018

من الأمور المألوفة لنا جميعًا أننا إذا نظرنا إلى قضبان السكة الحديدية وتبعناها بنظرنا إلى أقصى امتداد البصر، فإننا نرى المسافة الفاصلة بين أي قضيبين حديديين تتناقص تدريجيًا إلى أن يلتقى القضيبان عند الأفق – أي عند أقصى امتداد البصر! والحقيقة المعروفة لنا جميعًا أن قضبان السكة الحديدية متوازية – أي تفصل بينها مسافة ثابتة القيمة على طول امتداد القضبان. ومن المستحيل علميًا أن يلتقي خطان متوازيان عند نقطة واحدة. لكن على الرغم من ذلك فإن عين الإنسان تجمعهما عند نقطة واحدة!

 

ومن الأمور المألوفة كذلك أن أحدنا إذا كان يسافر في قطار ينطلق بسرعة كبيرة، ثم توقف القطار فجأة لسبب أو لآخر، يستمر عند المسافر شعور بأن جسمه ما يزال يتحرك إلى أمام! ويبقى هذا الشعور فترة وجيزة من الزمن قبل أن يدرك المسافر أن القطار توقف ولم يعـد يتحرك!

 

هذان نموذجان من نماذج عديدة لظاهرة بشرية يطلق عليها “خداع النظر” Optical/Visual Illusion. وخداع النظر يؤدي إلى “خديعة الإدراك”. وبتعبير آخر فإننا نعتقد أننا نرى الأشياء على حقيقتها، وبالتالي فإننا “ندرك” ماهيتها ونستطيع تكوين صورة عـقلية عن شكلها وأبعادها وسائر خصائصها. فهل الأمر كذلك؟

للإجابة على هذا التساؤل، فإننا نفرد السطور التالية لاستعراض ما توصل إليه الأطباء وعلماء التحليل النفسي في بحث هذه الظاهرة، والتفسير الذي قدموه لظاهرة “الخداع البصري” عند الإنسان.

 

كيفية الإدراك:

يتصل مخ الإنسان بالبيئة الخارجية عن طريق الحواس المختلفة. إذ يحصل المخ على معلومات متنوعة عن طريق البصر والسمع واللمس، و”جهاز حفظ التوازن” المكون من خلايا في الأذن الوسطى، وأخرى في مفاصل الجسم. وعن طريق تفسير هذه المعلومات المتنوعة والربط بينها، يكوّنُ المخُ صورةً عن وضع الجسم وعن الوسط المحيط به، في أي وقت من الأوقات. ومحصلة هذه العـملية هو ما يسمى “الإدراك” Perception.

 

ونتيجة الدراسات المستفيضة لعملية الإدراك عند الإنسان، أمكن تفسير بعض ظواهر الخداع في هذه العملية. مثال ذلك النموذج المذكور سلفًا عن شعور المسافر في قطار يتوقف فجأة، بالحركة إلى خلف، في عكس اتجاه حركة القطار. فقد افترض الأطباء أن “جهاز حفظ التوازن” في الأذن الوسطى، والذي يتكون من خلايا تكشف للمخ حركة الجسم (خصوصًا الرأس والعنق) في أي اتجاه، مركب بنظام خاص بحيث تكون الخلايا أزواجًا أزواجًا. وفي أي زوج منها تكون إحدى الخلايا مختصة بالكشف عن الحركة في اتجاه واحد فقط، بينما تختص الخلية الأخرى بكشف الحركة في الاتجاه المعاكس تمامًا. فمثلًا تختص خلية في زوج ما بنقل رسالة إلى المخ عن حركة الجسم إلى أمام، والخلية الثانية تنقل رسالة إلى المخ عن حركة الجسم إلى الوراء. بينما يختص زوج آخر من الخلايا بنقل رسالة إلى المخ عن حركة الجسم إلى أعلى وإلى أسفل.

 

وعند السفر في قطار، تكون الخلايا المختصة بإرسال إشارات إلى المخ عن حركة الجسم إلى الأمام، في حالة استنفار طوال زمن السفر. وعندما يطول الزمن تصاب هذه الخلايا بالإجهاد. فإذا توقف القطار فجأة، نشطت الخلايا المعاكسة في إرسال إشاراتها إلى المخ، فيتكون شعور بأن الجسم يتحرك إلى الخلف.

 

والخلل في عملية الإدراك هنا، غير نابع في المخ، وإنما جاء نتيجة إرسال إشارة غير صحيحة إلى المخ، وبالتالي كان تفسير الإشارة غير صحيح. على أن الحواس الأخرى سرعان ما ترسل معلومات مفادها أن القطار توقف وأن الجسم لم يعد يتحرك، فتتم عـملية تصحيح الإدراك، وعندها يختفي الشعـور بالحركة إلى الخلف، ويدرك المسافر أن القطار واقف في تلك اللحظة.

 

التكيّف:

في أحيان أخرى، يكون الخلل في عملية الإدراك ناتجًا مما يسمى “التكيف” Adaptation. فمثلًا عند وضع عـطر في مكان ما، فإن الشخص الموجود يشم الرائحة المنثورة في ذلك المكان، ولكنْ لوقت قصير، إذْ سرعان ما تتلاشى الرائحة من أنفه. والغرض من عملية التكيّف حماية خلايا الحس من التعرض لمؤثر واحد طول الوقت. ذلك أن استمرار تأثرها بمؤثر واحد يصيبها بالإجهاد من ناحية، ويقلل قدرتها على استقبال مؤثر آخر من ناحية ثانية.

 

ومن أمثلة خلل الإدراك بسبب التكيف، ما يجرى من العين كذلك. فعـند النظر إلى بقعة حمراء – مثلًا – عدة دقائق ثم رفع العين عنها، تتراءى للعين بقعة في نفس الحجم ولكنْ بلون أخضر. وتستمر هذه “الزغـللة” في مجال البصر زمنًا قصيرًا تزول بعده تمامًا. وعلة ذلك أن خلايا استقبال الألوان في شبكية العين مرتبة بنظام الأزواج سالف الذكر. وفي بعض أزواج الخلايا تختص خلية باستقبال اللون الأحمر والثانية باللون الأخضر. وفي زوج آخر تستقبل خلية اللون الأزرق، بينما تستقبل الثانية اللون الأصفر. وعند النظر إلى البقعة الحمراء زمنًا، تصاب خلايا الاستقبال بالإجهاد – أو تبدأ في التكيف. وعند رفع العين عن ذلك المؤثر، تعمل الخلايا الأخرى التي لم تعمل من قبل، وهي هنا مستقبلات اللون الأخضر، فتتراءى للعين بقعة خضراء.

 

وفي هذين المثالين عن التكيف، أدت عملية حماية خلايا حس معينة إلى إدراك غير واقعي: في المثال الأول يتمثل في اختفاء الشعور برائحة العـطر على الرغم من استمرار وجودها في المكان، وفي المثال الثاني بدت للعين بقعة خضراء لا وجود لها أصلًا!

 

خداع النظر:

الافتراض السابق بأن الخلل في الإدراك ناشئ عن إرسال إشارات غـير صحيحة من خلايا الحس المختلفة إلى المخ، يقابله افتراض آخر بأن خلل الإدراك ناشئ عن خطأ من المخ في تفسير المعلومات، وليس عن معلومات غير صحيحة من خلايا الإحساس. وكما عضد أصحاب الافتراض الأول رأيهم بالأدلة والأسانيد، كذلك فعل أصحاب الافتراض الثاني.

مثال ذلك، “الخداع البصري” visual  illusion، الذي ينشأ عند النظر إلى أشكال هندسية مرسومة على الورق. والنموذج المشهور لذلك مجموعة المكعـبات المعروفة باسم ” مكعبات نيكر “. ففي هذه المجموعة من المكعـبات يبدو أحدها وكأنه الأول في المجموعة، ونفس المكعب يبدو وكأنه في مؤخرة المجموعة.

 

 

وقيل في هذا الموقف إن المخ يكوّن تفسيرين أو احتمالين للصورة المنقولة إليه عبر شبكية العين. ويظل يتأرجح بينهما لأن كلا التفسيرين راجح بنفس الدرجة. والإرادة هي التي تحسم الموقف، فيستطيع الناظر أن يختار تفسيرًا واحدًا من الاثنين ويتشبث به.

 

وتذهب بعض التحليلات إلى أن خلل الإدراك لا ينتج عن خلل في وسائل الإدراك ( الحواس المختلفة ) ولا عن خطأ من المخ في تفسير المعلومات، وإنما ينشأ من طبيعة المخ الذي فُطِرَ على استقبال وتحليل معلومات عن عالم ذي أبعاد ثلاثة. فإذا تحول أي جسم إلى رسم هندسي على الورق، فإنه يصبح ذا بعدين فحسب، ومن هنا ينشأ التعارض مع طبيعة المخ، فينتج الخلل في الإدراك.

 

وقد يبدو هذا التفسير معقولًا. لكنْ من غير الممكن تفسير ظاهرة الخداع البصري على هذا الأساس وحده. فمثلًا في “نموذج زولز” للخداع البصري، توجد مجموعة من خطوط رأسية (عمودية) متوازية تقطعها خطوط أفقية متوازية. تقاطع الخطوط يؤدي إلى إخفاء حقيقة أن الخطوط الرأسية متوازية، وبدلًا من ذلك فإنها تبدو للعين على هيئة خطوط تتقارب تارة وتتباعد تارة أخرى.

 

 

وفي “نموذج زولز” لا يوجد بعـد ثالث، وليست هناك حاجة إليه. وعلى الرغم من ذلك وقع الخداع البصري! وهذه النتيجة هي التي دفعت إلى مزيد من الاستقصاء، وخروج عدة نظريات تقترح تفسير ظاهرة خداع البصر على أساس الخواص المميزة لخلايا شبكية العين (وهي الخلايا التي تستقبل صور المرئيات).

 

إحدى النظريات تفترض وجود “تداخل وظيفي” بين خلايا شبكية العين، بحيث تكبح الخلايا النشطة في أي وقت من الأوقات، الخلايا المجاورة لها. فإذا تنبهت مجموعة من الخلايا بمؤثر معين (هو في هذه الحالة أي جسم منظور) فإن هذه الخلايا تعـفي الخلايا الأخرى من العمل. ويوصف ذلك في إطار النظرية المذكورة باسم “الكبح الجانبي” أو “الكبح المجاور”. ووفقًا لهذا الافتراض، فإن عمل بعض خلايا الشبكية لاستقبال صور المرئيات، وعدم عمل ( أو كبح ) الخلايا المجاورة لتلك العاملة ( أو النشطة ) يؤدي إلى عدم إدراك كل زوايا الجسم المرئي، وهذا هو الخداع البصري!

 

 

هناك نظرية أخرى تقول إن “ثبات الحجم ” مسألة ضرورية لعدم حدوث الخداع البصري. والمعروف أن الأجسام على بعد معين تكون أصغـر حجمًا من الأجسام القريبة. وعادة يقوم المخ بعملية “تعديل” في المعـلومات الواصلة إليه، بحيث يحافظ على حجم الأجسام ثابتًا في الوعي أو الإدراك. فمثلًا إذا كانت سيارة على بُعْدِ عشرين مترًا، وأخرى على بعد مترين فحسب من شخص ينظر إلى الاثنين معًا، فإنه “يدرك” وجود سيارتين على أبعاد مختلفة ولكن بنفس الحجم تقريبًا. ويبدو أن المخ يطبق قاعدة “التعديل” هذه، على الأجسام المرئية في حدود مساحة معينة، بصفة دائمة، مما يخلق “بلبلة” أو خدعة تخالف الواقع.

 

و” نموذج بونزو ” يعتبر أشهر مثال على ذلك. فعند النظر إلى قضبان السكة الحديدية فإنها تتقارب من بعـضها كلما زادت المسافة بعدًا عن الناظر. وهذا مخالف للواقع – كما أسلفنا القول.

 

وبعد، فيبدو أنه لا توجد نظرية واحدة إلى الآن، يمكنها تفسير ظاهرة الخداع البصري. وعلى الرغم من ذلك تبقى هذه الظاهرة من الأمور الطريفة التي يتسلى بها الناس، ويشتغل بها العلماء. ومن اللافت التفكّر في أن الخداع البصري وما يترتب عليه من خلل في الإدراك، لا يؤثر عكسيًا في حياة الإنسان، بل إنه غالبًا ما يمر دون ملاحظة أو انتباه!

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك