العمل في مجال التعليم: الحياة لا تنتظر الكسالى

4 أغسطس , 2018

في الجزء الأول من هذه التدوينة ذكرت تجربتي عن العمل لصالح إحدى الشركات الكُبرى في مجال التعليم في مصر والوطن العربي، وكيف حملت أسوأ وقع في نفسي نظرًا لاكتشافي أن الشركة تسير بنظام (يقولون ما لا يفعلون).

 

فما فائدة محاولاتك لتطوير نظام تعليمي أو تقديم حلول بديلة دون أن ينعكس هذا الأمر على شكل إدارة الشركة أو التعامل مع الموظفين العاملين فيها؟

 

على العموم أنا أؤمن أن كل شخص يحكم على الأمور من منظور شخصي للغاية، ولا يوجد حُكم مطلق صحيح، لذلك يمكن الاختلاف بكل سهولة مع رأيي الشخصي حول تجربتي، سواء السلبية في الشركة التي سبق ذكرها في التدوينة الأولى، أو الإيجابية في إحدى أحدث وأنجح المؤسسات التعليمية الحديثة التي تساهم حقًا في إحداث تغيير بل ثورة في شكل التعليم الإلكتروني في العالم العربي، ودون المزيد من المقدمات، إليكم التفاصيل.

 

غريق يبحث عن قشة!

بعد أن استلمت عملي في الشركة الأولى، وشعرت بكمية الوقت المهدور في عمل لا قيمة له بالنسبة لي ولكني كنت أحاول إقناع نفسي بالصبر عليه قليلًا لعلي أنا الشخص المتعجل في إصدار حكمه، قررت أن أرسل لأحد أصدقائي العاملين في هذه المؤسسة رغبتي في التطوع معهم لأنني بحاجة لوضع جهدي في عمل أؤمن بأهميته، وطالما العمل الثاني يوفر لي دخلًا جيدًا، فما مشكلة أن أتطوع معهم في وقت فراغي لكي أخفف من على نفسي عبء الشعور باللاقيمة الناتجة من عملي معهم؟

 

قام صديقي بإرسال رسالتي إلى المسؤولين وبسرعة شديدة وجدت نفسي أجري عدة مقابلات سريعة للانضمام لهم بصفتي عاملة لا متطوعة فقط، كان هذا في نفس الوقت تقريبًا الذي قررت فيه تقديم استقالتي من الشركة الأولى، وبعد أن تنفست الصعداء وشعرت بالحرية أخيرًا، جائتني رسالة القبول النهائية بالعمل معهم ولكن عن بُعد نظرًا لكوني في دولة أخرى.

 

لقد كان العمل رائعًا منذ اليوم الأول، ومهمتي هي إعداد وتصميم بعض الدروس التعليمية البسيطة كما كانت في الشركة الأولى، ولكن شتان الفرق في مساحة الحرية والإبداع المتروكة لي للتفكير في تنفيذ المهمة، بل وتقبل كافة المقترحات والآراء ومناقشتها من طرقهم لتحقيق نتيجة أفضل والحرص على التطوير المستمر في شكل العمل.

 

وقت الجد!

مثلت هذه الوظيفة تحديًّا شخصيًا لي لعدة أسباب، أولها هو أنني من تقدمت بالحصول على هذه الفرصة، وهذا أمر لا أجد فيه أي غضاضة أو شعور بالإحراج، فعلينا أن نسعى دائمًا للحصول على هدفنا وفي بعض الأوقات الطريق المستقيم والمطالبة الصريحة هي الحل الأمثل والأسهل، لكني مع ذلك كنت أرغب في إثبات قدراتي لنفسي وأنني على قدر الثقة التي وضعوها في لأحصل على هذا العمل.

 

ثاني هذه الأسباب هو رغبتي في العمل مع مُحترفين واختبار مدى قدرتي على مجاراتهم في احترام الوقت والالتزام بأداء المهام دون تكاسل أو إبداء حجج أو أعذار واهية لعدم تنفيذها، بالإضافة لإجبار نفسي على العمل تحت ضغط والتفكير في حلول سريعة ومناسبة لأي مشكلة تواجهني.

 

للأمانة الشديدة، لقد ذكروا لي منذ البداية أنه الوقت لديهم ضيق، وسيصبح هناك ضغط كبير في العمل، وكنت على استعداد حقيقي لأداء كل ما هو مطلوب مني، وبالفعل بدأت بنشاط وهمة، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.

 

كالعادة! هُناك بعض بقايا وآثار أنظمة التعليم البالية عالقة في نفوسنا وطُرق إدارتنا للوقت والحياة، فعلى الرغم من عملي بجد في الفترة الأولى، كان هناك بعض التقصير من طرفي في استغلال كل الوقت المتاح للعمل، بجانب مشكلة أخرى لم يكن لدي يد فيها وهي أنني اكتشفت بعد تسليم عدة مهام، عدم فهمي للمطلوب مني بشكل صحيح، فكان علي إعادة العمل من أول وجديد، في الوقت الذي صادف بعض الظروف الشخصية التي أجبرتني على التأخير رغمًا عني.

 

ولكي أعوض كل ما حدث، كنت أستيقظ يوميًا في الرابعة والنصف صباحًا وأنام في العاشرة تقريبًا وأظل أعمل أغلب هذه الفترة حتى انتهي من كل المهام المطلوبة وأنا على توقع واستعداد تام لأي محاولة لإنهاء عقد عملي لأن التقصير من طرفي، وبالفعل حدث ما توقعت!

 

الدرس المستفاد

في نهاية أسبوع عمل مكثف طلبوا مني التحدث معهم بشأن أمر هام، وتوقعت أن يكون إنهاء عقد عقلي لأنني متأخرة كثيرًا عن المطلوب، لكنهم أخبروني أن السبب هو رغبتهم في الحصول على شخص يعمل في نفس الدولة حتى يتمكن من مجاراة وقت العمل وضغطه بشكل أفضل، ولا أعلم إن كان السبب الذي ذكروه لي حقيقي أم هو فقط محاولة منهم لتلطيف الأجواء.

 

لكني تقبلت القرار بصدر رحب وعلى الرغم من ذلك لم أستطع منع نفسي من الشعور بالغضب تجاه تقصيري في بداية الأمر، وعدم قدرتي على استغلال الفرصة بالشكل الأمثل.

 

الحياة لا تنتظر الكسالي، والنجاح لا يأتيك حتى باب بيتك، عليك أن تعمل بنفس القدر من الحماس الذي يملأ كلماتك، ففي النهاية وكما تعرف “الأفعال تتحدث بصوت أعلى”.

 

حتى لا أقع في دائرة جلد الذات، قررت أن أقيم تجربتي بشكل موضوعي، وكما كنت على اقتناع بتقصيري في أحد الجوانب، كنت مقتنعة كذلك بأنني قدمت أفضل ما عندي في آخر أسبوع قبل إنهاء العمل، وربما لهذا السبب يجب علي أن أصبح سعيدة وممتنة لهم، لأنهم ساعدوني على تحدي ذاتي لتقديم الأفضل.

 

كذلك بعد خوضي هذه التجربة القصيرة معهم، أدركت مدى الجهد المبذول من طرفهم وصدقهم في تحقيق أفضل النتائج للمُتعلمين العرب، وحرصهم على تغيير وتطوير أساليب التعليم من أجل مستقبل أفضل لهم فعلًا لا قولًا.

 

كانت هذه نهاية تجربتي التي لم تزد عن شهر كما حدث مع الشركة الأولى -لا أعلم ما هي مشكلتي مع فترة الثلاثين يوم!- لكن ختامًا لا يسعني إلا القول أنني استفدت كثيرًا من كلتا التجربتين، وكانت الدروس التي تعلمتها مهمة ومكثفة في وقت قصير، وانعكست بشكل إيجابي بعد ذلك على طريقتي في التعامل مع تجربتي التعليمية السرية التي لن أبوح عنها الآن.

 

الأمر متروك لك عزيزي القارئ في تقييم كل تجربة، والحكم على أسلوب التعامل في شركات التعليم الكُبرى في الوطن العربي، وهذا بالطبع يعتمد على إيمانك بشكل وأسلوب التعليم المفترض علينا اتباعه، وفي النهاية هذه التدوينات ما هي إلا مجرد وسيلة ربما تساعدك في فهم مجريات الأمور الحالية وحسب وأن العمل في مجال التعليم، لا يمكن قصره فقط على المدرسة أو الجامعة، بل هناك خلف الكواليس تحدث الكثير من المشاهد التي تساهم في تغيير الواقع أو زيادته سوءًا.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك