العمل في مجال التعليم: وهم الشركات الكبرى!

20 يونيو , 2018

بمناسبة التطورات العبقرية التي تحدث في نظام التعليم المصري، التي أسمع عنها كل يوم دون أي محاولة لفهم تفاصيلها أو الإطلاع عن قرب على أخبارها حتى، قررت الكتابة عن تجربتي في العمل في مكانين مختلفين مختصين في مجال التعليم، ومهتمين بقضية تطوير التعليم في الوطن العربي، ولكن بدون ذكر أسماء، لا داعي لهذا الأمر في العموم، ما يهمني حقًّا هو كتابة تجربتي الشخصية ومحاولة النظر عن كثب مرة أخرى لهاتين التجربتين وتقويمهم من قبل القراء، لإدراك أن بعض المؤسسات الشهيرة في عالم التعليم، ربما تُفسد أكثر مما تُصلح، ربما هي لا تصلح على الإطلاق، وبعضها الآخر حقًا يستحق كل الاحترام والتقدير لما يقومون به من جهد.

 

كذلك هذه التدوينات هي محاولة بسيطة لِلَفْت الانتباه إلى طبيعة العمل في مجال التعليم خارج إطار المدرسة والمؤسسات التعليمية بشكلها التقليدي، التي لم تصبح العامل الوحيد المؤثر الذي يتم انتقاده طوال الوقت في تجارب التعليم الفاشلة للطلاب.

 

حَذَارِ! هُناك مؤسسات أخرى كثيرة تتفاوت في مقدار شهرتها، ولكن يتم الترويج لها بصفتها ناجحة وتحمل الحلول السحرية لأنها “مختلفة” وتقدم شكلًا جديدًا من أشكال التعليم، سواء أكان في طرق بديلة أو أدوات تكنولوجية.

 

نحن الأفضل .. نحن الأنجح!

البداية كانت مع طلب من أحد السيدات الفاضلات التي عملتُ معهن من قَبل على مشروع صغير في العمل معها لصالح أحد الشركات الكبرى في مجال التعليم في الوطن العربي ومصر خاصة، وأنا بطبعي شخص لا يميل إلى العمل في الشركات الكُبرى، لكنني قررت خوض التجربة وأخبرتهم في مقابلة العمل بكل صراحة أن هذا العمل هو من أجل المال الذي أقوم بإنفاقه على تجربتي التعليمية الحالية والتي لا أرغب في التقدم إلا في سواها حاليًّا، لذلك ليست لي أي نوايا في العمل بدوام كامل، لكني سأعمل بشكل حُر أو ما يُطلق عليه (Freelance)  وبعد أن أخبرتهم عن رؤيتي وفلسفتي في التعليم وطريقتي وأسلوبي في العمل تم الاتفاق على أن أخوض معهم تجربة مدتها 3 أشهر.

 

تحدثت مع مديرتي بشكل مباشر وأخبرتها أن هذه المدة طويلة، ولكي أكون صريحة معها ولا أخذلها في ترشيحها لي للحصول على هذه الوظيفة يمكنها أن تعتبرني في فترة اختبار لمدة شهر واحد، وبعدها لديهم ولدي كذلك كل الحق في استكمال العمل أو إنهائه.

 

كانت مهمتي هي تصميم المواد الدراسية عبر أدوات تكنولوجية خاصة لمساعدة الطلاب على التعلم عبر الإنترنت، ولم تكن هذه مشكلة كبيرة بالنسبة إلي، مشكلتي الوحيدة هي أن يصبح الجو العام للعمل أو الشركات التي تهتم بالتعليم هو نفسه الجو العام للمدارس النظامية الروتينية القاتلة لروح الإبداع والتطوير، بل أحيانًا التفكير!

 

كُل ما عليك هو التفكير في داخل الصندوق، في هذا الإطار الذي نرسمه لك بصفتك موظفًا حتى تستمر أهداف الشركة في التحقق دون النظر أو الاهتمام بنفسية الموظفين أو العاملين الذين يمكنهم إيصال هذه الشركة إلى نجاحات أكبر بكثير فقط إذا منحتهم السعادة والتقدير في صورة أخرى غير المال.

 

يمكنني فهم طريقة إدارة الشركات الاستثمارية الكبرى بشكل عام، ولن أحاول حتى الدخول في نقاش يتحول عادة إلى جدال حول استعبادها للموظفين وأن كلًّا مُيسر لما خُلق له، والسعادة التي تجدها أنت في العمل الحُر يجدها بعض الناس في عدد الساعات اليومي الثابت مع مكافآت وحوافز في نهاية كل شهر أو سنة مالية. كل هذا لا يُهم طالما لا تدعي التطوير والفكر الإبداعي المميز والنجاح الباهر خاصة في مجال التعليم، وهُنا كانت مشكلتي، منذ اليوم الأول.

 

بداية الصراع ونهايته!

حقيقةً لا أعلم كم كان عدد فريق العمل الذي أعمل به، فالكثير منهم كان يعمل من المنزل بعكسي! أنا الشخص ذو عقد العمل الحُر، الذي يجب عليه الحضور في الأيام المطلوبة منه لعدد ساعات محدد دون أن يكون هناك داع حقيقي لذلك في نظري.

 

لن أذكر تفاصيل المشاكل الإدارية والروتينية السخيفة التي حدثت معي، لا أرغب حتى في تذكرها، لكني أذكر جيدًا نقاشاتي مع واحد من أعضاء فريق العمل واختلافنا منذ اليوم الأول على طريقة تعريفي بالعمل. أخبرته بهدوء أن هناك طرقًا أفضل لفعل ذلك، وأنا شخص بطبيعته يتعلم بالتجربة والتطبيق، لذلك عليه أن يطبق هذا الأسلوب معي ويوفر وقته وطاقته، هذا بمناسبة أن عملي يتطلب تقديم أساليب مختلفة للمُتعلمين، وربما أقوم بهذا العمل لكي يفهم البشر لاحقًا أن لكل شخص أسلوبه في التعلم والعمل وإدارة حياته!

أخبرني في نبرة ملولة واضحة أن يفهم جيدًا ما أقول، لكن علي في النهاية فعل ما يقوله؛ لأن هذا هو الأفضل!

 

أدركت منذ اليوم الأول أنني لن أكمل الشهر في هذا المكان، وحفاظًا على وقت القارئ دعنى أخبرك بالتالي:

يُمكنك العمل في شركة كبيرة تحصل على جوائز عالمية في مجال تطوير التعليم -وهذا ما حدث حقًا- لكن هذا لا يستدعي بالضرورة أن تكون هذه الشركة فعلًا على القدر الذي تروج به لنفسها.

 

لماذا؟ لأن نجاحهم يعتمد على نفس الصورة النمطية لنظام التعليم القمعي لكل فكر جديد لا يتوافق مع نفس فكر وسياسة الشركة التي بالمناسبة لا أعلم ما هي ميزتها عن باقي الشركات بعد أن عشت بها عدة أيام للأسف.

 

قدمت استقالتي بعد 3 أسابيع من العمل، سبق هذا القرار نقاش بسيط مع مديرتي الثانية التي تحدثت معي عن أحوالي ونفسيتي وهل ما زلت أرى الشركات الكبرى بنفس السوء الذي تحدثت عنه في مقابلتي الأولى معهم. أخبرتها بكل ما يجول في خاطري بكل صدق، وحتى هذه الأدوات التي أقوم باستخدامها لصناعة محتوى تعليمي مميز هي ليست الأفضل وبحاجة للكثير من التطوير والتعديل، وأنا على استعداد تام لكتابة كل المقترحات لتطويرها وتعديلها إن أرادوا ذلك، بجانب طبعًا ملاحظاتي على بعض طرق الإدارة في التعامل مع الموظفين وأسلوب العمل بوجه عام الذي لا يتناسب مع شخصيتي، ويختلف كثيرًا عن اتفاقي معهم في البداية.

 

كل هذا كان رائعًا وابتسامتها أشعرتني أن هناك أملًا في تحسن الوضع، لكن الأمل تبدد عندما حان موعد ذهابي، وأكدت عليها مرة أخرى في حماسة أنني سأرسل لها كافة مقترحاتي للتطوير والتعديل فأخبرتني بهدوء أن هذا يمكن فعله لاحقًا، لكن المهم حقًا هو إنهاء المهمة الحالية المطلوبة مني.

 

شعرت وقتها بخذلان رهيب، خاصة مع علمي أن مهمتي الحالية لم تكن ذات أهمية كبيرة، بل كانت مهمة تافهة في الواقع، فقررت الذهاب للمنزل وأول ما قمت به هو إرسال نص استقالتي بشكل مباشر وإعلان أن هذا هو اليوم الأخير لي في العمل، لأشعر وقتها بقدر من الحرية والشجاعة افتقدته على مدار 3 أسابيع مروا كأنهم 3 سنوات!

 

أمر سخيف عندما تشعر طوال الوقت أنك (العبقري) الذي يحاول إثبات نفسه بالحديث دون فعل في نظر من حولك. لا أعتقد أنني كنت هذا الشخص، بل على العكس رغبت في إثبات نجاحي منذ اليوم الأول وعلى مدار الفترة القصيرة التي قضيتها كنت أصارع تفكيري طوال الوقت، هل علي الانسحاب واختصار الوقت في فعل أمر أحبه حقًا واستكمال دراستي وتجربتي التعليمية الأخرى التي من أجلها قررت خوض هذا العمل لتوفير المال لها؟

 

هل هذا تفكير جيد وإيجابي أم هو فشل وانسحاب عند أول مواجهة؟ هل علي أن أستمر لأثبت وجهة نظري لهم؟ هل؟ هل؟ هل؟

 

الكثير من الأسئلة التي جالت في خاطري ثم انتبهت إلى ما يحدث واقعًا عندما عُدت يومًا إلى المنزل فسألتني أمي بغرابة شديدة واستنكار: “أنت شكلك عامل كدة ليه؟” وأخبرتني بعدها أن علي ترك هذا العمل فورًا، لأنها لم تشاهدني يومًا في مثل هذا الشكل التعس والكئيب حتى في أوقات ضغط العمل الشديد في أي مكان آخر عملت معه.

 

كل يوم كنت أقضيه في هذه المكان هو محاولة فاشلة مني للاستمرار في تغيير ما لا يمكن تغييره، هذه شركة عريقة وكبيرة ولديها آلاف من الموظفين حول العالم الذي يؤمن أغلب المتعلمين فيه بضرورة وجود هذا النمط من المدارس الغبية التي تخرج موظفين مثاليين صالحين للعمل في مثل هذه الشركات، لماذا عليهم أن يستمعوا إلى نصائحي أو أفكاري؟

 

هم لا يرغبون إلا في شخص ينفذ الأوامر دون (وجع دماغ)! حتى وإن ادعوا قدراتهم الخارقة في تغيير التعليم وتطويره وتقديم الأساليب والأدوات السحرية لمساعدة الأطفال حول العالم.

 

ربما هم لا يدعون، ربما هم يؤمنون حقًا أن ما يفعلونه هو أمر مهم ورائع ويفيد البشرية، وهذا يأتي على حساب الموظفين البائسين الذين يعملون لديهم.

 

ختامًا

ربما تختلف مع هذه الجزء الأول من التدوينات حول طريقة نقدي للعمل في الشركات الكُبرى، وتخبرني أنه كان عليّ الصبر والتحمل ومحاولة إثبات الذات، ربما ترغب كذلك في الحصول على تفاصيل أكثر حول تفاصيل العمل الإدارية التي أثارت ضيقي ورغبتي الشديدة في عدم استكمال العمل، ربما أحلل هذه النقاط لاحقًا في تدوينة أخرى وأذكر أوجه التشابه بينها وبين نظام التعليم وكيف تُدمر أكثر مما تصلح، وربما تتهمني بالتحامل على الشركات التي تحاول تقديم البديل والمساعدة قدر استطاعتها في مواجهة نظام عالمي مُسيطر، لكن قبل كل هذا دعني أدعوك لقراءة الجزء الثاني من هذا التدوينات عن تجربتي في العمل في شركة أخرى كبيرة وذات صيت واسع في مجال التعليم وكيف كانت تحمل أكبر أثر إيجابي في نفسي حتى عندما قرروا “هم” الاستغناء عن خدماتي في مقابل الحصول على شخص أفضل مني، فكان الدرس الأكبر لي، والذي أكسبني الاحترام والتقدير لهم لأنهم أهل عمل لا قول.

 

أخيرًا بعد أن أنهيت عملي في هذه الشركة عادت الابتسامة إلى وجهي مرة أخرى D: ولم أعد أشعر بالرغبة الشديدة في انقضاء الوقت حتى أذهب للمنزل واستريح من هذا العناء النفسي القاتل، وبعد أن علمت آخر تطورات واختراعات وزارة التربية والتعليم المصرية في نظام التعليم الأخيرة، وتذكرت التعاون الذي أجرته الوزارة مع هذه الشركة، تحولت ابتسامتي لابتسامة شيطانية خبيثة واطمئنان شديد على مستقبل التعليم المصري في ظل التسامح الذي يظهر جليًا وقوة التشابه في أسلوب إدارة كل من الشركة والوزارة الذي دفعهم للتعاون معًا.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك