العنصر الخلقي والإبداع.. بين الوجود والعدم

11 نوفمبر , 2018

صارت مهام التعليم المدرسي منحصرة في إبعاد الأطفال عن الشوارع، ومبررًا لتأخير سن الزواج، ومجرد إعطاء شهادة بأن شخصًا ما قد انتظم في المدرسة، وتخرج فيها، بالتالي هو مؤهل لشَغْلِ وظيفة.

بكساباي

تناسخت الدول أفكارها، لتقارب حدودها وتطور وسائل تواصلها، وتزايدت ثقافة الاستهلاك الأعمى وتكديس الأموال؛ فتوقفت الحضارة عن التجربة والإنتاج من سنين، وبدأت بقيلولة وهي الآن في سُبات عميق؛ فالسابقون المتقدمون هم اللاعبون ونحن اليوم مشاهدون مستمتعون.

وبشكل آخر فأنت يا صديقي يا ذا الذكاء الفَذِّ .. متى تتفوق على إخوانك، بذلك تتهيأ لك الفرصة لتصبح معيدًا أكاديميًا، وسيكون بذلك أول راتبٍ لك هو أربعة آلاف جنيها، وهذا كل ما نقوى عليه لنكافئك به مقابل إبعادك مرة أخرى، ولكن ليس عن الشارع فقط هذه المرة، بل عن حياة التجربة إلى رغد من الكلام المجرد.

حيث يقول في ذلك كارل ساغان“:

نحن نعيش في مجتمع معتمد على العلوم والتقنية بشكل رائع، والذي لا يعرف أي أحد فيه أي شيء عن تلك العلوم والتقنية.

أصبحنا نشجع التعليم الإبداعي ونحث المدارس عليه بشكل كبير، قد يكون أكبر منه في تشجيعنا الإبداع الإنتاجي في المصانع. الإبداع بشكل عام.. ألا سألت نفسك لماذا كل هذه الضجة حوله؟ لماذا كثرة التكرار حول أهميته؟ هل هو أهم من التفوق الدراسي؟ من وجهة أخرى.. قد تسأل نفسك: ما المردود المادي منه في المصنع؟ هل هو كفيل بحل مشاكل البطالة والتخلف الدراسي والاقتصادي والمعرفي على المستوى العربي؟

إن عملية إقصاء الإبداع في الأمم التي ازدهرت فيها الحضارة الصناعية وبلغت أوجها هي أضعف مما كانت، وهي تسير سيرًا حثيثًا إلى الهمجية وهي لا تدرك ذلك إنه لا حارس لها من المحيط الثائر الذي أقامته العلوم حول هذه الأمم.

فالأمم التي بنت حضارتها العلمية؛ فاستطاعت أن تتحدث من وراء القارات والبحار، وأن ترسل الصور بالبرق، وأن تنصب اللاسلكية في منازلها، وأن تستمع إلى دقات (Big-Ben) التي تضرب في لندن، وأن تركب فوق الأرض والبحر وتحتهما، ثم جاءت بالآلات الكاتبة الصامتة، وملأت الأسنان من غير إيجاع، وكادت زروعهم أن تنمو بالكهرباء وأن تفرش شوارعهم بالمطاط، ومن أشعة روتنجن (X-Ray) جعلت منافذًا تطل منها أبدانها، ولطياراتهم النحو إلى القطب الجنوبي ولغواصاتهم إلى الشمالي، ثم انتهوا وأفضوا إلى خلق رحبةٍ للأطفال يلهون فيها في أمن وسلام، إنه لا حارس لها من المحيط الثائر الذي أقامته تلك العلوم في الأمم الأخرى.

لا خير في إحكام طريق للحياة يُقصى فيه العنصر الخَلقي وتُبعد منه أشرف عناصر الأمم العظيمة، بل إن الأليقَ بنا أن نعني بأنفسنا أكثر من أن نعني بصناعة البواخر الأسرع والسيارات الأريح، والراديوهات الأرخص، وتلسكوبات لفحص هيكل سديم على بعدٍ سحيق.

“الإبداع ليس مجرد موهبة بل هو خليط من الموهبة والعمل والتوفيق من الله سبحانه وتعالى-“.

أورد كين روبنسون وهو استشاري كلفته الحكومة البريطانية عام 1997 بإجراء دراسات عن الإبداع والاقتصاد والتعليم في كتابه صناعة العقل، فكتب:

إن السبب الرئيس في هدر الطاقات أثناء فترة التعليم يكمن في العقلية الأكاديمية التي تركز على تطوير الإمكانات المتعلقة بنواحي علمية معينة دون غيرها .

فهذا الجانب الأكاديمي على سبيل الربط في مصر يربط مفهوم الذكاء والقدرات على حد مجالات محصورة حصرًا، مما يؤدي بالحتمية إلى هدرٍ كبيرٍ من المواهب والطاقات لدى المتعلم، وهذا ثمن باهظ لم يعد بالإمكان احتماله بعد الآن لدى متعلم الألفية الثالثة الذي يواكب عصره مزيدًا من أفكارٍ لم تكن تُدرَّس، بل هو أصبح يعلم جيدًا أن كثيرًا من النظريات نتاج تفكير آخرين باتت غير صائبة، فهو يتعلم الأفعال الخمسة ويصيروا ستةً في الجامعة، بل يدرس نظريات الفيزياء الكلاسيكية وفي الفصل الذي يليه يُبرهنُ جُرمَ عالمِها من خلال دراسته للحديثة، وفي النهاية يقولون له إنا لا نميل لقول دون الآخر. 

حقًا هي أنظمة التعليم التي علمتنا ألا نبدع، وهي المدارس التلقينية تقوّض مدى التخيل وتؤطره، وتحد من عبقرية المتعلم بحدها لقدراته في بكور عمره، وها هي المدارس عبثٌ من تعاليمَ مختبئةٍ وراءَ كلماتِ العجز من الناحية التشجيعية، وقد تناولت هذه القضية في مقال منفصل من منظور مرحلة الثانوية العامة وذلك في مقال سابق بعنوان خريجو الثانوية العامة.. ياما في الحبس مظاليم!”.

“الفكر البشري أغنى وأكثر قدرة ونشاطًا مما جعلتنا أنظمة التعليم نعتقد”.

نعود هنا لـكين روبنسون عندما تحدث عن عملية رفع المستويات الدراسية في المدارس والجامعات وأوضحَ أنه ممكن ألا تُحل المشاكل التي نواجهها بهذا الرفع، بل على العكس فهو لربما يؤدي إلى زيادة تعقيدها، فكتب: 

علينا أن نعيد تقييم الأمور بشكل جديد، بحيث نفهم المعنى الحقيقي للذكاء والإمكانات البشرية وأن نكوِّن مفهومًا جديدًا عن الإبداع.

فنحن جميعا نملك إمكانات وطاقات نظرية هائلة، ولكن بشكل مختلف من شخص لآخر، ولا يوجد أشخاص أذكياء وآخرون غير أذكياء، بل تختلف أشكال هذا الذكاء ومجالاته باختلاف الأشخاص والقدرات؛ فبعض الناس يتمتعُ بنظر حاد، أو سمع قوي، أو بحركة نشيطة، أو بتفكير حسابي .. إلخ؛ ومع ذلك فما يزال ينظر إلى الدراسة الأكاديمية على أنها مقتصرة على فئةٍ معينة من الناس دون غيرها، نظرًا لامتلاكها إمكانات معينة تحددُ درجةَ ذكائهم؛ متجاهلينَ احتمال وجود إمكانات أخرى في مجالات مختلفة، قد لا تقل أهمية عن الدراسة الأكاديمية، وتفتح الباب لما سواها.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك