المسيري تلميذًا.. تأملات في طُفولة مُفكر!

15 أغسطس , 2017

لا يُمكن لمن قرأَ وسمِعَ عن شيءٍ من مؤلفات الدكتور عبد الوهاب المسيري في الفِكر و”الفلسفة”، أن يتخيَّل –ولو للحظة- أن هذا العبقريَّ حصل على أسوأ علامةٍ فيها أيام المدرسة، وفوق هذا كان دائمَ الرسوب في الحساب، كما نجد أمامنا طفلًا مولعًا باللعب والأناشيد التي بقي يحفظها حتى آخر أيام حياته، حين توفى بعد معاناة طويلة مع مرض السرطان عام 2008، وبعد معركة طويلة جدًّا مع الظُّلْم بدأها في طفولته، حين كان يَحْرِق كُتبَ اللغةِ الإنجليزية، ويُلقي بالحجارة على قطاراتِ الجنود الإنجليز في الأربعينِيَّات، وهو ما يزال في السابعةِ من عُمره، هذا كُله دفعنا للغوص في كتابه رحلتي الفكريَّة – في البذور والجذور والثمر كي نستعرض شيئًا من ملامح طفولته غير التقليدية!

 

اللعب والمشاكسة.. و”أطفال الحجارة”

بعكس ما قد يتخيَّل بعضُ الأهالي ممن يحلُمُونَ بأن يُصبح أطفالُهم من العباقرة والعظماء، فيملؤون غُرفَ أطفالهم بالموسوعات التعليمية وغيرها من الألعاب التعليمية البحتة؛ فلا يتركون لهم وقتًا للعب والْمُشاكسة، نرى في حياة المسيري نموذجًا لطفلٍ بعيدٍ تمامَ البُعدِ عن “الولد الشاطر” الذي لا شُغل له إلا المدرسة، بل نجده يفتخر بكُل تلك الأغاني التي كان يحفظها في طفولته، والألعاب التي كان يصنعها بنفسه مع أطفال حارته، حتى بإلقاء الحجارة على “جيش الاحتلال الإنجليزي”.

لم يكن هذا الطفل ينام إلا وهو يسمع حكايات مثل “الشاطر حسن” و”عُقْلَة الإصبع” وغيرها من الحكايات الشعبيَّة، وفي كتابه “رحلتي الفكرية” يُخصص المسيري فصلًا بعنوان “الألعاب والأناشيد” وفيه يتحدث عن ألعاب الطفولة، مثل: لعبة “برلا برلا برلليلا” و”برتوس” و”كلو بامية”، كما لم يتردد في ذكر أناشيد بأكملها كان يحفظها وذلك “حتى لا يختفي -النشيد- مثل آلاف الأناشيد الأخرى التي طواها النسيان؛ لأنه لم يسجلها أحد” وكانت جزءًا من تراث ثريٍّ إلى أقصى حد.

يقول المسيري عن ألعابه: “كل هذه الألعاب كان يُمكن القيام بها بدون حاجة لشراء أي لعبة أو أداة؛ فاللعبة تعتمد على اللاعبين ومهاراتهم فحسْب، ولذا فهي كانت تضيِّق الهوَّة الاجتماعية بين اللاعبين، كما أن كلَّها ألعاب جماعية لا يُمكن لفرد أن يلعبها بمفرده -على عكس الألعاب الحديثة غالية الثمن التي يُمكن أن يلعب بها المرء بمفرده”. ولهذا ينتقد المسيري الكثير من ألعاب الأطفال، مثل: “سوبر مان” و”توم وجيري” حتى “باربي” ويسميها أحيانًا: “الألعاب الداروينيَّة الاستهلاكيَّة الأمريكية”، وكانت تلك الألعاب سببًا في تأليفه قصص الأطفال التي كان يؤلفها من وحي التراث والحضارة العربية والإسلاميَّة.

لا يفتخر المسيري بألعابه والأناشيد فحسْب، بل يفتخر بأن الكثير من تجارب الطفولة كان لها الفضل فيما وصل إليه لاحقًا، تمامًا كما تَنَبَّأَ باندلاع انتفاضة الحجارة 1987 قبل اندلاعها بسنوات، وذلك من وحي مُحاولاته هو والأطفال في دمنهور بالتصدي للجنود الإنجليز ورمي القطارات بالحجارة بشكل عَفْويٍّ بعد أن كانوا يُلوِّحون للجنود بشارات النص (Vومُشاكسات المسيري لا تنتهي هنا، فيُخبرنا بما أخبرته به والدته، كيف عثرت عليه ذات يوم في الرابعة من عمره يمسك سيجارة بيد ويضع الأخرى خلف ظهره ويسير في الشرفة وحينما سألوه عن فعله قال: “أريد أن أصبح “دكتورًا”!

 

الحساب اللعين.. وأسوء علامة في “الفلسفة”!

هذه الألعاب والأناشيد والْمُشاكسات لم تكن لتعزل الطفل عن “الفلسفة” ولا حتى عن السقوط في الامتحانات، فذات يوم طُلب منه أن يكتب موضوع إنشاء عن “حديقة المنزل”، وكان المطلوب في الواقع أن يكتب الطلبة شيئًا من الأبيات الشعرية والآيات وبعض الجمل التي يحفظونها غيبًا عن جمال الحدائق وأهميتها، فقرر أن يكتب بما يحس به فعلًا، وراح يشرح عن منازل الفقراء التي لا تعرف الحدائق وأكوام القمامة فيها، فكانت النتيجة أن حصل على علامة “صفر”!

لم تكن مُشكلة المسيري مع الإنشاء فقط، فمُشكلته مع الحساب والرياضيات كانت “ألعن” كما يصفها بنفسه، وبدأت مُشكلته معها بسبب أستاذه الذي كان يستخدم العُنف مثل “الضرب على الرأس” ضمن وسائله التعليمية، ومع دخوله العام الثالث ابتدائي وجد نفسه كارهًا للحساب لا يُطيقه، كما يعترف أنه كان يرسب فيه دائمًا، حتى إنه إذا ما كان يذهب لمساعدة والده التاجر في محله، لم يكن يسمح له بمحاسبة الزبائن إلا إن لم يجد أمامه غيره.

حتى في دروس الفلسفة التي كان المسيري يعشقها ويشرح لزُملائه التلاميذ أيام الثانويّة ما غمض من معانيها، حصل الجميع على درجات عالية فيها إلا هو، فقد حصل على علامة 18 من 40 في حينها وهي الحد الأدنى المطلوب للنجاح، وفي ذلك يقول:

“يبدو أنه ليس المطلوب من التوجيهية أن يقولوا رأيهم الخاص في فرانسيس بيكون -على سبيل المثال- مثلما فعلتُ”.

ويؤكد المسيري أن مُحاولات “الإبداع” ساقته للسقوط في مادة الرسم أيضًا، وقد أثرت هذه التجارب على فلسفاته لاحقًا في التدريس؛ فكثيرًا ما يسخر من “فن اجتياز الامتحانات” ويفرِّق بينها وبين الفهم، كما يؤكد خطورة تحوُّل المدرسة إلى مؤسسة لتسطيح العقول والشخصيات.

 

العبقريَّة.. والنضج السياسي المُبكر

مع أن المسيري لم يكن طالبًا “سوبرمان” ولم يكن مُعدَّلُه “99.99%” كما يُطالِب بعضُ الأهالي أبناءهم، إلا أن هذا لم يمنع أستاذ التاريخ أن يُعلن لزملائه ذات يوم أنه طالب عبقري، وبدأ يطلب منه أن يكتب أبحاثًا خارج الْمُقرر، فكان الأستاذ يقرأها لاحقًا على الطلاب مع أن المسيري بنفسه يعترف أنه لم يكن يفهم سر حماسة الأستاذ له، بالأخص أن علاماته لم تكن توحي بذكاء خارق، فقد حصل على مجموع منخفض جدًّا في الابتدائية وأعاد السنة الأولى في الثانويَّة، هذا غير كُرهه العميق للرياضيات.

هذه العبقريَّة كانت تتجلى في حُبه للمطالعة والكُتب، كما في قُدرته على إصدار مجلة مكتوبة بخط اليد يتداولها أقرانه في المدرسة، وهو لا يزال في الحادية عشرة من عُمره، هذا غير مُشاركاته في مجلات الحائط ومجلة دمنهور الثانوية المطبوعة والتي قام بتحريرها، وفيها نشر أول مقالاته “المطبوعة”، ومع ذلك يؤكد أن الكثير من الطلبة كانوا يفعلون ذلك، فقد كان يقول: “أذكر أنني أنتمي إلى جيل ينضج سياسيًّا بسرعة مقارنةً بأجيال هذه الأيام” ويُضيف: “كانت لي “مواقف” سياسيَّة وأنا ما زلت بعد في السابعة” وهو يقصد خروجه وأصحابه في الأربعينات لتحرير مصر من الإنجليز من خلال إلقاء الحجارة على قطارات الجنود.

لم يكن الأمر ينحصر في إلقاء الحجارة، بل يمتد إلى مقاطعة البضائع الإنجليزية حتى “حَرق الكُتب الإنجليزية” فيقول: “كأيِّ تلاميذَ في العالَم، كُنا ننتهز الفرصة ونحرق كتب اللغة الإنجليزية أيضًا، عسى الله أن يمن علينا وعلى الأمة العربية بالجلاء الكامل: جلاء القوات الإنجليزية عن مصر المحروسة وجلاء اللغة الإنجليزية الكريهة عن كاهلنا”، وفي الخمسينيات كان مثله مثل الكثير من الطلبة في الثانوية (11 سنة وما فوق)  يعلنون الإضراب عن الدراسة؛ فيخرجون في مظاهرات حاشدة، ويلقون فيها بالخطب الناريَّة ضد الملك والحكومة.

 

بين الصديق الذكي.. والأستاذ الماهر

في بداية موسوعة اليهود واليهوديَّة والصهيونية– أضخم أعمال المسيري الفكريَّة، التي استغرق العمل عليها 25 عامًا وكلفته حوالي 500 ألف دولار- نجده يذكر مسألة لا بُد أن ننتبه إليها، حيث يعترض على تقديس “المراجع” التي يُنظر إليها اليوم باعتبارها أهم عُنصر في أي بحث علمي، فكلما كانت المراجع أكثر كان للبحث قيمة أكبر، وفي المقابل يطرح فكرة “المرجعية”، ويؤكد على ضرورة اهتمام الباحثين بإدراج قائمة مرجعياتهم والشخصيات التي أثرت في طريقة تفكيرهم حتى لو لم يُقتبس منهم بشكل مُباشر.

من بين المرجعيَّات التي ذكرها المسيري في الموسوعة، مرجعيَّات من أيام الصبا مثل صديقه الأستاذ “سعيد البسيوني” وهو الشخص الذي ساهم في تدريبه على التفكير والتعمق في الأمور، وتجاوز السطح مع أن البسيوني لم يؤلف أي كتاب و”لم يتخرَّج من الجامعة بسبب عبقريَّته الزائدة”، كما نجده يُشير إلى أستاذ الفلسفة في مدرسته في دمنهور وهو “إميل جورج” وهو الذي غرس فيه حُب الفلسفة وعنه يقول: ” لولا الدكتور إميل جورج لضيَّعت من عمري سنوات وسنوات، أقرأ ما أقرأ دون أن أصل إلى الأعماق، تراكم المعلومات دون إدراك لأبعادها ومعناها”.

يجب ألا ننسى، أن المسيري تأثَّر كثيرًا بوالدته التي كان يرى في سلوكيَّاتها تجسيدًا لمفهوم المجتمع التراحمي في مُقابل المجتمع الرأسمالية التعاقدي، وهي من الشخصيّات التي ساهمت في اهتزاز نظرته الماديَّة للحياة.

 

الخلاصة:

هذه التجارب لم تكن مُجرد تجارب شخصيَّة بالنسبة للمسيري، بل ساهمت في صقل شخصيَّته وفِكره وهي البذور قبل أن تكون جذورًا ثم ثمارًا، ولهذا نراه لا يتهاون في مسائل التربيَّة ويشتاط غضبًا حين يتأمل أحوال أطفال اليوم فيقول:

“إنني ارتجف حين أفكر فيما يحدث لصغارنا في المدارس وشبابنا في الجامعات الذين يكبلون بالكتب المعلوماتية الثقيلة (المطبوعة بشكل ردئ) والذين يقضون كل وقتهم في دراسة مواد ينسونها بعد مرور شهر، ولا تترك لهم أي مجال للعب أو التنفس”.

 

بينما كان الأطفال في الماضي يحظون بأوقاتِ فراغٍ كثيرةً ولديهم حصص أشغال وموسيقى بل حتى في الفلاحة والخط والرسم، وكل هذه التجارب علَّمت المسيري أن “الإنسان قد يفشل بالمعايير السائدة، ولكنه قد ينجح بمعايير أكثر أصالة وإبداعًا“!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك