بناء الذات .. بين الغرس النظري والصقل العملي

29 يناير , 2019

حينما تتقن فن بناء الذات وملئها بالإمكانات والطاقات، ستبدأ تلقائيًا تشعر بالحاجة لأن تفيض من إنائك على من حولك، وتبدأ بذرتك في الإنبات بعد أن ضربت بجذورها في عمق التربة. حينها يمكنك البدء فيما يتيسر من الأنشطة التطوعية والمجتمعية والثقافية، الموائمة للمجالات التي أتقنتها وقت إعدادك، لتكتسب من الخبرات العملية قدر ما تستطيع، فتتمكن في المجالات التي اخترتها إذ جمعت الخبرة العملية إلى المادة العلمية.

ذلك أن كثيرًا من المنقطعين لطلب العلم أو تحصيل مهارات فترة طويلة من الزمن، إذا حان وقت التعليم أو القيادة بها، وجدوا أنهم يفتقرون لمهارات إيصال المهارة وتبسيطها للمتعلمين مع أن المادة لديهم. فإذا كان من التعجل مشاركة إناء خاو قبل ملئه، كذلك من التأخر تركه يفيض بغير مشاركته، لأن المشاركة تصقل المهارة أيما صقل، وتفتح لصاحبها أفقًا وفهمًا ما كان ليتأتى له فردًا.

ورب شخص ليس لديه من العلم إلا اليسير، ولكن بارك الله فيه لأنه يزكيه ويقدّمه، مع استمراره في طلب المزيد، فينتفع الناس بعلمه في الطريق ولو كان شيئًا يسيرًا. وكان من السلف من يجلس إلى حائط يتمثله طالبًا يشرح له الدروس حتى تتكون لديه ملكة التعليم والتقريب. العبرة بالموازنة، فلا المشاركة تجور على حق الطلب الأساسي، ولا حق الطلب يمنع المشاركة بقدر مدروس ليكون أعون على الصقل والتمرين.

 

والقاعدة للموازنة بين الاشتغال ببناء النفس ومعاونة الغير، هي قوله تعالى: “وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ” [القصص: 77]. فكل ما مكّنك الله منه إنما هو أمانة أنت مستأمن عليها ومحاسب عنها، ومن ثم هذه المرحلة هي أولى درجات أداء زكاة ما علمك الله، وزكاة العلم بالعمل أولًا ثم التعليم.

وكما أن النبتة في مرحلة النمو تتوسع في التربة حولها بحرص، وتدرس ما يمتد حولها من جذور بتأن فلا تزاحمها ولا تجور على حقها، كذلك ينبغي للسائر في رحلة البناء أن يتذكر دائمًا أنه إنما يبني نفسه أولًا، وأنه إنما يلزِم نفسه فحسب. ذلك أن الكثيرين بدافع الحماسة لنشر الخير والعلم والإصلاح، يدخلون على الناس مدخل ضامن ضمن لنفسه السلامة فهو يعظهم “من فوق”، وليس مدخل مذكّر يذكر نفسه وإياهم، فهو محب حريص لا يدّعي شيئًا لنفسه وإنما رأى خيرًا أحب أن يشرك فيه غيره.

ومهما جرفك الاشتغال بمعاونة الناس، لا بد بين الحين والحين من استراحة محارب تخلو فيها بنفسك، وتحقق أولوياتك وتزن أشغالك، وكما أن النبتة حتى وإن صارت شجرة مثمرة ستظل بحاجة للتعهد بالسقي والرعاية، ستظل أنت بحاجة لتعهد نفسك بمزيد من التزكية والتنمية، في مجالات أخرى أو بمستوى أعلى.

واذكر دائمًا أن التعجّل للتصدّر أو التطلع للإنبات قبل الغرس المتين، سيعني ضياع فرصتيهما بما لا يمكن تعويضه، وإن أمكن تدارك بعضه لاحقًا.

 

وللإمام الشافعي رحمه الله مقولة في ذلك:

“افقه قبل أن تترأس، فإذا ترأسّْتَ فلا فقه”

أي إذا تصدّرت للعمل والقيادة، فات وقت البناء إن لم تكن بنيت، أو قل نصيبه عما كان عليه قبل التصدّر. ومن استعجل شيئًا قبل أوانه لعله يعاقَب بحرمانه.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك