داخل قارورة الاختبار(1): إنها تمطر كرات لحم!

14 مارس , 2018

القارورة الأولى: إنها تمطر كرات لحم!

تتابع أعينُهما الصغيرة بذهول زَخَّات المطر الغريبة تلك، ينعكس لمعان المشهد على أعينهما، وتتلون الشاشة أمامهما بألف لون.

ينتهي ذلك المشهد الكرتوني اللطيف جدًّا على شاشة التلفاز، ولكنه لا ينتهي بسهولة داخل عقل طفلتيَّ الصغيرتين.

 

ينعكس ذهولهما واضحًا وجليًّا على ملامحهما الدقيقة.

تسألني ابنتي الكبرى ذات الثمانِ سنوات: أيمكن أن يحدث هذا حقًّا؟…أن تمطر السماء كرات اللحم والشطائر؟!

أضحك وأجيب: أظن أن هذا سيكون لذيذًا جدًّا.

ولأن تلك الإجابة لا تروي الفضول حقًّا كان لا بُدَّ من البحث عن إجابةٍ أَوْفَى وأكثر منطقية.

فأجيبُها أنَّنَا لمثل هذه التساؤلات ندرس الكيمياء.

لماذا ندرس الكيمياء؟

“إنها الكيمياء يا أخي.. الكيمياء! ما من شيء يمكن أن نفعله حيالها، عليك أن تفسح الطريق للكيمياء”.

الكاتب الروسي “فيودور دوستويفسكي”، رواية “الأخوة كارامازوف”1880

 

 

في أثناء دراستي لعلم الكيمياء عَلِمْتُ أن الكيمياء هي كل شيء، هي الحياة. قد يكون هذا تحيز، ولكنها الحقيقة مجردة.

ونحن عند دراستنا لهذا العلم سواء في المدارس أو الجامعات نحن ندرس ونتعمق داخل أسرار الحياة.

الكيمياء تشمل الطعام الذي نأكله، الملابس التي نرتديها، البطاريات والأجهزة، العمليات الحيوية داخل أجسادنا، الشمس والنجوم، الكهرباء والطاقة، حتى المشاعر ما هي إلا كيمياء.

نحن نعيش داخل مختبر كيميائي كبير.

فنحن طوال اليوم نقوم بوعي أو دون وعي بكثير من (التفاعلات الكيميائية)، صنع الطعام بمقادير وما يصاحبه من محاذير وحرارة ودمج ما هو إلا (تفاعل كيميائي).

عندما يخمر الخباز العجين للخبز أو يضيف المحفز للكعك فهو يصنع (تفاعلًا كيمائيًّا).

عندما ندمج الألوان للرسم أو الصباغة فهو (تفاعل كيميائي).

عندما نحرق ورقة في الهواء فهو أيضًا (تفاعل كيميائي)

جسد الإنسان طوال اليوم يقوم بملايين التفاعلات الكيميائية بدون إرادة أو تدخل مباشر، والآن وأنت تقرأ هذا المقال يقوم المخ بنقل ملايين وملايين الأوامر والسيالات العصبية (Nerve Impulse) التي ما هي إلا ( تفاعلات كيميائية).

 

التفاعل الكيمائي:

“إنني في مستهل خطواتي لدراسة الكيمياء، وهي دراسة غاية في التفرد، لم أرَ في حياتي شيئًا مثلها من قبل أبدًا، والأشياء المستخدمة بها هي الجزيئات والذرات”.

الكاتبة (جين ويبستر)، رواية (أبي طويل الساقين أو صاحب الظل الطويل)1912

 

 

تخبرنا الكيمياء أن كل ما في هذا الكون مكونٌ من عناصر أصغر وأصغر.. متناهية في الصغر تسمى الذرات.

وأن كل مادة تحتوي على ترتيب معين من تلك العناصر والتفاعل الكيميائي ما هو إلا إعادة ترتيب لتلك العناصر لنحصل على مادة جديدة.

ففي أثناء التفاعل الكيميائي تتغير الروابط التي تجذب تلك الذرات وتشابكها بعضًا إلى بعض، لتصنع روابط أخرى جديدة.

المدهش في التفاعلات الكيميائية أن المنتج النهائي الناتج عن التفاعل يختلف تمام الاختلاف عن العناصر المتفاعلة في بداية التفاعل.

ولكن لكي يتم التفاعل لا بد من إضافة المواد المتفاعلة بمقادير معينة ووضعها في ظروف محددة من ضغط وحرارة وما إلى ذلك، علمًا بأن أي اختلاف في تلك العوامل يتسبب في نتائج مختلفة تمامًا.

لذلك فالكيمياء تعطيك الحق في التجربة والاكتشاف، أن تضع المكونات وتخلط العناصر بعضها ببعض وتنتظر الناتج النهائي الذي قد يناسب توقعاتك، أو قد يدهشك في كثير من الأحيان.

وتكون الإجابة الأبسط على هذا التساؤل:

نحن ندرس الكيمياء لأنها السبيل المباشر لفهم ما حولنا وما داخلنا من ظواهر متنوعة.

 

نعود مرة أخرى ونسأل أنفسنا هل يمكن أن يتحول الماء إلى كرات لحم؟!

للإجابة على هذا يجب أن نغوص أكثر داخل أنبوبة الاختبار لنتعرف إلى هؤلاء الأصدقاء:

 

الأربعة الكبار “CHON”:

 

علميًّا كل الكائنات الحية والمواد ذات الأصل العضوي المختلفة تتكون من أربع عناصر رئيسة، هي: الكربون، الهيدروجين، الأكسجين والنيتروجين. وهي أساسيات تكوين البروتين المكون الرئيس للخلايا الحية.

وبقية العناصر يختلف تركيزها ووجودها حسب اختلاف المادة المكونة لها ووظيفتها وعوامل أخرى كثيرة.

الأمر أشبه كثيرًا بالحروف الأبجدية، حروف محددة تصنع عددًا غيرَ نهائي من الكلمات، والعدد غير النهائي من الكلمات يصنع عددًا غير نهائي من النصوص، والنصوص غير النهائية تصنع كتبًا غير نهائية، وهكذا باستمرار، وهذه هي أساسيات الحياة.

لذلك نظريًّا لا فرق بين العناصر الكيميائية المكونة للنبات والحيوان والإنسان.

معمليًّا لا فرق بين بين الهيدروجين الداخل في تكوين كرة اللحم والهيدروجين الداخل في تكوين ماء المطر.

وعند التفكير في الأمر نجد أنه تَبعًا لعلم الكيمياء وكيمياء الطعام بشكل خاص؛ فإن الماء يدخل في تكوين اللحوم المعدة للطهي بنسبة 50% تقريبًا. وقد تكون أسهل معادلة لتحويل الماء إلى طعام صلب أن نعلم أنه أساس في عمليات الهضم والتمثيل الغذائي للحيوانات والكائنات الحية التي من خلالها يتكون جسدها، ونحصل بالتالي على اللحم الذي نتناوله.

 

 

قد نرى أنه خيال جامح مبالغ فيه أيضًا، لكن ببعض التفاعلات النظرية والعبث بالمعادلات قد يتحول ماء المطر إلى كرات لحم كما حدث في هذا الفيلم الكرتوني.

لا عجب فالكيمياء هي فن التحويل.. فن المعادلات والرموز الأمر يتطلب الخيال ومعرفة العناصر وعدد غير نهائي من التجارب والمحاولات وكثير من الصبر.

 

كيف ندرس الكيمياء بذكاء:

“جوهر الإبداع، أن لا تخاف من الفشل”.

المخترع إدوين لاند

 

كثير من دارسي الكيمياء من مختلف المراحل الدراسية وخاصة في المراحل العمرية الصغيرة يرى صعوبة في دراسة الكيمياء.

ويرونها مُعَقَّدَة ومُلْغِزَة ولا يدركون الهدف من دراستها، وهذا للأسف على الرغم من المعروف عن الأطفال وولعهم بالتجريب واختبار المواد المختلفة وهو أساس علم الكيمياء.

والنتيجة أن يكبر هؤلاء الطلاب في المراحل الدراسية والعمرية الأكثر تقدمًا وقد ترسخ لديهم صعوبة استيعاب الكيمياء.

 

الكيمياء هي التجربة:

“ويجب أن تعلمَ أنَّا نذكر في هذه الكتب خواصَّ ما رأينا فقط، دون ما سمعناه أو قيل لنا أو قرأناه، بعد أن امتحنَّاه وجربناه، فما صحَّ أوردناه، وما بطَل رفضناه، وما استخرجناه نحن أيضًا وقايسناه على أقوال هؤلاء القوم”

العالم المسلم “جابر بن حيان”.

 

وهنا يأتي دور المعلم ينبغي على المعلم أو القائم على شرح المادة العلمية اتباع المنهج التجريبي القائم على فرض الأسئلة والبحث عن الأجوبة بالتجريب.

 

وعلى سبيل المثال نرى أن أسلوب بيستالوزي The Pestalozzi Method القائم على التفكير المنطقي والتعلم الذاتي، الذي يشجع الطالب على البحث عن الأجوبة بكل الطرق المتاحة هو الأسلوب الأمثل لدراسة الكيمياء والعلوم المختلفة على أن يوفر المعلم الوسائل المناسبة.

 

متعة الاكتشاف:

للمجهول سحر لا يخفى على أحد والطلبة في المراحل الدراسية والتعليمية يملؤهم الشغف للبحث عن المجهول فيما حولهم.

 

التجارب الكيميائية تمتلئ بتلك المتعة والعناصر الكيميائية المختلفة متفردة في خصائصها وتفاعلاتها كتفرد الصفات البشرية.

فكل عنصر يظهر بشخصية تختلف عن شخصية العنصر الآخر، ولذلك فإن التحدث عنها والبحث في خواصها يعد متعة لا تضاهَى في حد ذاته.

 

علم اللعب وفنه:

“أنا لم أعمل يومًا فـي حياتى بل كان الأمر كلُّه مرَحًا”

المخترع الأمريكي والعالم “توماس أديسونThomas Alva Edison “

 

الكيمياء هي فن التحول من مواد متفاعلة تتحول إلى أخرى مختلفة عنها كليًّا الأمر يشبه كثيرًا السحر.

وعندما نحرر العلم من القوالب المصمتة الجامدة، يتحول العلم إلى متعة وتتحول المعادلات والرموز إلى فن وتتحول التركيبات الكيميائية وروابط الجزيئات إلى عالم مليء بالإبهار كما اللوحة الفنية.

 

لا تخشوا الفشل:

سأل أحد الصحفيين “توماس أديسون” عن شعوره حيال 25 ألف محاولة فاشلة قبل النجاح في اختراع بطارية تخزين بسيطة، أجاب: “لست أفهم لم تسميها محاولات فاشلة؟ أنا أعرف الآن 25 ألف طريقة لا يمكنك بها صنع بطارية، ماذا تعرف أنت؟”

وقال أيضًا: “أنا لم أفشل، بل وجدت 10,000 طريقة لا يمكن للمصباح العمل بها.”

فعدم الوصول لنتيجة معينة لا يعني بالضرورة فشل التجربة، بل يعني أن هناك طريقة أخرى للوصول إلى النتيجة المرجوة.

 

يبدأ الأمر من تساؤل:

كتساؤل طفلتي البسيط بعد مشاهدتها فيلم كرتوني، سواء كنت كبيرًا أو صغيرًا لا تكف عن طرح التساؤلات والبحث عن إجابة.

في الكيمياء كل شيء ممكن وكل شيء متوقع الحدوث.

هل يتحول الرصاص إلى ذهب؟

ولماذا لا نمسك الضوء؟

وهل الخلود فرضية ممكنة وما هو أكسير الحياة؟

فلندرس الكيمياء إذن لنجيب على تلك التساؤلات وغيرها.

وندخل بشغف تملؤنا الحماسة مختبر الكيمياء.

لنتعرف على هذا العلم العظيم ولنعرف ما الكيمياء؟

ما العناصر الكيميائية؟

ما الفروع المختلفة لعلم الكيمياء؟

وكيف نشأت وتطورت؟

ولنرى تجارب كيميائية متنوعة وممتعة نمارسها داخل المنزل.

والأسس السليمة لكي ندرس الكيمياء بمختلف فروعها خطوة بخطوة.

ولكن فلننتظر هذا في مقال قادم، ولنتسلل إلى القارورة الثانية.

 

المصادر :

  • THE PAPERS OF THOMAS A. EDISON. Volume I edited by R. V. Jenkins. Volumes II and III edited by R. A. Rosenberg et al. Johns Hopkins University Press, 1989-1995.
  • BBC NEWS | Science & Environment | The ‘first true scientist’
  • John M. de Man.1999. Principles of Food Chemistry
  • Cloudy with a Chance of Meatballs is a 2009 American computer-animated comic science fiction film


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك