في ظل تعليم مُتَرَدٍّ، من يعلمنا فنَّ الاعتذار؟!

27 مايو , 2018

شاهدتُ فيديو مرة يحكي قصة رجل قام بعمل لافتة كبيرة كُتب عليها عبارات اعتذار ومودة، يعبر فيها عن أسفه لزوجته التي أساء إليها أمام الناس. ثم قام بتعليقها أعلى مبناهم السكني ليراها الجميع. علمًا بأن الزوجة كانت قد طلبت الانفصال بعد هذا الخلاف. وعلَّقت الزوجة بعد أن رأت اللافتة، أنها لم تكن بحاجة لكل هذا، وإنما كلُّ ما رغبت فيه، هو اعتذار بسيط، ووعدٌ من زوجها بألَّا يتكرر الأمر.

 

قد يظن البعض أن ما حدث هو قصة خيالية، ولكنها حقيقة صورها الإعلام ونشرتها الصحف. وقد لفت انتباهي قطعًا أن يعتذر رجل لزوجته، ناهيك عن الملأ. ليس لأن الرجال لا يعتذرون، بل لأن هذا العمل ـــ مع الأسف ـــ يعتبر في عالمنا العربي بالذات ظاهرة نادرة الحدوث. بل لنكون أكثر إنصافًا، فالأمر في الحقيقة يتعدى الرجال، والنساء، فقد اتضح لي على مدار السنين أنها ظاهرة مجتمعية، متأصلة في أحيان عدة في التربية.

 

أذكر أننا عندما كنا في المدرسة، وكانت بعض المدرسات أحيانًا يضربننا أو يعاقبننا أو يسئن إلينا بأي طريقة، ودون وجه حق، كنت أنا وزميلاتي نشتكيهن لأولياء أمورنا، الذين كانوا يحضرون للتحدث معهن. وكنا لا نجد منهن إلا الاستكبار والإصرار على الخطأ، ولا يعتذرن إلا إذا هددهم ولي الأمر، أو حذرتهم المديرة.

كما أن كثيرًا من زملاء عملي كانوا يقولون لي: “لقد علموني ألا أعتذر حتى لا يعتاد الناس على ذلك!” وللأسف نسوا الذين علمهوه هذا الأمر أن يخبروه، أن على الإنسان أن يجد الجرأة على الاعتذار تمامًا كما وجد الجرأة على الخطأ!

 

إن كثيرًا من الأهل والمدرسين والمربين يغفلون عن تعليم أبنائهم أن الحل الوحيد للهروب من الاعتذار هو عدم الخطأ، وقد قال لي أحدهم مرة تلك العبارة الحكيمة، وهي:”إياك وما يُعتذر منه”. فإذن هذا هو الحل الوحيد لتجنب الاعتذار، ويكون بعدم ارتكاب الخطأ. وليس بالهروب من الاعتذار، ورفض الاعتراف بالخطأ، والتكبر على الناس!

 

كذلك، شاهدتُّ فيديو آخر يَعرِض لأب يعلم ابنته فن الاعتذار، وأنه حتى إذا لم يتعمد الإنسان الخطأ أو الأذى وكانت نيته سليمة، وجب عليه الاعتذار طالما وقع الأذى. فعندما تدفع البنت الصغيرة أختها الكبرى بغير قصد، يُصرُّ الأب أن تعتذر الصغيرة، وإن لم تقصد ذلك الأمر، لأنها صدمت أختها وبالتالي تسببت في حدوث “أذى لها”.

وهذا يعتبر مستوى مرتفع وأرقى من فن الاعتذار، فالكثير قد يتهاون في الاعتذار عن الخطأ، بحجة أن نيته كانت حسنة، ويتناسى حقيقة أن هناك خطأً ارتُكب أو أذىً وقع.

 

ويبقى مستوى ثالث وأخير من مستويات الاعتذار، وتلك التي لا يحرص عليها إلا القلة النادرة مع الأسف. وهي أن يعتذر الإنسان وإن لم يرتكب خطأً حقيقة، وربما يكون الطرف الآخر هو المخطئ، ولكن لحرصه على بقاء العلاقة قوية وطيبة، يعتذر بغض النظر عن “المخطئ الحقيقي”. ولكن أنَّى لأبنائنا أن يستوعبوا المستويات الراقية من الاعتذار إن كان مبدأ الاعتذار عن ارتكاب الخطأ غائبًا في الأصل!

 

علينا كآباء ومربين أن نُحيي ثقافة الاعتذار بين أبنائنا، وذلك بأن نروي لهم القصص والمواقف التي تحث على هذه الصفة الرائعة والخلق الحسن كقصة الزوج المُعتذِر، أو الوالد الذي يعلم ابنته فن الاعتذار، وغيرها كثير. وبأن نعلمهم حديث نبينا صلى الله عليه وسلم: “كـــل بني آدم خطاء وخير الخطَّائين التوَّابون” (رواه الترمذي).

 

لابد أن نعلمهم أن الاعتذار لا يطعن في رجولتهم إن كانوا رجالًا، ولا يضعف موقفهن إن كن نساءً. وبهذا ترتقي العلاقات الإنسانية والأسرية والزوجية، وتقل نسبة العناد والعجرفة والتمرد والتكبر والأذى. كذلك من المهم تعليمهم أن قول: “أنا آسف” حين نخطئ لا تقلل من شأنهم أو قيمتهم، بل على العكس تمامًا، فالاعتذار يرفع من شأنهم، ويجعلهم من ذوي النفوس الكبيرة الأوابة، وأجمل بتلك من نفوس!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

محمد العمري منذ 7 شهور

مقال واقعي أكثر من رائع

أضف تعليقك