كيف أعرف نفسي؟ وكيف أستغل طاقاتي؟

14 سبتمبر , 2018

نفسك هي أخطر عدو لك إذا جهلتها، وهي أصدق صديق يعاونك إذا أحسنت فهمها والتحاور معها. ومعرفة النفس أو دراستها تعني أن يكون لك معها جلسات ووقفات دورية معها، تتعهدها بالحوار والمتابعة والتقييم.

 

من أين أبدأ تهذيب نفسي وعمران ذاتي؟

 

ودراسة النفس الأولية يعني أن تعدد وتحدد مكامن القوة والضعف والوسط بينهما، وتبدأ في وضع منهجية للتعامل مع كل منها:

– ما آتاك الله من إمكانات وطاقات: هل تتقنها أم تحتاج لمزيد صقل؟ وما مدى الصقل المطلوب؟ وما منهجية التطوير؟

– وما منحك من استعدادات لاكتساب مهارات: مما يتطلب التعلم والتدريب، فهل ستتعلم بمنهجية ذاتية أم باتباع دورة تدريبية؟

– الطباع المعينة في شخصيتك: كطول البال والصبر وعدم الاستسلام بسهولة.. يفيدك أن تجمعها في قائمة لتذكرها دائمًا فتعطيك دفعة تشجيعية للثبات عليها من ناحية، وتعينك على صقلها باليقظة لها من ناحية أخرى.

 

فلنقل مثلًا إنك بطبعك مستمع جيد طويل البال. اليقظة لمكمن القوة هذا يعينك على إثرائه مستقبلًا في أن تكون أكثر ملاحظة لمحدثك من حيث تعابير الوجه وحركة الجسم والربط بينها وبين الحالة النفسية للمتحدث، وإذا جمعت إلى جانب الملاحظة الدقيقة العلمَ بالقراءة والاطلاع في هذا المجال، يمكنك أن تكون محللًا رائعًا للشخصيات وصاحب مفاتيح لمغاليق القلوب وبواطن النفس. قارن بين هذا الواعي وبين من يكتفي بكونه سامعًا يهز رأسه ويهمهم موافقًا: كلاهما على خير لكن القدر والعمق يختلف، وطالما بإمكانك أن تكون أقوى وأعمق وأقدر فلمَ لا؟ و”المؤمِنُ القويُّ أحبُّ إلى اللَّهِ من المؤمنِ الضَّعيفِ وكلٌّ في خَيرٍ” [مسلم].

 

وفي مقابل ذلك، ما الطباع التي تشكل عائقًا: كالاستسلام للنوم والراحة، حب الأكل والخمول، سرعة الملل وقلة التركيز … ، كيف يكون كل منها عائقًا؟ وما الحلول الوسط لتخفيف وطأتها في البداية ثم التغلب عليها تدريجيًا؟

 

مشروعات عديدة وخطوات صغيرة وأوقات محدودة!

 

المقارنة بالغير

من الأهمية بمكان في هذا البند أن تركز على رحلتك وما أوتيت من أدوات، وتدع عنك المقارنة برحلات غيرك وأدواتهم. فمن سعى لتحصيل كل شيء والتفوق في كل أمر، سينتهي به الأمر غير متمكن من أي واحد على الحقيقة، وواحد مسدد في وِجهته خير من ألف مشتتين.

المقارنة النافعة حقًا هي التي تكون مع من هو دونك في النعمة لتحمد ربك على كل حال، ومع من هو أحسن منك في طاعة ليحثك على الاستزادة في الطاعة عامة، ليس بالضرورة في نفس جنس تلك الطاعة أو صورتها.

 

إذ العبرة ليست بكم الأعمال وتعدد صورها إذا كانت كلها صحيحة أو طاعة، وإنما بجودة أدائها وإحسان إتقانها.

 

وأُثِر عن السلف قولهم: “إنّ الرجلين ليكونان في الصّلاة الوّاحدة، وإنّ ما بينهما في الفضل كما بين السّماء والأرض، ذلك أنّ أحدهما مقبل بقلبه على الله عزّ وجلّ، والآخر ساهٍ غافل“.

 

ولما سئل ابن تيمية – رحمه الله – في مراتب الطاعات، عن الأسباب التي يقوى بها الإيمان إلى أن يكمل على ترتيبها؟ هل يبدأ بالزهد؟ أو بالعلم؟ أو بالعبادة؟ أم يجمع بين ذلك على حسب طاقته؟

قال: “لا بد من الإيمان الواجب [والعلم الواجب] والعبادة الواجبة والزهد الواجب؛ ومعلوم أن الصلاة آكد من قراءة القرآن [في وقتها] وقراءة القرآن أفضل من الذكر والدعاء [في القيام] ومعلوم أيضًا أن الذكر في الركوع والسجود أفضل من قراءة القرآن في ذلك المحل، وأن الذكر والقراءة والدعاء عند طلوع الشمس وغروبها خير من الصلاة. ثم الناس يتفاضلون في الإيمان كتفاضلهم في شُعَبه، وكل إنسان يطلب ما يمكنه طلبه ويقدّم ما يقدر على تقديمه من الفاضل. والناس يتفاضلون في هذا الباب: فمنهم من يكون العلم أيسر عليه من الزهد ومنهم من يكون الزهد أيسر عليه، ومنهم من تكون العبادة أيسر عليه منهما. فالمشروع لكل إنسان أن يفعل ما يقدر عليه من الخير كما قال تعالى: “فاتقوا الله ما استطعتم “.

 

“وإذا ازدحمت شعب الإيمان قدّم ما كان أرضى لله وهو عليه أقدر: فقد يكون على المفضول [الأقل فضلًا] أقدَرَ منه على الفاضل، ويحصل له أفضل مما يحصل من الفاضل، فالأفضل لهذا أن يطلب ما هو أنفع له وهو في حقه أفضل، ولا يطلب ما هو أفضل مطلقـًا إذا كان متعذرًا في حقه أو متعسرًا يفوته ما هو أفضل له وأنفع: كمن يقرأ القرآن بالليل فيتدبره وينتفع بتلاوته والصلاة تثقل عليه ولا ينتفع منها بعمل، أو ينتفع بالذكر أعظم مما ينتفع بالقراءة. فأي عمل كان له أنفع ولله أطوع أفضل في حقه من تَكُلف عمل لا يأتي به على وجهه بل على وجه ناقص ويفوته به ما هو أنفع له“.

 

وفي موضع آخر: “وأما ما سألتَ عنه من أفضل الأعمال بعد الفرائض، فإنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم، فلا يمكن فيه جواب جامع مفصل لكل أحد …” ا. هـ .([1])

 

وتأمل في قوله تعالى: “لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا” [النساء: 114]. لاحظ كيف ختم الله الآية بقوله:”وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ“، العبرة بالإخلاص لله تعالى، فمن فتح الله عليه بشيء وأعانه على الإخلاص، فليُبْشِر فعسى أن يزداد من الله بذلك العمل قربًا. ومن لم يجد الأثر المرجوّ فليراجع أولوياته وشواغل قلبه ومن الذي يريد بعمله على الحقيقة، وليراجع قدراته واستعدادته فلعله مشتت في وجهات خير له لو ركز في بعضها أو أحدها، أو لعل لديه من الطاقات أكثر مما يتطلبه ما يكتفي به من عمل أو عملين، ومن يصدق الله يصدقه.

 


([1]) مجموع الفتاوى: كتاب الإيمان الوسط – فصل  في الأسباب التي يقوى بها الإيمان.

 

اقرأ أيضًا للكاتبة:

جذور الانفصام بين هويتنا ومناهجنا التعليمية: الإنسان والمعجم والمنهج

كيف تصوغ مقالة حَسَنة؟

دليلك لمهارات العرض والتقديم (1): التخطيط والإعداد



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك