كيف تكتب بحثا علميًّا سيِّئًا؟ 5 أخطاء فاحشة يرتكبها الباحثون العرب

27 مارس , 2018

عدد الدراسات والأبحاث التي تُكتب في عالمنا العربي يزداد يومًا بعد يومٍ، ولعله يحقق أرقامًا قياسية، وهي مسألة لا تستدعي الفرح بالضرورة، فالكثير من هذه الأبحاث بلا قيمة حقيقية، وهي لا تنفع إلا للحصول على شهادة ماجستير أو دكتوراه تحقق لصاحبها “برستيج” وربما زيادة في الراتب فقط.

أما الأرق العلمي فهي مسألة غير واردة؛ لأن موضوع البحث نادرًا ما يُثير صاحبه، فتجد الكثير من الباحثين يسعون للانتهاء من البحث بأقصى سرعة؛ فيقتبس الواحد منهم الكثير وهو لا يُدرك خطورة خرق قواعد الاقتباس، هذا غير أن بعض الباحثين لا يُفرق حقًّا بين التقرير والبحث، ويظن أن وظيفته تتمثل في الحصول على بضعة أرقام ونتائج لعرضها، وهذا وهم، والأسوأ حين تجد من يتفنن في زيادة عدد الصفحات، وحين تقرأ بحثه لا تجد فيه إضافة علمية حقيقية، فهل هناك أسوأ من كُل هذا؟ نعم وهو ما سنعرضه من خلال استعراض بعض الأخطاء التي تُزعج بعض كبار الباحثين العرب!

 

الأرق العلمي؟

 

بعكس ما قد يتخيَّله بعض الناس، فإن الجامعات العربية تقدِّم كُلَّ عام عددًا لا بأس به من الأبحاث لنيل درجة الماجستير والدكتوراه في عالمنا العربي، ولكن أين وكيف يُستفاد منها؟ هذه مسألة أخرى تمامًا فالكثير من الأبحاث تُكتب من أجل نيل الدرجة، وليس لسؤال كبير يقض مضجع الباحث! بالنسبة للباحث د.عادل أبو زهرة، فإنه يتساءل وهو يرى أعداد الأبحاث التي تُنشر في مصر ويقول:

“‏هل يا ترى كان دافع هؤلاء إلى البحث هو محاولة الوصول إلى إجابات عن أسئلة تؤرقهم في مجال تخصصاتهم؟ وهل بحوثهم من الجدية، بحيث إنها ستسد ثغرة في بناء المعرفة؟ وهل ستُسهم هذه الأبحاث في حل مشكلات يواجهها وطنهم؟ وهل لديهم دراية بأصول البحث ومناهجه وأسلوب كتابة تقريره؟‏!‏‏”. أما الحل فهو أن يتفكر الباحث العلمي في مُشكلة ما تؤرقه في عمله أو دراسته؛ فيذهب ويُطالع ما كُتب حول هذا الموضوع، وبعد الاطلاع وعدم إيجاد حلول فيما سبق من أبحاث، هنا تبدأ الحاجة للشروع في البحث!

 

قواعد الاقتباس.. والقراءة ثم القراءة ثم القراءة!

 

بما أن البحث العلمي لا يكون إلا بالاعتماد على المراجع العلمية والاقتباس منها، إلا أن الكثير من الباحثين لا يُدركون إحدى أبرز قواعد الاقتباس في البحث العلمي وهي أن هناك اقتباسًا مباشرًا وآخر غير مُباشر، وهو مطلوب وبغيره لا يكون البحث، بينما الاقتباس المباشر مع الجهل بقواعده قد يكون أفضل وسيلة لكتابة أسوء بحث، هذا إن لم يؤدي بالباحث إلى تُهمة “السرقة العلمية”، التي انتشرت في عالمنا العربي في الآونة الأخيرة بشكل مُبالغ به.

هذا ما جعل د.عبد الفتاح ماضي ينشر مقالة خاصَّة على موقعه الإلكتروني حول قواعد الاقتباس، والتي يُشير فيها إلى أن نقل أربع كلمات متجاورة من أي مصدر أو مرجع دُون علامات اقتباس أو إشارة للمصدر يُعتبر في الكثير من الجامعات في قوة سرقة علمية.

ثم يؤكد أن عدد الاقتباسات المُباشرة يجب ألا تزيد عن بضعة اقتباسات، حتى لو تمت الإشارة فيها للمصدر، وأما القاعدة الأساسيَّة للكتابة برأيه فهي: القراءة ثم القراءة ثم القراءة ثم الاستيعاب بشكل جيد وبعدها على الكاتب أن يصوغ الأفكار بكلماته، ولا ينقلها كما جاءت في المصدر تمامًا!

 

الفرق بين البحث والتقرير!

في كثير من الأحيان قد يتوهم بعض الناس بأن الجُزء الأصعب من البحث يوجد في إجراء المسح الميداني أو الحصول على النتائج والأرقام من الفحص المخبري، وفي الواقع فإن ما يجعل الباحث “باحث” حقًّا ليست النتائج التي يحصل عليها، ولكنه “التفسير”.

 

فكما يؤكد الباحث أ.د. مضر الكيلاني في مقالته “الكتابة العلمية وسبل تقويمها وقـواعــد الكتابة السليمة”  فالمسح الميداني مثلًا يُمكن لأي شخص أن يقوم به، وحتى التحليل الإحصائي يُمكن أيضًا أن يُساعد به شخص مختص به، أما العمل الحقيقي للباحث فهو يكمن في تفسير النتائج، وهو أمر مرهون باستيعاب وهضم فلسفة الاختصاص، وهو أمر لا يُمكن لشخص آخر القيام به غير الباحث نفسه. هذه العملية هي التي تنقل عملية الكتابة من حالة مـن حـالـة الـتقـريـر report إلى البحـث research.

 

ويذكر الكيلاني مجموعة من النصائح الضرورية من أجل القيام بالتفسير على أكمل وجه، منها أنه لا بُد للباحث أن يكون مُطلعًا على ما كُتب من أبحاث سابقة ويعتمدها في إسناد النتائج كما أن المعرفة التفصيلية في مجال البحث وما حوله من عوامل وهضم “فلسفة التخصص” تشغل حيزًا كبيرًا في تفسير النتائج بشكل أفضل.

 

فن الحشو.. مئات الصفحات بلا قيمة!

 

مؤسف جدًّا أن الكثير من الأبحاث في عالمنا العربي لا تُقدر بالإضافة التي تقدمها بل بعدد الصفحات، والأكيد أن هذه ليست عادة من عادات العرب الأصلية، ولكنها جُزء من التقليد الأعمى للغرب وبالأخص لما يُسمَّى بـ “النظام التعليمي الفرنكفوني” الذي يؤخذ به في دول المغرب العربي ولبنان ومصر.

في هذه الدول نجد الباحث يخوض ويستفيض في تحليل المباحث النظرية؛ فتتحول المقدمة لتكون هي “اللب” بعد أن استنفد الباحث طاقاته فيها، وهو يخوض في العموميات والتاريخ والنظريات على حساب الموضوع الرئيس، وهكذا يكون البحث سمينًا، بينما قيمته محدودة جدًّا.

كُل هذا وغيره يوضِّحه الباحث حسين بشوظ في مقالته “مشكل الحشو في الكتابة العلمية “أسبابه، مظاهره، وطرق تجنبِه” كما يوضِّح أيضًا أن المدرسة الأنجلوساكسونية هي على عكس المدرسة الفرنسية فهي تقدِّس التخصص والدراسات التي تصدر عنها “تضع الأصبع على الجرح مُباشرة دون مقدمات”، وبالتالي فعدد صفحاتها محدود بينما قيمتها العلمية عالية جدًّا، ولا عجب في أنها تُعتبر الأعلى قيمة والأرفع جودة بل الأكثر تأثيرًا واستشهادًا على مستوى العالم.

رغم ذلك هناك جامعات في عالمنا العربي لا تقبل رسالة الماجستير إلا إذا كانت فوق الـ 100 صفحة وتقارب الألف صفحة في الدكتوراه، بينما نجد رسائل دكتوراه من جامعات عالمية لم تزد عدد صفحاتها عن 10 أو 20 صفحة وهي متاحة ويُمكن الاطلاع عليها!

 

قمع الذاكرة الحضارية.. سر الفشل؟!

يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري أن أكبر آفات البحث العلمي في العالم العربي تكمن في انفصاله عن المعجم الحضاري الإسلامي، وهو ما يتجسد في محاولتنا الدائمة للحاق بالغرب، وكمثال فإن تدريس اللغات الأوربية يتم من خلال النظر لهذه اللغات من وجهة نظر أصحابها وحسب، وكأن لا أهمية لوجهات نظرنا وثقافتنا وتراثنا.

هذا اللحاق بالغرب يجعل مسألة إبداع الطالب العربي مسألة صعبة، كما يعتقد المسيري فيقول:

“ينبغي على هذا الطالب العربي أن يصفي ذاته الحضارية تمامًا، أي عليه أن يقمع ذاكرته الحضارية؛ حتى يمكنه أن يبدأ في التحصيل والفهم بدلًا من أن تشكل أرضيَّة يقف عليها، ويفهم من خلالها الآخر بحيث يمكنه أن يستخدم تراثه الذي يطرحه في إدراك ما لا يعرف من خلال مقارنة نقاط الاختلاف والالتقاء.”

 

المهم، هل هناك حل؟ لا شك أن هناك حلًّا، وليس معقدًّا، وكل ما يحتاجه الأستاذ والباحث – بحسب رأي المسيري – في بلادنا هو الانطلاق من منظور إسلامي عربي يمكن أن يساعده على اختيار موضوعات جديدة من وحي بيئته والإشكاليَّات التي يواجهها؛ فيترجم إبداعه من خلال أبحاث يعمل عليها بكُل اهتمام، بدلًا من أبحاث تختارها له “القرعة”!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

[…] كيف تكتب بحثا علميًّا سيِّئًا؟ 5 أخطاء فاحشة يرتكبها ال… […]

أضف تعليقك