لماذا يكره أبناؤنا التعليم؟ بؤس الصورة الذهنية

27 يوليو , 2018

يَتَعامَل الذِّهنُ مع التعليمِ باعتباره “مفهومًا” له جذورُه وتجليَّاتُه في الْواقع. ويتبنَّى الذِّهنُ أحكامًا “تقييميَّة”، إيجابيَّة أو سلبيَّة، بناءً على عواملَ كثيرةٍ، منها: أو أهمُّها: “الصورة الذهنيّة”.

 

وحتَّى نُقرِّبَ مفهومَ “الصورة الذهنيَّة” للقارئ، فَلْنَضْرِبْ مثالًا من صميم الواقع؛ شَنَّ الغربُ في العقود الأخيرة صراعًا مباشرًا على الإسلام، أو نمط معيَّن من الإسلام، أيًّا كان الأمر، لا يُهِمُّ هنا.. المهم أنَّه في هذا الصِّراع، أمسى “الإسلام”، وكل المفردات الَّتي تنتمي إلى مجاله الدِّلاليِّ: “الشَّرق، مُحمَّد، اللحية، النّقاب إلخ” رمزًا للخطورة، التَّأهُّب، الطوارئ. ثم بناءً على ذلك تدريجيًّا ينشأ (ارتباطٌ شرطيٌّ) بين كلِّ ما ينتمي إلى الإسلام وبين الفزع والرعب والهلع.

فإذا ذُكر الإسلام، أو شيء من مجاله الدّلاليِّ، استحضر الذِّهن -تلقائيًا- صورًا ذهنيَّة سيِّئَة، تفرض عليه وضعًا دفاعيًّا مُعيَّنًا، ومشاعر مُحمَّلة بالكراهية والرَّفض؛ حتى ظهرت لدينا مصطلحاتٌ مثل (الإسلاموفوبيا)، أي الخوف، غير المبرر، من كلِّ ما ينتمي إلى فضاء الإسلام. حدث ذلك أيضًا مع التّعليم في الوطن العربي، حتى أمسى لدينا ما أسمِّيه بـ (التعليموفوبيا)!

 

وحتى نتثبّتَ من الأمر، وندرك أحدَ أهم الميكانزيمات الّتي تؤثر في عمليّة تعلّم أي شيء.. لا بدَّ أن نستدعي رأيَ الطّفل الّذي تعرّض للضرب في المدرسة أو الروضة، ورد فعله حينما يسمع مفردات تنتمي إلى نفس المجال الدّلاليِّ:” الأستاذ، الأبلة، الميس، المدرسة، الحضانة”، وكيف يتململ ويحاول جاهدًا التذرع بأي عذر حتى ينأى بنفسه ويحفظ كرامته أمام نفسه والآخرين، ويتجنّب الأذى المادي والمعنوي الّذي تعرّض له. أمّا الطفل الّذي وجد في بيئة التعلم احتضانًا حقيقيًا، ودفئًا صادقًا، وعلمًا مقترنًا بالمرح، وتشجيعًا بالحلوى، وتحفيزًا بالكلمات الحسنة؛ فإنه سيكون حريصًا بنفسه على تَكرار التجرِبة، مقبلًا – غير مدبر – إذا طرقت ذهنَه المفردات نفسُها.

 

يدرك القائمون على التخطيط بعيد المدى، وباحثو علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع السياسي، ودارسو الإنسانيّات عامّة، قيمةَ (الصورة الذهنية) ونظرية (الارتباط الشرطي) في التعلّم، أو البيان، أو انحياز الجمهور لاتجاهٍ ما. فعرّف البلاغيّون العرب علمَ (البيان)، الركن الثاني من أركان بلاغة العرب الثلاثة، بأنّه: “العلم الذي يبحث في سلاسة انتقال الذهن من المعنى الأول إلى المعنى الثاني”. وفي ذلك إدراكٌ – ضمنيّ- للارتباط الشرطي الذي ينشأ في الذهن بين المفاهيم والانفعالات. وقد أُلّف في نفس السياق كتابٌ في غاية الأهميّة بعُنوان: “سلطة الصورة الذهنيّة”.

 

تجلّى بؤس الصورة الذهنيّة للتعليم في الوطن العربي في مواضع كثيرة لا تُحصى، رسمية وغير رسميّة. ففي مصر، حتى وقت قريب، عانى حملةُ الماجيستير والدكتوراه الأمرّين – ولا يزالون – من أجل الحصول على فرصة مزاولة أنشطتهم المهنية رسميًا. فإذا كان هذا حال هؤلاء؛ فما بالكم بمن هم دونهم؟!

 

بينما قامتِ السينما والدراما في كثير من الأحيان بتقديم الأشخاص المهتمين بالتعليم أو التدريس في مظهر “الانطوائيين، الغرباء، غير القادرين على التكيّف اجتماعيًا”؛ من “نجيبة متولي الخولي” – الطالبة – إلى “رمضان مبروك” المُعلّم!

 

وكما يقول المسيري – رحمه الله -:

الآداب الشعبية الّتي تُمرر على ألسنة العامة تعكس قدرًا كبيرًا من القناعات والمبادئ الّتي تتبنّاها الجماعة.

 

فنسمع عباراتٍ مثل: “اللي اتعلًموا خدوا إيه؟” أو “سبع صنايع والبخت ضايع” أو “بلد شهادات” أو “يفيد بإيه التعليم في وطن ضايع؟!” وهي عبارات ذات بعد (عَقديّ)، توحي بترسّخ هذه الصورة الذهنية البائسة للتعليم في وجدان الناس.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك